ديوان -لرجل أحببت-للشاعرة وسيلة المولهي: رسائل تشفيرية لرجل مفقود

نائلة الشقراوي
2019 / 12 / 2

لا يمكن ان نمر الى تحليل قصائد الديوان الثالث للشاعرة وسيلة المولهي(بنت الصنوبر)والصادر سنة 2019 عن دار ورقة للنشر دون أن يشدنا العنوان ونتوقف عنده طويلا ."لرجل احببت" هو ما عنونت به الشاعرة منجزها الشعري ليكون المدخل المناسب لمبنى ومعنى نصوصها. تجاوزت الشاعرة الفكرة المستهلكة عن العنونة التي تعطي فقط هوية للعمل إلى جعل العنوان نصا مختزلا يؤطر للنصوص ويحدد ماهيتها قصد توجيه ذكي للقارئ الى دلالات النص. لم تستعمل الكاتبة التعريف لكلمة رجل في العنوان لكنها في الإهداء تعطي هذا الرجل ملامح لها نقاط رصد معينة خاصعة لرؤيتها الخاصة للحب ولما تتطلع إليه الروح من خلاله،من لرجل احببت كعنوان ،إلى (إلى كل رجل أحب، أحب الحياة في حبه وبأنثاه اكتفى ،تعفف وانتشى ) كمحتوى اهداء للديوان الذي خرج بالتسمية من الحالة الخاصة الى العامة وابتعد عن شخصنة المشاعر وربطها بالذاتية الضيقة في الكتابة. عارية الا من الروح تكتب الشاعرة وسيلة المولهي نصوص الديوان كثنائية مركزها الرجل والمرأة ككائنات بعيدا عن التصنيف الجندري أنثى وذكر ،يغيب الجسد في الخطاب لتتحدث الروح و تعبر عن الفكرة ،ويتسع العنوان لرجل أحببت لحديث اخر ولرسائل تشفيرية تكتب الى رجل من طينة خاصة،الرجل المثال الذي يرى في الحب منهلا قيميا أساسه الوفاء والتعفف ،رجل يمنح الحب كما يمنح الحياة اللائقة بروحانيات الانسان الخالية من الصلصال الملوث .لذلك السمو والرقي بالفكرة الغير متجسدة واقعا كان مكتوبا بحروف حاملة للهوية الروحية التي لا تقبل بالكذب والرياء الباحثة عن هوية نقية مفقودة ،هوية وصفتها الشاعرة بالضياع (رسمتك حروفا من ضياع ،كتبت بعضا مني وبعضا منك ،فاكتمل الصمت غربة ).لماذا تكون العلاقة الوشائجية ما بين ثنائية يفترض بها التجانس علامة بارزة لمفهوم الغربة والصمت ؟في نصوصها المؤلفة للديوان تجيب الشاعرة عن السؤال .قطبي حياة احدهما موغل في السفر(الرجل ) والاخر موغل في كبريائه (الأنثى)لو تحدث الجسد هنا لقال العكس وهو ان التكامل موجود كواقع لا ننكره ،لكن المسألة مرتبطة بالروح ،وهذه الروح وان انكرنا تعيش قلقا دائما في علاقتها بالأخرى ،تقر الشاعرة بأن لا مجال للتلاقي ،ويصبح الرجل الذي كتب عنه المنجز الشعري واجهة لاثبات ذلك ،الشاعرة تبحث عنه بداخلها الذي يبدو مسكونا به،وتبحث عنه حولها فلا تجده لأن المثال الذي وضعته ،الصنم الذي صنعته دون أن تحتاج اسما أو صورة هو موجود كوهم يمنحها لحظة شوق وعناق لا يتم حضور غير محسوس لا يهبها اجنحة التحليق أو الحياة (قصيدة للبرد قصة ) .يصعب على المشتغل بالحروف ان يبلغ هدفه ويجعل الحياة التي يريدها واقعا ،صعب على الروح الشاعرة أن تكتفي بما هو موجود أو بالعادي من مشاعر البشر ،الشاعر نبي لا يقبل إلا بالأحاسيس المعصومة وبالسفر القدسي لقلبه نحو الحب ،الشاعرة نفسها تصل بنا الى نتيجة هامة يتداولها العامة دون دراية وهي أن الحب مجرد حروف تجمع في الكتب ،لا يعلم هؤلاء برأيها أن سبب بقاء الحب حبيس القلوب الصامتة أو الحروف الجافة هو عدم إدراكنا لفكرة ان الحب كون كامل هو فكرة صادقة غير قابلة للدحض اذا ما تمكنت من سلوكاتنا وتكويننا اذا ما كانت الروح من عجينتها . (الحب يا سادة ليس نداء أو رثاء،هو وصل ونحن قاطعوا الحياة لسنا اهلا للحب نحن فاقدي البعث ،قصيدة نداء العشق).قصائد الديوان النثرية لوسيلة المولهي هي أداة سفر هي رحلة بوح زادها حروف ذاكرتها القلب والوجدان حروف ارادتها صادقة جمعت ما بين الحاح الفكرة البكر الغير مستنسخة لدى الشاعرة وما بين الوجدان المتأرق لنساء أبين تصنيف الروح على غير انسانيتها . القارئ لا يشعر وهو يقرأ القصائد انه إزاء كتابة وجدانية تكتفي بترديد آهات الحب ولوعته وانما يشعر بإيقاع غريب لناي مشروخ يحاول أن يعزف انغامه لتبليغ الفكرة في اتساق وانسجام فينجح في شدنا اولا لهارمونيا لها بصمة خاصة بالشاعرة التي بنت قصائدها وفق معمارية تقوم على ادماج الوجدان الضاج بالعقل الواعي لتكون نصوص الديوان ملامسة فنية للروح تجعلها تتثنى في امتلاء بالوجع أغلب الأحيان دون أن نشعر بالسواد أو نغرق في الألم فليس كل راو لآلام الروح هو ناقل للحزن وحزن القصائد الملهمة هو قطاف للفرح ،بهجة تحيل عجزنا على الحياة حياة اخرى ضمانتها السفر في متعة تلقي الحرف المكتوب من شاعرة اختارت الصنوبر لقباثانيا لها في إشارة منها لقيمة الثبات على مبدأ الحياة كجوهر قيمي لعلو الفكرة وسمو الأهداف المبنية على التصديق بوجود للطبيعة الخيرة في مكان ما بنا فتغوص جيدا في أعماقنا لتزيد من بريق الأمل الذي أعيته العتمة والشقاء الإنساني.