اله والحقيقة

فرانسيسكو روسو
2019 / 12 / 2

الله والحقيقة.
في يوم من الأيام جلس نابليون بونابرت قائد الحملة الفرنسية وإمبراطور فرنسا في ذلك الوقت مع العالم والمفكر الفرنسي لابلاس وهو عالم ورياضي فرنسي مشهور يعرفه كل مطلع أو دارس للعلوم الرياضية وكان هو ونابليون متعاصرين فدار بينهما حوار فيه الكثير لكي نتأمله، ففي البداية سأل نابليون لابلاس عما إذا كان يأمن بوجود الله أم لا فأجابه لابلاس بالسلب وقال أنه لا يؤمن بوجود الله، فتعجب نابليون قليلا وتابع حديثه بالسؤال من جديد وقال له كيف لا تؤمن بالله، الناس كلها تؤمن بالله، فلماذا لا تؤمن؟؟ … سكت لابلاس قليلا ثم قال أنا لا أحتاجه نحن نستطيع أن نفسر هذا العالم بدون الحاجة إلى القول بوجود الله الخالق المحرك لكل شيء فمثلا لو هيأت لي الظروف والمعرفة المناسبة بكل ظروف هذه اللحظة التي نعيشها الآن أستطيع أن أحسب لك بدقة تامة ما سيحدث بعد زمن معين وبالتالي لا يحتاج لابلاس الله الذي يزعم المؤمنون به أنه يعرف كل شيء وأنه سبب كل شيء فنحن بالعلم قادرون على التفسير والتحليل والمعرفة الكاملة الخالصة كما وضح لابلاس و بالتالي لا نحتاجه بكل بساطة.

هذا النمط من التفكير كان يعرف في عهد الفيزياء الكلاسيكية بنمط التفكير الخطي بمعنى أن الحياة كلها عبارة عن معدلات دقيقة جدا تفسر هذا العالم وفقا للتفسير الميكانيكي للعالم الذي أسسه إسحاق نيوتن بعد ما أنجز وضع قوانين الحركة الثلاثة وكان هذا النمط يتسيد الفيزياء الكلاسيكية تماما لا أقصد هنا طريقة تفكير لابلاس لكن أقصد طريقة فهم هذا العالم الميكانيكية كما فسر نيوتن العالم.

دعونا الآن من الفيزياء الكلاسيكية و لنذهب سريعا إلى بلاد اليونان القديمة بالتحديد قبل ظهور الفلسفة اليونانية القديمة أي فيما يقرب من ٧٠٠ سنة قبل الميلاد وربما أكثر من ذلك حيث شاع نمط غريب من الإيمان الديني وهو الإيمان بإله الفجوات أو الفراغات وهذا المصطلح عرف على يد هنري دروموند في القرن التاسع عشر ولكن الاعتقاد العملي به كان من قديم الزمان كما أشرنا، ما هو إله الفجوات إذن ؟ .. في العالم القديم كان الإنسان يؤمن بوجود الله لأنه في كثير من الأحيان لا يستطيع تفسير الطبيعة من حوله فكان يؤمن بالخالق الكون من باب أنه هو سبب كل هذه الظواهر التي يفهمها ومن هنا أيضا نشأت فكرة تعدد الآلهة فكان الإنسان يؤمن بأنه مثلا عند هطول الأمطار يكون إله المراعي راضيا عنهم وعندما تشتد العواصف ويضرب البرق في الأفق يقول بأنه يوجد إله غاضب مثلا وهكذا إلى ابعد دون من احصاء ولكن مع تقدم الإنسانية والعلم على وجه الخصوص وباتت له قدرة على فهم ظواهر هذا العالم وأسبابها ظن البعض مثل لابلاس أن الحاجة إلى الرب العالم تختفي بقدرتنا على التفسير وهذا وهم فبعد ما كان هناك مصطلح إله الفجوات يلوح في الأفق أصبح هناك الآن ما يمكن أن نصطلح عليه بإسم ” علم الفجوات ” فالحاجة إلى الخالق تختفي مع وجود التفسيرات العلمية الواقعية عوضا عن التفسيرات الماورائية عديمة الجدوى في نظر لابلاس مثلا اما الحقيقة فالخالق الكون مثبثة عقليا وعلميا.

قلنا أن الفيزياء الكلاسيكية كانت تؤمن بالحتمية وبوجود التفسير الميكانيكي الدقيق للعالم ووجود أسباب وظواهر نستطيع أن نحيط بها جميعا بشكل مطلق مع تجربة دقيقة ولكن صدم العالم الفيزيائي بنمط جديد من التفكير يلوح في الأفق من بعيد وكان هذا النمط يتمثل في الفوضى، نظرية الفوضى التي عرفت في أواخر القرن التاسع عشر وتم الاعتراف بها في أوائل القرن العشرين تقول باختصار أن هذا العالم تحكمه أسباب، نعم كما قالت الفيزياء الكلاسيكية ولكن هذه الأسباب لا يمكن أبدا الإحاطة بها من كل جانب ومعرفتها معرفة دقيقة تشبه تلك المعرفة التي يدعيها التفسير الميكانيكي للعالم، مثال بسيط على ذلك أنه مثلا ضربة جناح فراشة في الصين قد تكون أحد الأسباب المساعدة ” و ليست الوحيدة بالطبع ” في إعصار يحدث في الولايات المتحدة مثلا فأسباب ظاهرة مثل الإعصار يكاد يكون من المستحيل حصرها لأنها تتجاوز مئات بل ملايين الأسباب في بعض الأحيان.

و مع هذا النمط الجديد في التفكير العلمي تنتهي غطرسة الإنسان بمقدرته على الإحاطة بكل شيء تبدو حاليا صعبة المنال و لكن يجب أن نتوقف قليلا عند هذه الأنماط الفكرية العلمية ونتأمل ماذا تعني فالأفكار مثل إله الفجوات في العالم القديم وعلم الفجوات في العالم الحديث تفضي إلى مغالطة واضحة فهناك سوء فهم لمفهوم العلة نفسه فقد دأب الإنسان منذ قديم الأزل على فهم هذا العالم ومازال يفهم عنه الكثير كل يوم وفي ذلك حاول الإنسان الكثير من المحاولات لوضع تفسيرات عامة للفهم والبحث والدرس فمن فكرة إله الفجوات إلى التفسير العلمي الذي لا يخالف ظاهر الوحي في العصور المظلمة في أوروبا إلى عصر الفلسفة الكلاسيكية الميكانيكية إلى عصر الفوضى وعصر الفيزياء الحديثة كل هذا التقدم المعرفي الهائل على مدار التاريخ البشري يخبرنا أننا لا نزال أمامنا الكثير لنتعلمه وإننا حين نتعلم فإننا لا نمتلك ولا نحيط بالأشياء إحاطة كاملة كما كان يدعي لابلاس بل إننا نفهم هذا العالم من زاوية المخلوقية للخالق تبارك وتعالى الذي أساء البعض فهم كيف يكون الخالق علة كل شيء كما تدعي الأديان السماوية وكيف يكون بإمكاننا أن نفهم هذا العالم ونفسره تفسيرا علميا؟! ..

علينا أن نفرق مفهوم العلة الطولية والعلة العرضية فنعم الخالق فهو سبب كل شيء وهو خالق كل شيء ، لكنه و في نفس الوقت يعمل في هذا العالم بقوانين وعلل عرضية قابلة للفهم والبحث للذهن البشري فمثلا حينما نقول أن الأشياء تنجذب إلى الأرض بفعل الجاذبية هذا ومع كونه يعطينا تفسيرا علميا دقيقا لهذه القوة التي تؤثر على الأشياء من حولنا إلا أن هذا التفسير لا ينفي وجود العلة الطولية وهوالخالق الجاذبية وسبب انجذاب الأشياء إلى الأرض وهكذا دواليك، فكل شيء في هذا العالم يخضع لسبب طولي وهو إرادة الخالق، ويخضع لسبب عرضي ذلك الذي اختار الرب ان يخلق الأشياء به، إنك حين تتأمل هذا العالم من زاوية المخلوقية كما أشرنا تجد الكثير الكثير من الأشياء التي تجبرك أن تتواضع أمام قدرة الخالق عز وجل وإنه يجب علينا أن نفهم أن العلوم كلها ما هي إلا شواهد لقدرته وفعله وعلمه .
الرسالة الأخيرة من هذه السطور أننا نعلم ونفسر هذا العالم وكل تفسيراتنا الفلسفية والعلمية تنتهي إليه وتبدأ منه فبدونه لما بدأنا ولا بدأت عقولنا في البحث أصلا وعدم وجد المسبب الاول القوانين الكونية هو عدم وجودنا نحن.