ضرورة الكتلة التاريخية.. في نقد الحالة المصرية

عصام شعبان حسن
2019 / 11 / 26

قبل شهرين من الاستعراض الدوري في جنيف لملف حقوق الإنسان في مصر، احتجز ما يزيد على أربعة آلاف بعد تظاهرات سبتمبر المعارضة للنظام المصري، ولم تقتصر الاعتقالات على المتظاهرين، بل تضمنت قياديين من التيار المدني الإصلاحي، من بينهم أحزاب الكرامة والتحالف الشعبي والدستور، بل وقياديين من حزبي التجمع والشيوعي كذلك، على الرغم من موقفهما غير المعارض. يتحفّظ المحتجزون على سياسات النظام. صحيح إن بعضهم لم تعد له أنشطة سياسية، ولكن الحملة استهدفت إيصال رسالة واضحة، لا تساهل مع شعار إسقاط النظام، ولا إمكانية للتظاهر أو حتى تبريره، ولا بد من رفضه بشكل تام، معظم الأحزاب التي طاول أعضاءها الاعتقال علّقت على الحراك وبررته، على الرغم من تحفظ بعضها على التظاهرات، بل والتحذير منها.

جزء من معضلة السياسة في مصر هذا القياس المزدوج، وغياب ليس وحسب قيم العدالة والنزاهة، في التحليل والمواقف، بل والعقلانية أحيانا. تجد شخصيات ورموزاً وأحزاباً تدّعي المعارضة، وتتحفظ على سياسات النظام اقتصاديا وسياسيا، لكنها تسانده، في سلوكٍ يحتاج مداخل متنوعة في التحليل، تطالب بعضها بالإفراج عن المتظاهرين من غير الإخوان المسلمين، ليصوّروا أن المظاهرات صناعة إخوانية، فضلا على أن يروج فكرة أن الانتماء في حد ذاته تهمة، وينسون أن ما طاول "الإخوان" بالأمس يطاول غيرهم اليوم. هكذا انخفض وانحط الخطاب وزُيّف الوعي، بعد أن كانت الحركة الوطنية المصرية شعارها الدائم الإفراج عن كل معتقلي وسجناء الرأي غير المتورّطين في أعمال عنف، وضمان محاكمة أي متهم بشكل عادل، يصبح الشعار الإفراج عن غير الإخوان المسلمين. ولمنطق تبرير الانتهاك جذوره التاريخية، وهو مرتبط بتكوين القوى السياسية بجانب قدرة السلطة على المناورة والتقسيم وإجهاض أي محاولات لبناء تحالفات أو جبهات معارضة، وانسياق قوى سياسية وهرولتها للتحالف مع السلطة.

شيء لافت في تاريخ الحركات السياسية المصرية استخدام التيارات الإسلامية، خصوصا ضد قوى اليسار في الجامعات المصرية، حيث وصلت المواجهة إلى حد وقائع عنف، وشهدت عدة بلدان عربية وقائع مشابهة منها تونس. لم يكن الأمر مجرّد صراع بين قوى اليسار والإسلاميين على الفضاء الجامعي، بل ارتبط باتفاقات سياسية مع السلطة، حرب بالوكالة. في مراحل أخرى، استخدم التنوير اليساري حكومي الصنع ضد المعارضين، إخوانا كانوا أو نخب مجتمع مدني، كلاهما يطاولهم التخوين وما زال. توضح هذه الوقائع عجز مجتمع السياسة وإفلاسه في بناء صيغة توافقية حول ما هو أساسي وما هو ثانوي، وتكشف التناقض ما بين الفكر والممارسة، ويتعارض السلوك مع قيم النزاهة والعدالة، لذا جزء من ضعف البناء السياسي عجز قواه عن تكوين مواقف مستقلة عن السلطة، وتفتته يرجع لانصياعه لهذه المعادلات، تحالف بعض قواه مع السلطة أو بالأدق استخدم بعضها ضد الأخرى.
وضعت قوى الثورة نفسها في ساحة الدفاع، بدلا من الهجوم، بداية من الرّهاب الذي أصاب الإخوان المسلمين، دفاعا عن المجلس العسكري ضد منتقديه في مجلس النواب الذين حازوا أغلبيته، أو الرهاب الذي أصاب القوى المدنية من نقد السلطة، حين سحقت "الإخوان"، وهو المنطق نفسه الذى دفع شباباً يكتبون على الحائط "فلان مش إخوان"، وكأن "الإخوان" مبرّر سجنهم وسحقهم بمعاونة التنويريين، والليبرالي والشيوعي، يستحق التكفير وربما القتل بمنطق الدين والسلطة. كان تصنيف "شيوعي" لدى السلطة كافياً للاضطهاد والسجن في أزمنة كان عنواناً للمقاومة الاجتماعية والمعارضة الجذرية، استبدل التصنيف اليوم وتنوع ما بين إخوان أو متعاطف معهم ويحقق أغراضهم، وسُجن أخيرا بالتهمة أكاديميون كحسن نافعة، ويساريون منهم علاء عبد الفتاح وحسن بربري وسيد عبد الظاهر وأسامة حراكي، وليبراليون كإسراء عبد الفتاح ومحمد عادل، ويستمر الانتهاك بناء على التصنيف، ويبرّره جزء من الطبقة السياسية، لتكون أداة لتدوير القهر والسلطوية باسم حماية الوطن، آفة أخرى لاستخدام الاختلاف لتبرير الانتهاك.
في لحظات الانحطاط، تنتقل قوى المجتمع السياسية من قاعدة احترام الاختلاف في الرأي إلى رفض الاختلاف والتنوع، ويصبح الاختلاف مبرّرا للانتهاك، تنتهجها قوى معارضة ضد الأخرى، بعد أن كانت لصيقة الصلة بالسلطوية، حينها تصبح المعارضة والسلطة ذات جذور متصلة ومصالح مشتركة، يحاسب معتقلو اليوم على أفكارهم التي تفتش عنها السلطة في أدمغتهم، بينما القاعدة القانونية والمنطقية هي المحاسبة على الأفعال لا الأفكار، الأفكار جرائم في حد ذاتها، في تقدير السلطوية، كل المواطنين لا بد أن يكونوا نسخاً متشابهة، لا فروق بينهم، بلا أفكار، ليسهل تطويعهم. السلطوية هنا تلتقى مع التيارات الفاشية التي ترفض الآخر وتنفيه، كلهم من المنبع نفسه، ولهم المصب نفسه، يحاجج بعضهم أن في الصراع السياسي بين النظام والإخوان المسلمين اتجهت بعض كوادرهم إلى العنف، لكن أغلب المعتقلين دخلوا السجون على خلفية قضايا تظاهر، لا قضايا عنف، كما أن آخرين غير إسلاميين أساسا سجناء في ظروف قاسية، لكن هناك من يريد تصديق أفلام إعلامية هابطة عن جنةٍ يعيشها المعتقلون في سجن طره على سبيل المثال، وصفه أحد أبواق النظام بأنه منتجع سياحي، بما يتضمنه من أكل صحي، طبقا للمقاييس العالمية للتغذية، يضم مشويات ولحم نعام، فضلا عن مشفى مجهز بالخدمات وملاعب كرة قدم ومتنزهات، الصورة التي صدّرت خارجيا بهدف تبييض وجه السلطة وإخلاء طرفها من قسوة ظروف السجناء، روّجت داخليا أيضا لكنها قوبلت بالسخرية. وعلى الرغم من ذلك، استخدمت لتبعد بعضهم عن السؤال الأساسي: لماذا كل هذه السجون التي تبنى، ولماذا يسجن هؤلاء؟
المتأمل لكل تجارب التغيير يجدها تنطلق من تشكل إرادة جماعية، تسمّى أحيانا الكتلة التاريخية، وتنطلق من تمثيل المجتمع عبر برنامج يمثل مطالب أوسع قطاع ممكن، لكن التفتت وتبرير الانتهاكات يمنع تشكل هذه الكتلة، ويعنى ذلك استمرار هيمنة طبقة محدودة على السلطة حتى لو كان حكمها يمثل حالة فشل ذريع.
لم يكن يتوفر للبنانيين الانتفاض إلا حين تجاسروا بشكل جماعي وشعبي لرفض سياسات الانتهاك وإهدار الحقوق، على أسسٍ طائفية وزعامات وهمية. كشف حراكهم هشاشة النظام، ومن الوارد مستقبلا أن يبلور الحراك من يتفاوض باسمه، وما كان للسودانيين أن يكتبوا تاريخا مغايرا لوطنهم، وينتفضون إلا بتكوّن كتلة تاريخية، التحمت فيها قوى نقابية وسياسية وتجاوزت سنوات التفتت، واتفقت على برنامج حد أدنى، هو "إعلان قوى الحرية والتغيير". والعراق ببسالة أبطاله يتجاوز مخاوف وحالة تفتت زرعتها قوى طائفية وسلطة احتلال، لا يقبل الحراك انتهاكات وتقسيمات غير التقسيم الواضح أمامه: سلطة وشعب.
هذا درس آخر من دروس الحراك العربي، يقول ببساطة إن كتلاً شعبية وسياسية يمكن أن تلتقي على حد أدنى من الاتفاق واحترام التنوع والاختلاف، وتشكل كتلة تاريخية، وتخلق رؤية للتغيير وتتجاوز أمراضها ووساخات الماضي.

عصام شعبان
20 نوفمبر 2019