القراءة الماركسية لثورة أكتوبر الإشتراكية (3)

فؤاد النمري
2019 / 12 / 2

القراءة الماركسية لثورة أكتوبر الإشتراكية (3)

أحداً من الذين بحثوا في أسباب انهيار المعسكر الإشتراكي والقلب منه الإتحاد السوفياتي لم يأخذ في حسبانه التغيّر النوعي في هيكلية المجتمع السوفياتي بفعل الحرب الوطنية العظمى التي خاضها الإتحاد السوفياتي متحملاً كل قاذورات الإمبراطوريتين الإمبرياليتين البريطانية والفرنسية التي تجمّعت في ألمانيا النازية . تلك هي نقطة البداية التي توجّب على جميع الباحثين في المسألة الإشتراكية و "إنهيار" المشروع اللينيني في الثورة الإشتراكية العالمية أن ينطلقوا منها ؛ ولما لم يفعلوا كانت مقارباتهم من فضول القول وخارج الموضوع . كل تطور أو تغيّر في بنية المجتمع، أي مجتمع، إنما هو انعكاس لتغير في تقسيم العمل وعلاقات الإنتاج وفي التراتب الطبقي .

قادة الغرب السياسيون والعسكريون اعترفوا جميعهم بأن المجهودات الحربية التي بذلها الإتحاد السوفياتي في الحرب العالمية كانت جهود الجبابرة التي لا تقوى عليها الدول غير الإشتراكية . تلك الجهود الجبارة انعكست سلباً على الإتحاد السوفياتي فاعتَلَت خشبة المسرح السوفياتي البورجوازية الوضيعة وتراجعت طبقة البروليتاريا إلى خلف الكواليس . العسكر (16 مليون قتل منهم 9 ملايين) و الفلاحون (عشرات الملايين) وهم أهم شرائح البورجوازية الوضيعة قاموا بدور رئيسي في الدفاع عن الوطن ومتابعة قطعان النازية وإبادتها حتى برلين . ولذلك كان من الصعب تفكيك هاتين الشريحتين ومحاصرتهما بمراسيم سلطوية حال انتهاء الحرب (حاول ستالين من خلال تعليمات إدارية الحد من سلطان العسكر لكنه رفض تفكيك طبقة الفلاحين بمرسوم سلطوي) .

لم يدرك التناقض الرئيس الخطير المستحدث بفعل الحرب في المجتمع السوفياتي سوى ستالين فكان على غير العادة أن دعا لعقد ندوة متخصصة تبحث في الإقتصاد الإشتراكي في الإتحاد السوفياتي . وتحقق له في الندوة، وقد شارك فيها كبار رجال الدولة والحزب والمتخصصون في علم الإقتصاد، أن أحداً من المنتدين لم يدرك التناقض الكبير في المجتمع السوفياتي بفعل الحرب وخطورة ذلك التناقض على مستقبل الثورة الإشتراكية . كانت طبقة البروليتاريا قد توارت تقريباً فبعد أن تكبدت معظم الخسائر خلال السنة الأولى من الحرب حيث لم تكن المواجهة متكافئة فقد انزوى حزبها الشيوعي ولم يمارس نشاطه الشيوعي لخمسة عشر عاماً 1938 – 1952 . وتحولت الصناعة المدنية إلى صناعة الحرب بالإعتماد على النساء أما الرجال فقد ذهبوا للحرب . بعد خمس سنوات من حرب شديدة الوطأة إنتقل مركز القوة في الإتحاد السوفياتي من طبقة البروليتاريا إلى طبقة البورجوازية الوضيعة وطليعتها الجيش صاحب الأمجاد الحربية يعاضده الفلاحون .

في العام 51 وبعد انتهاء برنامج إعادة الإعمار وجد ستالين نفسه وحيداً يواجه أصعب المسائل التي بدون حل جميعها يتعذر استئناف عبور الإشتراكية وهو الأمانة التي إئتمنه عليها لينين . على أولئك الذين يطعنون بستالين صبح مساء عن عهر فيهم أم عن فقر فكري ألا يجهلوا أو يتجاهلوا حقيقة أن ستالين كان الإنسان الوحيد في العالم الذي يجهد بكل جبروته لإستئناف عبور الإشتراكية نحو الشيوعية مع بداية النصف الثاني من القرن العشرين بل وبدون حزب شيوعي مثل الحزب في أكتوبر 1917 .
ما كان بغير تحويل إقتصاد الحرب السوفياتي (الصناعات الثقيلة) إلى الصناعات المدنية الخفيفة سيتم استئناف العبور الإشتراكي وهو ما اقتضته الخطة الخمسية الخامسة التي قدمها ستالين لمؤتمر الحزب التاسع عشر وتم اعتمادها في أكتوبر 52 ثم تم اغتيالها في سبتمبر 53 إثر إغتيال ستالين في مارس آذار 53 . تلك الخطة التي كانت ستجعل من الإتحاد السوفياتي الدولة الأولى في العالم في الإنتاج وسعة العيش كما كان ستالين قد تحدى جلاوزة حلف شمال الأطلسي في العام 49 .
بعد أن توارى الحزب الشيوعي طيلة سنوات الحرب وإعادة الإعمار رأى ستالين أن استعادة الحزب لحيويته القديمة قبل الحرب تستوجب تغيير قيادته وقد شاخت وفقدت حيويتها واستسلمت للروتين . ولذلك طالب ستالين مندوبي الحزب في المؤتمر العام التاسع عشر عدم انتخاب ذات القيادة بمن في ذلك ستالين نفسه . لم تستجب هيئة المؤتمر لطلب ستالين وأعادوا إنتخاب نفس القيادة دون أدنى تغيير وهو ما تسبب بإحباط ستالين فعاد يؤكد خطورة تلك القيادة على مستقبل الثورة مما دعا إلى مضاعفة عدد أعضاء المكتب السياسي وانتخاب 12 عضواً جديداً في المكتب السياسي يتميزون بالنشاط والحماس لقضية الشيوعية كما طالب ستالين . كما تقرر حذف صفة "البولشفي" من اسم الحزب تمهيداً لمحو طبقة الفلاحين .
في الساعة التاسعة من مساء 5 مارس آذار 53 توقف قلب ستالين عن النبض وفي صبيحة اليوم التالي عقد أعضاء المكتب السياسي الذين كان ستالين قد توعدهم بالتقاعد وقرروا إبطال انتخاب الأعضاء الجدد في المكتب السياسي الأمر الذي يؤكد أن قضية الشيوعية هي آخر ما كان يعنى به أولئك القادة لمركز الثورة الإشتراكية العالمية وهو الحزب الشيوعي السوفياتي .
في أواخر فبراير شباط 53 عقد مجلس الوزراء جلسة برئاسة ستالين حيث طرح ستالين أمر إعفائه من منصب رئاسة الوزراء نظراً لتقدمه في السن مقترحا تعيين خلفاً له أحد الأعضاء الجدد في المكتب السياسي فكان أن عارض الإقتراح أربعة من الوزراء أعضاء المكتب السياسي وهم المارشال لافرنتي بيريا وزير الأمن الداخلي والمارشال نيقولاي بولغانين وزير الدفاع وجورجي مالنكوف ونيكيتا خروشتشوف . طبعاً أولئك القادة في الحزب والدولة رأوا في اقتراح ستالين خطوة عملية نحو إحالتهم للتقاعد كما كان ستالين قد أفصح عن ذلك بعزم قاطع . في 28 فيراير شباط 53 دعا ستالين أولئك الأربعة المعترضين لتناول العشاء معه في منزله خارج موسكو مؤملاً إقناعهم بأطروحته . إذاك رأى ثلاثة منهم، بيريا ومالنكوف وخروشتشوف، فرصتهم للتخلص من ستالين قبل أن يتخلص منهم . تطوع بيريا لدس السم في شراب ستالين أثناء العشاء . كان لبيريا هدف آخر ذو أولوية على هدف رفيقيه في جريمة اغتيال ستالين . كانت التحقيقات في مؤامرة الأطباء اليهود على صحة قادة الحزب تشير إلى مساهمة بيريا في تلك المؤامرة حيث لا يصل الطبيب إلى العمل في المركز الصحي في الكرملين بغير موافقة بيريا وهو ما سيكلفه الرأس وليس التقاعد فقط .
خاب أمل ذلك الثلاثي الشرير الذي عبث بمصائر البشرية جمعاء فبدل أن يحتلوا محل ستالين في قيادة بروليتاريا العالم نحو انتصار الشيوعية في كل أرجاء الأرض كما أمّلوا ركلهم العسكر بطرف الحذاء وجعلهم أذلّة لا يحسنون غير أن يلعقوا أحذية العسكر لينقلوا القذارة من أحذية العسكر إلى أفواههم .
في سبتمبر ايلول 53، أي بعد رحيل ستالين بستة شهور فقط استدعى العسكر اللجنة المركزية للحزب وفرضوا عليها اتخاذ قرار يلغي الخطة الخمسية من أجل تحويل كل الأموال المخصصة لإنتاج الإحتياجات المدنية لإنتاج الأسلحة وكان للعسكر ما أرادوا بالرغم من أن ذلك ليس من صلاحية أية هيأة في الحزب وفي الدولة . كان ذلك القرار هو الضربة القاصمة للنظام الإشتراكي التي لم يتعافَ منها حتى الإنهيار . تلك القذارة لم يتحملها لسان مالنكوف فاستقال من الأمانة العامة للحزب ليخلفه نيكيتا خروشتشوف ذو اللسان الغليظ الذي يتحمل مختلف القاذورات .
في التحضير للمؤتمر العام العشرين للحزب الشيوعي في فبراير شباط 56 طلب العسكر من خروشتشوف أن يحطم إيقونة العمل الشيوعي يوسف ستالين الذي ظل يطاردهم شبحه في مختلف معارج التقدم والإنتاج . خروشتشوف كان يعلم أن الخطاب الذي كتبه له العسكر ويحط من قدر ستالين لن يوافق عليه المكتب السياسي وهو ما يحول دون إلقائه في المؤتمر ؛ ولما كان خروشتشوف لا يجرؤ على معارضة العسكر لجأ إلى حيلة لصوصية انطلت على العامة فألقى الخطاب في جلسة خاصة بعدانتهاء المؤتمر . ذلك الخطاب الشرير المليء بالأكاذيب أسس لدعاوى بورجوازية حاقدة ضد قائد البروليتاريا الأرفع يوسف ستالين بالرغم من أن خروشتشوف نفسه قد كال المديح لستالين ودوره القيادي في بناء أول وأعظم دولة اشتراكية في خطابه يفتتح المؤتمر الحادي والعشرين للحزب في فبراير شباط 59 .

(يتبع)