جيفري فيلتمان واللعب على المكشوف

خالد الصلعي
2019 / 11 / 25

--------------------------------------
لا شيئ يأتي من فراغ ، والذين خططوا للفوضى الخلاقة ، ولو يتفجير بعض غرف بيتهم او احراقها ، يسهل عليهم تفجير بيوت الناس ومنازلهم . تفكيك دول المجتمعات الأخرى وتدميرها هو الهدف . ما يلزم فقط هو اخراج سلس يقود الأذهان والعقول نحو أهداف ثانوية ، بينما دهاة السياسة يطبقون مشاريعهم الكبرى بكل أريحية .
هذه الرؤية قد يتفق عليها كثير من الاستراتيجيين . لكنها للأسف مجهولة عندنا في عالمنا العربي . رغم أن أنظمتنا العربية نفسها تطبق نفس الاستراتيجية ، لكن للأسف على المواطنين وعلى الوطن .
لا أحد يريد تفجير لبنان ، لا احد يريد أن يقود لبنان الى المجهول . لأن النتيجة ببساطة تظل مبهمة وغامضة ومجهولة . والاستراتيجيون أكره ما يكرهونه هو المجهول ، هو الغامض ، هو المبهم . ورغم أن كثيرا من دراساتهم وقراءاتهم وتنبؤاتهم ، وخططهم حالفها الفشل . فان الانقياد وراء نفس الفشل لا يستصيغه أي انسان . من هنا يجمع الجميع على ضرورة تجنيب لبنان الانهيار التام والكامل ، وأن لا تعود الى الحرب الأهلية . بعدما تبين تغير موازين القوى بشكل جذري .
عموما المنطقة العربية منطقة هشة ، قابلة للانكسار في أي وقت وفي أي زمن ، وتحت شتى الأسباب والدوافع . ذلك أن الحروب العالمية لم تعد تقف عند صورها القديمة والنمطية ، فالحروب اليوم هي استمرار لحروب البارحة ، لكن بتكتيكات جديدة ، وباستراتيجيات مبتكرة . منها تنافس الدول الكبرى على اضعاف مستعمراتها وتوابعها من الدول المتخلفة . والداهية من دول الغطرسة والهيمنة هو من ياكل الكعكة في النهاية . وهذا ما يجري اليوم في ليبيا واليمن ، ولبنان .
يعترف جيفري فيلتمان أن لبنان يمثل موقعا استراتيجيا ، وهو موقع حساس ، هو امتداد جغرافي لسوريا ، وهو على حدود اسرائيل ، وتوجد به مقاومة من أشرس مقاومات العالم اليوم . استطاعت وحدها ان تكسر غطرسة اسرائيل التي سبق وأجهزت على أربعة دول عربية في آن واحد.
وأي اضطراب غير متحكم فيه قد يقود المنطقة الى ما لاتحمد عقباه . فكما ان الولايات المتحدة الأمريكية على لسان جيفري فيلتمان لا تريد تفجير الوضع بلبنان ، فان روسيا نفسها لا تريد هذا التفجير . وايران آخر من يريد تفجير احدى أهم امتداداتها الايديولوجية وقلاعها السياسية .
لكن ومع كل هذه المحاذير والتخوفات ، وجب رسم خريطة سياسية جديدة بلبنان ، وعلى حزب الله ان يتحجم ويتقلص ويبتعد عن دواليب الدولة ومراكز القرار . بعد ان أصبح سيد الموقف على مستوى تدبير الشأن العام اللبناني ، بعدما تربع على ما يزيد عن 70 عضوا بالبرلمان اللبناني معية حلفائه .
الوضع مركب ودقيق اذن . فهذا التغلغل الكبير لحزب الله في المجتمع اللبناني الذي اوصله الى مصادر القرار يهدد مصالح أمريكا في هذا البلد الصغير جغرافيا والكبير استراتيجيا ويهدد الوجود الاسرائيلي.
قد نستطيع القول ان أمريكا لم يعد لها ما تخسره في لبنان ، وآن لها أن تبسط أوراقها وتكشف نواياها وأهدافها ، ولا يمكن تفسير هذا الانفجار والاعتراف الأمريكي الا بمدى غيظ البيت الأبيض من الدور الكبير الذي بدأ بلعبه حزب الله في لبنان . ولعل هذا ما حذا بجيفري فيلتمان الى طلب المستحيل ، نزع سلاح حزب الله . اخراج حزب الله من الحكومة ومن دواليب الدولة . فهو يرى مثلا أن سلاح حزب الله لا يحمي لبنان بقدر ما يهددها . رغم أن الحزب لم يستعمل سلاحه في الداخل يوما ، بل كان سببا في خروج اسرائيل من جنوب لبنان سنة 2000 ، ودحرها في حرب تموز سنة 2006 . فمن سيصدق دعوى فيلتمان ؟؟ .
شهادة جيفري فيلتمان كانت عبارة عن املاءات وأوامر ، وتجاوزت حدود الوصف والقرءاة . بل ركزت أساسا على نوايا الولايايت المتحدة الأمريكية في لبنان . واذا كان الحراك الشعبي اللبناني قد خرج ضد الفساد والريع والمحسوبية ، وتشسيع الفوارق الاجتماعية والبحث عن العدالة الاجتماعية ، فان شهادة فيلتمان تعتبر خلفية هذا الحراك الحقيقية ؛ اقتلاع حزب الله من البيئة اللبنانية وتحجيم دوره قبل دحره وتدميره . فهل تبلغ الولايات المتحدة الامريكية هدفها ؟؟.
الخوف من تسلط روسيا على لبنان بعد خطاب حسن نصر الله الأخير ، والدعوة غير المباشرة للصين للاستثمار في لبنان . ها هو جيفري فيلتمان يعلنها صراحة ان الولايات المتحدة الأمريكية تخاف تغلغل روسيا والصين بلبنان . وهنا وجبت الاشارة أن تهنئة الرئيس الروسي والصيني للرئيس اللبناني بعيد استقلال لبنان لها وقع مغاير عن العادة .
فالى أين ستقودنا اللعبة الجديدة ؟