إطلالة نافذتي مفعمةٌ بمشهد الحياة .

يوسف حمك
2019 / 11 / 27

كم يكون العمل الجاد مجدياً حينما يحثك للالتصاق بالوطن ، لا لفردٍ أو فئةٍ .
و كم هو رائعٌ عندما يتفجر كمٌ هائلٌ بداخلك من الاندفاع و الحيوية و همة العطاء ، للبناء و الإبداع ، لا لانتفاخ الجيوب و تورم البطون ، أو دفن الأرصدة في البنوك خارج الحدود .
و كم هو بديعٌ وقتما تتحكم في الذات و السلوك بغية الارتقاء و الرفعة ، لا للهبوط و الانحدار نحو الهاوية .

الجو بديعٌ هنا ، و زخات المطر الناعمة تهبط بتوددٍ لترطيب النفوس . كما الضباب الخفيف يخيم على الأجواء بلطفٍ ، دون أن يحجب الرؤية بالكامل .
و أشجارٌ تعري جسدها بالتدريج ، عما كسته من أثوابٍ في فصل الربيع الخيِّر ، تسمح بنفاذ النظر من بين أغصانها العارية بعد الانسلاخ .

عبر نافذتي في الطابق العلوي نشاطٌ مكثفٌ وسط تبدد ظلام الصباح الباكر .
بعض الناس هنا ربما ليسوا من مشجعي الاستيقاظ باكراً ، لكنهم ينهضون دون مشقةٍ من الفراش وسط العتمة ، يتأهبون للخروج -كمحاربين مؤدلجين - لإنجاز أكثر المهام تعقيداً .
و لِمَ لا ؟ فهم في بلاد الإبداع و التنمية المستديمة ، و بناء الإنسان و الأوطان معاً .
انضباطٌ صباحيٌّ عالي المستوى من التنظيم و الرتابة لإنجاز ما لا يمكن إنجازه في بلدان الشرق المنحوسة .
نشاطٌ تعجز المغريات عن هدر الوقت لإبطائه ، أو أخذ الزمن منه لإيقافه و احتضاره .
مشهدٌ يسير في سياقه السليم ، بعيداً عن آهات الحروب و وجع ضنك المعيشة . غير آبهٍ بالعتمة قبل انقشاعها .

كثافةٌ مروريةٌ ، و زيادة فعالية الحركة في الشوارع ، و لاشيء يعيق تقدمها .
طلابٌ يتوجهون صوب مدارسهم ، لتلقي العلم و التشبع بالمعرفة .
موظفون يسرعون الخطا للالتحاق بمقرات وظائفهم .
أصحاب المهن الحرة يبادرون إلى أماكن عملهم .
و آخرون يفتحون أبواب مخازنهم و محلاتهم و مطاعمهم .
سيارات النقل الداخليِّ تزحف مسرعةً لنقل ركابها إلى حيث مبتغاهم . و العبء الأكبر يقع على عاتق القطار ، دون إبطاءٍ أو مللٍ .
أمهاتٌ يدفعن عربة النقل الصغيرة لإيصال أطفالهن إلى الحضانة .
امرأةٌ هنا برفقة كلبها الوفيِّ متجهةً نحو الغابة ، تطلب الراحة و الترويح عن النفس لكليهما .
و هناك من يمارس الرياضة جرياً ، و بركوب الدراجة ، أو مشياً لكسب اللياقة و التمسك بتلابيب العافية .
و واحدةٌ تدخل متجراً كبيراً ، و أخرى تخرج دافعةً عربتها المليئة بموادٍ غذائيةٍ لعائلتها ما يكفي لأسبوعٍ أو أكثر .

مشهدٌ مصغرٌ للحياة اليومية الناجحة ، يتكرر أمام ناظري من خلال فتحة نافذتي باستثناء يومٍ واحدٍ من عطلة نهاية الأسبوع . حيث الهدوء و منتهى الخرس ، و خلو الشوارع من المارة ، و لا أثر للحركة البتة في فترات الصباح .
و كان قوانين الطوارئ سيئة الصيت التي تطبق في بلدان الشرق التعيسة قد فُرضت على الشوارع و الأزقات هنا ،و بإجراءاتٍ أمنيةٍ مشددةٍ .