النبوة في تقاليد الإسلام والكلام(2)

ميثم الجنابي
2019 / 12 / 2

إن تعارض الآراء وتضاد مواقفها من النبوة لا يعني تطابق الإقرار بها مع اللاعقلانية. أما دحضها فليس دليلاً على عقلانية ممثليها. فقد كانت إشكاليات النبوة في جوهرها إشكاليات الثقافة الإسلامية في مستوياتها وميادينها العديدة. إذ لم تكن هي حصيلة الجدل الواقعي بين العقلانية واللاعقلانية. لاسيما وانه جدل لم يتصف بالشدّة المباشرة المميزة لصيغته المعاصرة. فالوحدة الخفية لتلطيفه في حدود المعقول والمنقول قد أدرجت إشكاليات المواجهة في إشكاليات الرؤية وانكسارها في غاياتها. من هنا لم تعد معارضة النبوة أو تفنيد نموذجها الديني رديفا للعقل والعقلانية، تماما كما إن الإقرار بها لم يعن امتهانا للعقل والتقليل من شأنه. الأمر الذي حدد بدوره خصوصية العلاقة المتبادلة بين العقل والنبوة في الثقافة الإسلامية. والقضية هنا ليست فقط في أن الإسلام قد دافع منذ البداية عن العقل، وليس فقط في أن مسألة العقل والإيمان لم تشكل معضلة مقلقة لوعي الأمة وضميرها، بل ولأن هذه المسائل قد أدرجت وحلّت في مجرى سيادة القناعة المعقولة لوحدة المنقول والمعقول. وبالتالي، فإن الجدل الحامي الوطيس أحيانا، جرى حول أولويات هذه العلاقة، وحول كيفية فهم العلاقة القائمة بينها، بما في ذلك في تلك الحالات التي اندفعت فيها عقلانيات الفكر الإسلامي إلى تجاوز تصوراتها الخاصة. بمعنى تناولها قضية النبوة ضمن اطار موقفها من العقل. فقد استند هجوم محمد بن زكريا الرازي ضد مفهوم النبوة اللاهوتي السائد آنذاك إلى تراث العقلانية التأملية. من هنا دعوته لإبطال مقامات الأنبياء واختصاصهم من بين العالمين، لأنه لا معنى للعناية بهم والاصطفاء لهم. إذ بإمكان البشر الاستغناء عنهم بعقولهم . ووجد في إيجاب النبوة لقوم دون آخر مع ما يتبعها من تفضيل بينهم على بعض تناقضاً في الحكمة. وذلك لأنه يؤدي بالضرورة إلى إثارة الخلاف والعداء. على عكس مهمة الحكمة في الوئام والسلام. من هنا صياغته لما يمكن دعوته بحكمة العقل التلقائية. بمعنى أن حكمة الحكيم تقوم في أن يلهم عباده أجمعين بمعرفة منافعهم ومضارهم فلا تنازع ولا خلاف. أما الوسيلة الممكنة لتجسيد هذه الحكمة فهو العقل، باعتباره المنحة الإلهية، التي يستطيع الإنسان بواسطتها إدراك النافع من الضار. فبالعقل يدرك الإنسان أسرار الطبيعة، ويقدر على تطويعها لمنفعته في الزراعة والصناعة والعلوم والفنون. فلولا العقل لكانت حالة الإنسان كحال البهيمة. وإن هذه المرتبة للعقل تلزم الإنسان بالضرورة التقيد به في كل شيء. وأن لا يخضع إلا له، ولا يتبع إلا إياه. فبالعقل يستطيع الإنسان بلوغ السعادة.
لم تعن هذه الآراء في وحدتها سوى المساهمة في صياغة ما دعته المعتزلة بالشريعة العقلية. غير أن الطبيب الرازي حاول أن يجعل منها عقلانية خالصة بالطريقة التي يحرر الإنسان وعالمه الروحي الأخلاقي من الخضوع لشيء ما غير ما يرتئيه العقل. وإذا كانت مفاهيمه تفتقد إلى تعريف دقيق عن حد العقل وحقيقته أو ماهيته المنظومية، فإن مضمون آراءه ومواقفه تعبّر عن مسار التقاليد الفلسفية العقلانية الأخلاقية، التي جعلت من العقل المحك النهائي والمعيار الدائم لتحديد الفضائل والرذائل، وحقيقة الأفعال. مما كان يتضمن في ذاته تحرير العقل من التزامه المباشر بالشريعة الدينية، وبالتالي اسقاط قيمة النبوة المستقلة باعتبارها كيانا حيا قائما، ومعطى مرة واحدة وإلى الأبد. وهي الآراء التي واجهتها الاسماعيلية بشدة تامة، بفعل إمكانيتها غير المباشرة في مواجهة فكرتها عن الإمامة والإمام. فقد رد عليه الداعي الفاطمي ابو حاتم الرازي في كتابه (أعلام النبوة). ولكن إذا كانت آراء الطبيب الرازي تنطلق من الميتافيزيقيا العقلية لتغيير الواقع، فإن آراء معارضه ابو حاتم الرازي انطلقت من الواقع لتأييد الميتافيزيقيا الإسماعيلية. وتعكس هذه العملية موقع وأولوية العناصر الجوهرية في منظومة الفكر عندهما (الله أو العقل). ففي حالة الطبيب الرازي نرى وحدة وترتيب العقل والله، وفي حالة معارضه الرازي: الله والعقل. فقد انطلق الداعي الفاطمي في (أعلام النبوة) من واقع التبعية ووجودها في كل ما هو موجود، فإمام ومأموم، وعالم ومتعلم. ولم يقصد هو بذلك قيم الخضوع والتبعية المطلقة، بل حالة الاحتياج الضروري والتبعية المترابطة. إذ أن أشد الناس عقلا وتعلما احتاج في يوم ما، كما يقول ابو حاتم الرازي، إلى تعلم ومعلم. وبالتالي لا يتساوى الجميع في مداركهم، كما لم يتساووا في عقولهم وهممهم. وإن هذا التباين غير مناط بإرادة الناس، بل بطبيعة الأشياء في وجودها. إذ أن كل ما في الطبيعة والوجود مختلف متباين. وإن التفاوت في الإنسان طبيعي، مما يؤدي إلى تفاوت أقدار الناس. فالأحمق البليد لا يدرك بفطنته ونظره ما يدركه العاقل الكيس. وأن في كل طبقة من الناس فاضل ومفضول، وعالم ومتعلم. وإذا كان هذا التفاوت طبيعيا في الدين والدنيا، فإنه أول ما يشمل العقل ومدركاته. فالناس تشترك في الطباع من طلب الغذاء والتناسل. وإذا كان تشابه الحيوان والنبات وعدم تفاضلها، فلأنها ليست مأمورة ولا منهية، ولا متعبدة ولا مكلفة ولا مثابة. أما اختصاص البشر بتفاضلهم، بمعنى وجود عالم ومتعلم وإمام ومأموم وفاضل ومفضول، فهو بفعل حكمة الحكيم في إظهار الطاعة والمعصية، وإثبات الاستعباد ووقوع الثواب والعقاب، على حسب ما يكون من أعمال الناس باختيار لا بإجبار .
إن معارضة آراء الداعي الفاطمي للطبيب الرازي تسير في الاتجاه العام المميز للفكرة الإسماعيلية في موقفها من الإمام والإمامة. وأن استجماع المفردات والأجزاء المتناثرة للفضائل في البشر يخدم أساسا فكرة الضرورة القائمة في وجود الإمام (الإسماعيلي) باعتباره المثال الكامل لنموذج الوحدة المطلقة بين الحقيقة والسياسة والأخلاق. وهي الفكرة التي حاول حميد الدين الكرماني تأسيسها الفلسفي الأعمق. فهو يضع مسألة البرهنة على النبوة في مستويات ثلاثة: وجودية، واجتماعية أخلاقية، وعقلية معرفية. وترتبط هذه الدرجات فيما بينها من خلال فلسفته العامة عن الإمامة. إذ ليست ضرورة النبوة في منظومة الفكر الإسماعيلي سوى ضرورة الإمامة، ومن ثم وحدتهما الجوهرية في المصدر والوسيلة.
انطلق الكرماني من النقطة التي وقف عندها ابو حاتم الرازي. فهو لم ينظر إلى التمايز والتفاضل بين الناس وضرورة الألطاف الإلهية على عكس ما نظر إليه الطبيب الرازي، القائل بمنافاة ذلك للحكمة الإلهية فحسب، بل وسعى البرهنة على ضرورتها وحكمتها. إذ حاول أن يجعل من واقعية التخصص نفسه أسلوبا للبرهنة على الحكمة الإلهية في النبوة، استنادا إلى أن حكمة الحكيم تتجلى في صدور الأشياء (الموجودات) عنه باعتبارها اقساما وتجليات للحكمة من حيث ترتيبها ونظامها المحكم. وأن الحكمة في ترتيبها ونظامها لوجود الأشياء متعلق بالتخصص نفسه. فهو الذي يفرّق بينها بالشكل الذي يؤدي غيابه إلى امتناع وجود الكثرة (التنوع) باعتبارها آية الحكمة ذاتها. وبما انه لا يمكن رؤية أفعال الحكيم إلا بالتخصص، فمن حكمة الله انه خصّ كل جزء من أجراء العالم المادي المحسوس بأمر من الأمور المميزة له. فالشمس بالنور، والنار بالإضاءة، والهواء باللطافة، والماء بالرطوبة والسيلان، والأرض بالكثافة والجمود. وينطبق هذا بالقدر ذاته على النبات باختلاف أنواعه والمعادن والأحجار وكذلك البشر باعتبارهم جزءا من هذا العالم. وإن ما يميزهم عن غيرهم ويختصون به هو التعقل. وبما أن البشر متنوعون في مداركهم وقدراتهم، فمن وجوب الحكمة تباين تخصصهم بما في ذلك في وجود النبوة والرياسة . وشكلت هذه الأفكار المقدمة العامة لإثبات وجود النبوة وضرورتها. فالإنسان يخلق "عاطلا من المعارف خاليا منها"، لهذا يفترض الوصول إلى الله أن يتولى امورهم من هو قادر وواجب عليه تعليمهم مضارهم ومنافعهم في عاجلهم وآجلهم باصطفاء من يجعله إماماً فيؤيده ليعلمهم ما يحتاجون إليه. الأمر الذي يستلزم بالضرورة وجوب من يقوم بهذه المهمة، والإقامة مقامه والذي توجبه الحكمة ذاتها. إضافة لذلك أن في طبع الإنسان حب الرياسة والظلم، والقهر ومحبة المال وغيرها من الصفات، التي تؤدي إلى التباغض والعداوة والفتن مما يوجب في حكمة الحكيم أن يحفظ جمعهم بتقنين الرسوم والسنن بينهم لحفظ دمائهم. كل ذلك يجعل من اختياره لهم من يقوم بهذه المهمة . أما المستوى العقلي المعرفي فهو ذاك الذي يفترض وجوده علاقة الإمكان والواقع في العقل. ففي نفس الإنسان عقل قائم بالقوة. والحكمة تقوم في اخراجه من الإمكان إلى الواقع. ففي هذا الإخراج يتجلى الكمال الممكن بالفعل. وإن كل هذه المقدمات تشكل بمجموعها وحدة الاثبات الضروري لوجود النبوة وتخصص من يقوم بها بالفضيلة والوحي. ووضع الكرماني هذه النتيجة في معارضة آراء الطبيب الرازي من أن اختيار البعض دون الآخر هو منافاة للحكمة من حيث إمكانية أثرها في إثارة الخلاف والصراع، بينما الحكمة تقوم في تلقائية قدراتهم على إيجاد الحلول العقلانية لمشاكلهم. بينما حاول الكرماني اثبات أن "كل واجب جائز وليس كل جائز واجبا. ولما كان اختيار الله من بين خلقه من يجعله إماما ويؤيده بتأييده ليسوسهم ويحفظ نظامهم، ويعلمهم مصالحهم واجبا، كما اوجبناه وأثبتناه، فكان قتل من خالف السياسة وأمر الله واجباً، فلذلك قلنا وأجزنا" . غير أن هذه النتيجة المستندة إلى قواعد المنطق الشكلي تتعدى في جوهرها مظاهرها الشكلية. وذلك لأنها تحاول استمداد مقوماتها من واقعية الضرورة القائمة في رؤيتها التاريخية للوجود الاجتماعي السياسي ونظامه الممكن.
لقد تعدى الكرماني هنا لاهوتية الصياغة، وأعطى للنبوة طابعها العقلي الباطني والاجتماعي السياسي، بالصيغة التي حوّل، شأنه شأن تقاليد الإسماعيلية ككل، كافة السنن والشرائع المنظمة لوجود الناس وحياتهم إلى سنن إلهية بفعل استلهامها للعقل الكلي (الإلهي). أما الأفكار المعارضة لاختيار النبوة، والقائلة أن بإمكان البشر أنفسهم صنع نظمهم السياسية والأخلاقية والحقوقية المنظمة لحياتهم، فقد رد عليها الكرماني انطلاقا من اعتباره مصدر هذه النظم من جهة أولياء الله وأحبائه . وبهذا يكون قد سعى لوضع العقل هنا في منظومة "الحكمة الإلهية". فهو يؤكد على أن العقل أثمن ما في الإنسان. وبه يستطيع إدراك كل الأمور. ولولاه لكان الإنسان كالبهيمة. ولكن من أجل معرفة ما هو المقصود بالعقل وما هو حده وحقيقته، فإنه تساءل عما إذا كان العقل جسما، أو شيئا ما آخر بمساعدته يكون الكمال لأجسامنا، وعما إذا كان هو نفسنا أو غيرنا؟ وقد أجاب على ذلك قائلا، بأن العقل ليس جسما لأنه غير قادر على الحركة بذاته للإحاطة بالعلم والمعرفة، وهو ليس ما به كمال جسمنا لأنه لا يدرك الصفات المميزة له بحد ذاته. وفيما لو افترضنا إمكانية تربية الطفل، كما يقول الكرماني، دون اسماعه الكلام وأخرجناه من موضعه وكلمناه لكان جاهلا كالبهيمة. مما جعله يستنتج بأن العقل هو غيرنا، ويتعلق به كمالنا. وعلى الرغم من تقييم الكرماني للعقل، فإن الممدوح هنا بنظره، ليس الذي يتطابق مع حصيلة المعارف المتجمعة، بل العقل المطلق (الكلي). وذلك لأن عقولنا، كما يكتب الكرماني، هي حياة طبيعية ناقصة عن الكمال، في احتياج وحركة دائمة نحو بلوغ الكمال الحقيقي. فهي غير كاملة بذاتها ولذاتها.
أما العقول الكاملة الحقيقية، بنظر الكرماني، فهي عقول الأنبياء، وذلك لأن عقولنا قائمة بالقوة لا بالفعل كما هو الحال بالنسبة للعقول الكاملة والمؤيدة بالوحي. وإن عدم استيعاب هذا التمايز هو البحر الذي غرق فيه الأكثرون ممن طابق بين عقول الناس العاديين والعقل الكلي (المطلق). فالعقول الإنسانية العادية هي عقول وجودها خال من المعارف لا تعلم شيئا عن مصالحها. فهي كالمتربي بدون كلام. إذ أن ظهور الإنسان إلى الوجود، بوصفه مخلوقا للّه، يمتلك نفساً قائمة بالقوة ومتهيئة لأن تكون عقلا. ولهذا كان العقل الإنساني الأولي، بوصفه نفسا حيواني التوجه، لا يمتلك بحد ذاته مصادره العقلية. ومن اجل أن تكون هذه النفس عاقلة ومعقولة لذاتها وجب على الحكيم من حيث كونه حكيما، أن يقيم فيها من يقيده، وبمواد الفيض يؤيده، فيجعله معلما للنفس وهاديا إلى ما يكون كمالا لها. فإذا وجب ذلك في الحكمة من يقوم مقامه نبيا بفعل اختلاف الخالق عن المخلوق ألزم ذلك من يقوم مقامه بالتعليم. من هنا ضرورة وجود من يكون في عالم النفس (الوجود الجسماني) نبيا معلما مؤيداً وإماما فاضلا مقدما، باعتباره ممثلا للوحدانية الإلهية. وبالتالي لا معنى للاعتراض القائل بإمكانية هداية الله جميع الأنفس في أن تستفيد كمالها منه (مباشرة)، كما تشترك النباتات جميعا في استفادتها من الشمس الواحدة. وبغض النظر عن صحة هذه المقارنة النسبية، إلا أنها تفتقد للدقة بفعل تباين رتب النفوس في قبول العلم والأمر والنهي من جهة الله. فهي متفاوتة تفاوت الأجسام نفسها. فمنها من يحترق بسرعة، ومنها من يحترق ببطء، ومنها من لا يحترق. وإن النباتات نفسها تثمر بعد استفادتها من الشمس الحلو والحامض والمرّ. من هنا استنتاجه القائل، بأن النفوس أيضا منها "ما هو في سرعة قبول ما يلقى إليه من العلم على غاية لا يفوته فيض عالم القدس، الذي هو كلام الله المسمى وحيا، فيكون بها مخاطباً من جهة ربه" . وبالتالي عدم إمكانية التعليم المتكافئ. لهذا توجب الحكمة "من يقبل أنوار القدس من عالم النفس نفسا واحدة هي العقل الواجب علينا تفخيم أمره وإعلاء ذكره" . كل ذلك يبرهن على أن هناك نفساً واحدة ينبغي أن تختص بقبول فيض عالم القدس وعنها تستفيض المعالم (العلوم) في أمثالها من البشر. وقد سبق وأن عبّر عن هذه الحقيقة الفلاسفة المتقدمون بفكرة "إن المحرّك الأول غير المتحرك، لا يتحرك عنه إلا متحرك واحد" . وهو العقل الممنون عليه بالوحي والنبوة، والذي ينبغي الخضوع له، لا عقول البشر التابعة لهواها . وهي الصيغة التي يظهر فيها النبي المؤيد من السماء، والمصطفى "من عالم النفس والأحياء المخصوصين منها بالكرامة، الممنوحين في عالم النفس شرف الإمامة، المبلغين مرتبة الكمال للتعليم والإكمال، الكائنين بكمالهم كمالا لأنفسنا في كوننا حيوانا الهيا، وكما كانت أنفسنا كمالا لأجسامنا في كونها حيوانا طبيعيا" . فالأنبياء تظهر هنا باعتبارها التجلي الكامل في جمعها للفضائل صدقا وعدلا وسخاء وشجاعة وورعا وأمانة ووفاء، وكذلك علما ومعرفة وتنبيها للأمور بأيسر دليل، وإدراكا لغوامض الأمور بأدنى اشارة وتعريض، وكذلك تميزا بالجرأة والحلم في الأمور، منطبعا بالخير ومبغضا للشر، قادرا على وجوه الكلام في الإفهام والاستفهام التي تتم بها السياسة الإلهية .
وقد سبق للاتجاهات الباطنية وإخوان الصفا أن أسسوا لهذه الفكرة. حيث ركز وا على الجوانب الاجتماعية الأخلاقية والسياسية متتبعين حوافز الحركات الباطنية ومناهج الاسماعيلية في نظرياتها وآراء ومواقف المدارس الفلسفية الكونية والوجودية والمعرفية، أي كل ما نعثر عليه في تركيز إخوان الصفا على الوظيفة الاجتماعية التاريخية للنبوة، باعتبارها "طبا للنفوس" . ومن هنا استنادهم إلى رمزية المثال الاجتماعي السياسي والأخلاقي لا إلى براهين العقل المنطقية. وقد كمنت في ذلك إحدى محاولات التخلص من تناقضات الخلف العقلية في براهينها عن النبوة. إذ ليست مهمة النبوة بنظر الإخوان سوى علاج النفوس. وذلك لأن المريض، بنظرهم، لا يدرك ولا يحس كنه مرضه، لأنه يفتقر إلى قدرة التمييز . مما يعني انتقال فكرة التخصص إلى ميدان الوجود الاجتماعي والنفسي، والذي يمثل الأنبياء في تاريخهم نموذجه الأخلاقي الرفيع. وفي هذا الميدان يجري البرهنة على حقيقة النبوة. . فالنبوة تظهر في آرائهم كما لو أنها مؤشر للصراع، بينما يتحول اشخاصها (الأنبياء) إلى رموز فاعلة في موعد التقاء الروح بالتاريخ أو الأول بالآخر، باعتبارها النقطة التي تبرز فيها ضرورة الصعود الروحي المتسامي، كما لو أنه تحدٍ أبديٍ في مملكة الوجود الدائرة. لهذا تكلموا عن أنفسهم كما لو أنهم الكيانات التي غفت في كهف أبيهم الأول (آدم) تتقلب بهم تصاريف الزمان بانتظار وقت الميعاد، بعد تفرق في البلاد في مملكة "صاحب الناموس الأكبر"، والتي شاهدوا فيها "مدينتهم الروحية في الهواء"، مدينة خروج آدم. إن هذه الصيغة الشفافة لرؤية التقاء الروحي بالتاريخي وتجسّد أحدهما بالآخر هو التعبير الرمزي عن "تاريخ الحق" في رجوعه إلى مصادره الأولى. إذ لا تعني "المدينة الروحية" من الناحية التاريخية سوى استجماع التاريخ النموذجي في مكوناته المرصوصة في بناء "جنة الميعاد". فهي الإمكانية التي أناط الإخوان بالإنسان ضرورة تجسيدها. مما كان يعني في الوقت نفسه إمكانية الإقرار بالنبوة الدائمة في الجمع الرمزي لنماذج التاريخ الكبرى في علاجها نفوس البشر. من هنا مخاطبتهم الجميع بعبارات مثل "هل لك أن تبادر معنا وتركب سفينة النجاة التي بناها أبونا نوح فتنجو من طوفان الطبيعة؟ وهل لك أن تنتظر معنا حتى ترى ملكوت السموات التي رآها أبونا ابراهيم؟ وهل لك أن تكون كموسى فيقضى إليك الأمر فتكون من الشاهدين؟ وهل لك أن تعاني ما عانى القوم لكي تنفخ فيك الروح حتى ترى يسوع عن ميمنة عرش الرب؟ وهل لك أن تخرج من ظلمة أهرمن حتى ترى اليزدان قد أشرق منه النور في فسحة افريحون؟ وهل لك أن تدخل إلى هيكل عاديمون حتى ترى الأفلاك التي يحبكها افلاطون؟ وهل لك أن لا ترقد من أول ليلة القدر حتى ترى المعراج في حين طلوع الفجر" .
إن الارتباط الخفي لتاريخ الروح في نماذجه المتنوعة هو الدعوة الخالصة للإخلاص الأخلاقي والوحدانية الخالصة وشهادة الحق والاقتراب من ملكوته. بمعنى توحيد تاريخ النبوة الدينية والعقلية في الفعل الواعي لغاياته. مما يجعل من النبوة إمكانية فردية واجتماعية تحددها غايات الحق في وجوده الواجب. وهذا بدوره بعني أيضا كفّ النبوة عن أن تكون مخرقة للمعجزات وكياناً ما مرتهناً بدنيا العجائب والغرائب. إذ ليس الأنبياء في نهاية المطاف، حسب تصورات الإخوان، سوى التجسيد الأمثل للعقل والمعرفة. إنهم يمثلون في البشر ما يمثله ترتيب الوجود الطبيعي. من هنا مفارقتهم القائلة، بأن الكون هو كلٌّ واحدٌ كالحيوان، أما الكواكب فهي زينة الأرض والسماء، والإنسان جزء منه، وأكمل صورة وأشرف ترتيبا. أما الأنبياء، فإنهم الدرجة الأرقى والأفضل في درجات الرقي الإنساني. وذلك لأن أفضل الناس هم العقلاء، وأخيار العقلاء هم الحكماء، وأعلى العلماء الأنبياء. فالنبوة اذن هي الدرجة التي لا يمكن بلوغها دون أن تكتمل في الإنسان صفاته الست والأربعين، باعتبارهن خصالا وفضائل للبشر والبشرية. وعندما تكلم الإخوان عن بعض منها، فإنهم اسهبوا في الحديث عن اثنتي عشرة خصلة الأولى، أن يكون تام الاعضاء لكي يكون قادرا على انجاز ما يريده بسهولة، والثانية، أن يكون جيد الفهم سريع التصور لما يقال له ويتلقاه لفهم ما يقصده القائل به حسب الأمر في نفسه. والثالثة، أن يكون جيد الحفظ لما يفهمه ويسمعه ويذكره. وبالجملة لا يكاد ينسى شيئا منه. والرابعة، أن يكون فطنا ذكيا ذا رأي يكفيه لتبيّن أدنى دليل. والخامسة، أن يكون حسن العبارة يواتيه لسانه على ما في قلبه وضميره بأوجز عبارة. والسادسة، أن يكون محبا للعلم والاستفادة لا يؤلمه تعب العلم. والسابعة، أن يكون محبا للصدق حسن المعاملة. والثامنة، أن يكون غير شره في الأكل والشرب والنكاح. والتاسعة، أن يكون كبير النفس عالي الهمّة محبا للكرامة. والعاشرة، أن يكون زاهدا في المال والدنيا. والحادية عشرة، أن يكون محبا للعدل وأهله مبغضا للجور والظلم وأهله. والثانية عشرة، أن يكون قوي العزيمة على الشيء الذي يرى انه ينبغي أن يفعل .
كانت هذه الخصال، بما في ذلك تلك التي جرى إدراجها في الخصال الست والأربعين، هي النتاج الذي لازم تعمق التجربة التاريخية للخلافة في مختلف ميادينها. إذ أننا نعثر في الخصال المذكورة أعلاه على الفضائل السياسية والأخلاقية، والعلمية والعقلية للروح والجسد. باختصار، على فضائل المكونات الأساسية التي احتدم حولها الجدل، بما في ذلك زمن الإخوان، على الصفات الضرورية للخليفة والإمام. وهي الصفات أو الخصال أو الشروط التي أثير حولها جدل الفرق الإسلامية منذ بواكير صراعاتها الأولى عن الإمامة والخلافة وشروطها. فقد كانت هذه الخصال، التي أفردها الإخوان في "واضع الشريعة" هي الشروط المثلى والضرورية التي صاغ علم الكلام الإسلامي أغلبها بالنسبة لشخصية الخليفة. مما يعني افتقاد شخصية النبي والنبوة في آراء الإخوان لطابعهما اللاهوتي المقدس. ولم يكن هذا نتاجا لكون هذه الصفات وغايتها إنسانية الأصل، بل وبفعل إمكانية بلوغها من قبل الإنسان المجتهد.
فقد وضع الإخوان خصال النبوة في صيغة الإمكانية الواجبة. لهذا طالبوا واضع الشريعة بـأن يكون "سليما، قادرا، عالما، ذكيا، محبا للعلم، معتدلا، زاهدا، عادلا، مقداما". بمعنى توكيد القيم القائمة في تصوراتهم عن النموذج الواجب للنبوة. وبهذا لم تعد النبوة كيانا ماوراطبيعيا وماوراعقليا، بل التجلي الممكن للأخلاق الكاملة. فهي الإمكانية التي افترضها الإخوان وأسسوا لها في نظراتهم عنها. لهذا لم يضعوا خصالها الواجبة في ميدان الكينونة الكاملة للفضائل الاجتماعية الأخلاقية والسياسية فحسب، بل والعقائدية الإيمانية، مثل ضرورة تمسكه بالإيمان بالله باعتباره خالق الوجود وعلته، والإيمان بالملائكة والوحي، والنفس وعدم بطلانها، وحرية الانسان وإرادته، والثواب والعقاب حسب العمل .