العراقي الجبار

هيثم بن محمد شطورو
2019 / 11 / 26

لا يمكن لأي عاقـل إلا أن يقف بكل إجلال مشوب بالانـدهاش والإحساس بالروعة أمام ما نراه من زحف جماهيري كبير في الشوارع ليسترجع الشعب العراقي العظيم امتلاك أرضه شبه المقدسة. وفي استحضار صفة القداسة لا يعني الإلتـقاء بالمعجم الديني بل إن شئنا القول بالمعجم الجامع بين الديني والتاريخي الغائر في التاريخ وبين الفكري المنفلت من جميع التصنيفات والتحديدات الأكاديمية.
انك فعلا تجد نفسك أمام سر عظيم. أمام مخفي روحي كبير وجليل يعاند العالم كله وقوى الظلام كلها المنصبة عليه لطمر نوره، ولكن نوره العظيم تجده ينهمر بين ثـنايا الظلمات بقوة ساطعة عنيدة مجلجلة كأجراس الكنائس في الساحات المختلفة من ارض العراق، سواء ما ظهر منها أو ما خفي، وسواء ما اندفع منها أو ما سيلحق وما سيتجلى من تمظهرات جديدة..
فعلا إن العراق سر عظيم، وفعلا فهو ارض الجبابرة. جبابرة كالأطفال في وداعتهم وطيـبتهم ولكنهم بما أنهم يستبطنون سر قوة رهيـبة بالفعل فإنهم لا يعكسون في الظاهر إلا تلك الصفات من الطيـبة الطفولية. لعل ذلك مكمن قول "الحجاج ابن يوسف" بـ"يا أهل العراق يا أهل الشقاق والنفاق"، أي أنهم طيـبون إلى أبعد الحدود ووحوش ضارية إلى أبعد الحدود. وتلك الطيـبة لعمري هي طيـبة الإنسان العائش روحيا في الحقيقة والمثالي والمتـشبع بحقيقة يعيشها ويعيش لأجلها مما يجعله يحب نفسه ويحب الآخرين بالتالي. وذاك العيش في الحقيقة وبالحقيقة مهما كان تحديده لها، ولكن المهم هنا هو التهافت إلى اكتساب حقيقة وبالتالي الاعتـقاد في عدمية الحياة بدون حقيقة نعيش بها ولأجلها. وهنا إذن بكل بساطة فهي ذاتية كلية في الصميم وليست فردانية شاحبة هزيلة. المهم هنا هو العيش في التسامي والمثالي، هو في نفس الوقت، خلافا لما يمكن وصفه بالنفاق وما هو إلا هذا الازدواج بين القوة الفعلية المستبطنة التي تعبر عن نفسها كقوة جبارة متى ما استحكمت الظروف ذلك، فإنها كذلك تكون عنوان الشقاق بمعنى التمرد والإنـشقاق أي الثورة.
فما نشهده اليوم من ملحمة عراقية عظيمة هو ليس إلا تعبير العراقي عن نفسه ككيانية ذاتية ثورية. ذاتية متخمة بنشاط روحي باطني عميق جدا. العراقي اليوم كأنه اكتـشف حقيقـته هذه، وكأن جهنم التي صبت على رأسه منذ سنوات عديدة، ما هي إلا ضرورة تاريخية لأجل هذه اللحظة التي يعيش فيها العراقي حقيقته ككائن ثوري روحي لامتـناهي، وكأن الله يرقص في الأرض حسب التعبير النيتشوي في أثره الملغز "هكذا تكلم زرادشت"..
منذ أول أكتوبر إلى نهاية شهر نوفمبر اليوم، وحوالي ستمائة شهيد وآلاف الجرحى حسب تـقارير منظمات حقوقية، وذلك نتيجة المواجهات الأمنية الضارية بالرصاص الحي تجاه متظاهرين بلا سلاح سوى حناجرهم ولهيب النار من عيونهم. مازال العراقي يكتسح الساحات العامة في الناصرية وبغداد والبصرة والنجف وكربلاء وغيرها من المدن العراقية في الوسط والجنوب. يخرج للتـظاهر وهو على علم أن اليوم يمكن أن يكون يومه، ولكنه ليس يوم الموت الحزين الكئيب في إحدى زوايا خرائب الدنيا، ولكنه يوم تحرره الذاتي نحو أفـق المطلق الكلي الذي يملأ قلبه العائش في المثالي والمستحضر لذاتية تاريخية روحية حية مفعمة بأريج الخلود المغتبط على الدوام. ولا ننسى أن عمق العمق للشخصية العراقية هي ملحمة "غلغامش" التي ترى الخلود في الأرض وبالعمل الجبار في الأرض. أضف إلى ذلك بنيان روحي صلب للإسلام الصافي العنيد المثالي الذي مثـلته شخصية علي ابن أبي طالب وهي التي طبعت الشخصية العراقية بشكل عام.
انه بابل الشامخة. انه نبوخذ نصر. انه القبائل العربية الشريفة وانه سعد ابن أبي وقاص والقعقاع والجاحظ وأبو حنيفة والنعمان وهارون الرشيد والمأمون. انه علي ابن أبي طالب الذي مثل سهما خارقا للإسلام المحمدي الأول في الوضع الجديد لتحول الإسلام إلى إمبراطورية وملكية ودولة، ليكون نابضا تاريخيا دائم الإحداث للتوتر الثوري المعلن لقيامة الروح الكلية على الدوام، مثلما أوضح ذلك المفكر التونسي "هشام جعيط" في كتابه "الفتنة". وفعلا فشخصية علي ابن أبي طالب هي العنوان الأبرز في تكوين الشخصية العراقية سواء أكانت سنية أو شيعية، مسيحية أو عربية أو كردية، ولكن خاصة عند العراقيـين الشيعة..
وهذا المد الجماهيري العظيم في جنوب و وسط العراق وبغداد يؤشر إلى غلبة العنصر الشيعي في الثورة الشعبية العراقية اليوم، ولكنه يؤشر إلى إمكانية انـتـشار المد الثوري الجماهيري في عموم العراق بل حتى فيما يسمى المناطق الكردية في شمال العراق. بل انه لربما يؤشر إلى إمكانية الاتجاه إلى تركزه في بغداد لإحداث الانقلاب على مستوى هرم السلطة لأنها تـتركز بالأساس في العاصمة مثل أي سلطة سياسية في أي دولة.
ذاك أن العراقي بشكل عام حسب تصورنا ومعايشتـنا له لفترة زمنية تـقارب الأربع سنوات، هو نفسه من شمال العراق إلى جنوبه، وفي ريفه أو مدنه. شخصية تحب الحياة بشراهة وفي نفس الوقت تعيش بحقيقة مثالية بل حقيقة تـتلبسه حتى بما يمكن اعتباره علميا خرافات وأساطير، ولكنها حقيقة حقيقية بالنسبة للعراقي ويتحمس لها بل انه مستعد للموت لأجلها. كما أن فكرة الموت لا تمثل هاجسا كبيرا عند العراقي مقارنة بالشعوب الأخرى، بل إن الموت عائش معه باستمرار وهو يتمثل أساسا في شراهة إقباله على الحياة بكل اندفاع، ويتوضح ذلك في طريقة أكله وعاداته الغذائية وفي غنائيته الحزينة و شعره وشعريته وشاعريته، كما يتمثل في ابسط أمور حياته..
أضف إلى ذلك عنصرا جوهريا يميز العراقي وهو اعتـقاده الصميمي في ذاته ونرجسيته وكبريائه العظيم. انه يستبطن دون أن يعلن إلا تلميحا إلى اعتبار نفسه الكائن الإنساني الأرفع، وانه جمجمة العرب بل جمجمة العالم، أي رأس العالم وهو مسئول عن العرب و العالم وعن تـقويمه بما هو حق أو بما يراه هو حق. ورؤية الحق هذه صميمية بحيث أنها نابعة من النظرة الدينية العميقة والنظرة التاريخية العميقة المفعمة بمحطات ترؤس العراقي للعالم لأجل التـقدم بالتاريخ الإنساني حضاريا.. بابل وشرائع حمورابي فيما مثلته من اختراع إنساني لمفهوم الدولة بما هي شرائع وقوانين. الحضارة السومرية واختراع الكتابة بما هو اختراع للتأريخ والتدوين وبما هو تأسيس فعلي للتجارة بواسطة التوثيق للعقود والتفاهمات والتبادلات مما جعلها تأسيسا أوليا لمبدأ التداول للبضائع بواسطة الكتابة على نطاق واسع وبالتالي مراكمة الثروة، وهذه الكتابة التي تحولت شيئا فشيئا إلى كتابة أدبية وفكرية وبالتالي تأسيسا للروحية الإنسانية..
فلا ننسى أبدا أن العراقي يعني في نهاية المطاف الدولة العباسية وبغداد التي كانت شمس العالم.. لكن الشمس لا تغيب بمثل ما أثبتت النظريات العلمية وصور الأقمار الصناعية، بل دوران الأرض هو الذي يحجبها حينا.. فهل دوران الأرض التاريخي اليوم هو فجر جديد للإنسانية من حيث الزحف العراقي الجبار الغلغامشي الذي هو بمثابة حركة كونية في اتجاه بزوغ شمس بغداد من جديد؟؟
إنها، ربما، ثورة عودة الروح. عودة الروح إنسانيا هي دولة عادلة لشعب حر. المعادلة التي لم تصل الثقافة القديمة إلى تعقلها والآن أصبح بالإمكان تعقلها والنضال لأجلها..