صراع ثنائيّات: تفسير لما جرى وما سوف يجري في لبنان

سعيد عيسى
2019 / 11 / 27

صراع ثنائيّات، هو التفسير المنطقيّ لما جرى، وما سوف يجري في مختلف النّواحي اللبنانيّة، الذي يمتدّ من الدوليّ، فالإقليميّ وصولا إلى المحليّ؛ على أنّه لا يمكن الركون فقط إلى ثنائيّة صراعيّة دوليّة واحدة، تخترق العالم بشكل عاموديّ، إنّما يتعيّن ضمنها صراع ثنائيّات أيضا، فهي على المستوى الدوليّ العام، ثنائيّة الولايات المتّحدة وحلفائها مقابل روسيا وحلفائها، على الأقل هذا ما يتبدى للعيان، لكنّه ضمن هذه الثنائيّة، يوجد ثنائيّات تتصارع أيضا، كالثنائيّة الأوروبيّة - الأميركيّة، والأميركيّة – الصينيّة، والصينيّة – الأوروبيّة مقابل الأميركيّة، والروسيّة – الصينيّة – الأوروبيّة مقابل الأميركيّة، وأوروبيّة مقابل أوروبيّة، والصراع هذا يعكس نفسه على أقاليم العالم والدول، ومنها الشرق الأوسط ولبنان.

ينحدر صراع الثنائيّات الدوليّ نحو إقليم الشرق الأوسط، لينعكس في ثنائيّات ثلاث، هي إيران وحلفائها في العراق، اليمن، سوريا، لبنان، فلسطين، الجزائر، تونس، ليبيا وهذه مرتبطة بالصراع الأميركيّ – الروسيّ من جهة، وبالصراع الأميركيّ – الصينيّ من جهة أخرى؛ والثانية هي ثنائيّة السعوديّة وبعض دول الخليج وحلفائها في اليمن، فلسطين، سوريا، لبنان، ليبيا ومصر، السودان، تونس، الجزائر، والثالثة تركيا وحلفائها من الخليج، سوريا، فلسطين، ليبيا، مصر، الجزائر، تونس، العراق ولبنان؛ هذه الثنائيّات الإقليميّة، مع أنّها امتداد لصراع ثنائيّات دوليّة، إلا أنّها تتقاطع حسب مصالحها أحيانا، كما هي في حالة التقاطع التركيّ الإيرانيّ الذي هو امتداد لمحورين متنابذين (أميركيّ – روسيّ).

ينعكس صراع الثنائيّات الدّوليّ والإقليميّ في لبنان مباشرة، من خلال الانقسام العاموديّ المعروف بفريقي 14 و8، وفي هذا الصراع انعكست الطموحات لتحقيق المكاسب السياسيّة والشخصيّة لقادة الصراع ومناصريهم الميدانيين، من وزراء ونوّاب وموظفي قطاع عام، وقوى أمنيّة، وقضاة، ورجال مال وأعمال، ومقاولين، وفئات من المجتمع تتراوح بين العليا والوسطى والدنيا؛ ولأجل ذلك، رُكّبت السّلطة على قاعدة طائفيّة مسهّلة للصراع، مُستَعادة من الماضي، البعيد والقريب، لرخاوتها، وسهولة تفكيكها وإعادة تركيبها، كلما دعت الحاجة، بما يشبه لعبة "اللوغو"، ولإمكانيّة تحريكها إقليميّا، ودوليّا من جهة، وداخليّا من جهة أخرى.

صراع الثنائيّات الدوليّة يعجّ بالكثير من التعقيدات والمتغيّرات، لا يسير بخط تصاعديّ، فهو يخفت حينا، ويشتدّ أحيانًا أخرى، تتداخل فيه المصالح السياسيّة بالاقتصاديّة بالماليّة، والنفوذ بالسيطرة والموارد، وهذا ينطبق على الثنائيّات الاقليميّة، وبشكل أقل على الثنائيّات المحليّة؛ وانعكست هذه الثنائيّة في لبنان بانقسامه إلى شارعين "سياسيين – طائفيين" في الوقت عينه، سرعان ما استطاع أحدهما أن يتقدّم على الآخر (تقدم 8 على 14)، نتيجة دعم إقليميّ – دوليّ (روسيّ – إيرانيّ)، ومن ثمّ تفكك شارع 14 آذار لاحقا، نتيجة صراع داخليّ بين قياداته على السلطة وإقصاء البعض منهم ليستتبّ لبعضهم الآخر، بالإضافة إلى تراجع المحور السعوديّ وحلفائه الداعم له، نتيجة تقدّم المحور الإيرانيّ عليه، في ظلّ عقد اتفاقات جانبيّة بين الثنائيّ الدّوليّ الروسيّ – الأميركيّ؛ ورغم ذلك، لم ينتفِ وجود هذا الشارع نهائيّا، فاستطاع بعض أركانه المحافظة على وجودهم والتخطيط للعودة من جديد حين تسنح الفرصة لذلك مع بزوغ ملامح دوليّة – إقليميّة سانحة.

منذ شهر ونيّف، بات في لبنان ثلاثيّة بدلا من الثنائيّة، نتيجة نشوء شارع جديد، كردّ على فشل ثنائيتي 8 و14 آذار في إدارة في الحكم في لبنان، خصوصًا ما يتعلّق منها بالسياسات الاقتصاديّة والماليّة والخدماتيّة وغيرها؛ لكنّ الشارع الجديد ملتبس بالنسبة إلى 8 آذار، خصوصا لجهة استهدافه السلطة بمستوياتها كافة، وطرحه إعادة تكوينها من جديد، ما يجعل علامات الاستفهام حوله كثيرة في ظلّ انضواء ما تبقّى من شارع 14 آذار إليه من خلال المشاركة في تحرّكاته، أو نسج تحرّكات خاصة به (14 آذار) وتحت لوائه، دون إعلان علنيّ بالانضمام إليه، ومحاولة الإفادة منه لتعديل ميزان القوى والضغط من خلاله محليّا، إقليميّا ودوليّا.

عمليّا، ستضغط قوى الثامن من آذار على الشارع المستجدّ، ستلجأ إلى فكفكته، ومنعه من بلورة حيثيّة قائمة بذاتها، مستعينة بما لها من خبرة وقدرة وقوّة وسلطة، ستطوّق حركته من خلال استيعاب بعضه في السلطة، وعزل بعضه الآخر، وستقوم بإرضاء جمهوره (الشّارع المستجدّ) من خلال تغيير في السياسات التي كانت قائمة، لكنّها لن تسمح بتغيير قواعد تشكيل السلطة وتكوينها، وستمنع على قوى وشخصيّات الرابع عشر من آذار تعديل موازين القوى لمصلحتها، وكذا الأمر بالنسبة للقوى الإقليميّة والدّوليّة، ستمارس كلّ ما تقدّم بالترغيب والترهيب، بكلمة أخرى ستستفيد منه ومن حركته للإصلاح، إنّما لن تسمح له بالتغيير؛ ومع ذلك يبقى السؤال مطروحا: "في حال استطاع الشّارع المستجدّ فرض بعض من طروحاته، هل ستستطيع عندها قوى الثامن من آذار وقف اندفاعته في ظلّ احتلاله حيّزا واسعا بين جمهور اللبنانيين؟ الجواب متروك للقادم من الأيام؟