محددات الحسم والتقدم بالثورة الشعبية نحو مرحلة الشروع ببناء الدولة

تيسير عبدالجبار الآلوسي
2019 / 11 / 24

يتم اليوم تداول حوارات عجلى طارئة في ميادين الثورة الشعبية بقصد تنضيجها وتتويج خطاها بخاتمة ذات أثر يعكس حسم الثوار لمعركة التنوير والتحرير.. ونحن هنا نبحث بأحد أوجه تلك الحوارات حيث منطقة الحسم ومتطلباتها وشروط تحولها من انتفاضة إلى ثورة ومن غليان ثورة إلى انتصالر ثورة وبدء مرحلة البناء بعد كسر النظام القديم وإزالة كابوسه ومنظومته...
إن استمرار الانتفاضة الشعبية وتحولها إلى ثورة صار المقدمة التي تؤكد أن التغيير مسألة وقت وصبر. وما ينبغي أن نتابعه للحسم والانتصار يكمن في استثمار عوامل تضامنية متاحة بخاصة مواقف دولية جديدة.


أما جديد الثورة الشعبية في العراق، فيكمن في انتصار الشبيبة الثائرة لسمة إدامة فعاليات الثورة ميدانياً. فمن جهة مقاومة ميدانية للعنف الوحشي القاتل ومن جهة أخرى لقدرات كشف مناورات السلطة وأضاليلها بخاصة هنا ألاعيب استخدام أوراق السلطة من مظلة مرجعيات دينية وطقسيات مزيفة وخطابات وعظية بكل ما تحمله من أحابيل الدجل والمخادعة.

ومن هنا فقد غادرت الثورة منذ زمن بعيد فكرة ممارسة التظاهرات المطلبية المحدودة وانتقلت من فعاليات الانتفاضة لتدخل مرحلة الثورة وأداء مهامها.. وهذا بالضبط ما سجله الوعي الجمعي برفض قولبته بنطاق مطالب تختزل مهمة الثورة ومطلبها الرئيس بالتغيير الكلي الجوهري الأشمل…

إن الثورة ليس لها سوى مهمة واحدة وحيدة هي مهمة تحقيق (التغيير) كليا بإخراج كل أركان السلطة وإنهاء منهج نظامها. إن هذا يتجسد بشعار الثورة: “الشعب يريد إسقاط النظام”. وهو ما يعني قصدا وتحديدا إزالة منظومته وأركانه بلا استثناء وإنهاء منهج الثيوقراطية وإحلال منهج العلمانية وبناء الديموقراطية وتحقيق العدالة الاجتماعية والسلم المجتمعي…

جديد الثورة بات واضحا جليا رفض اختزال مهمتها في أي شعارات هامشية أو ثانوية وقطع التفاوض مع السلسطة وأركانها بضمنهم ما يُسمى وهماً مرجعية دينية الموضوعة بنظام الطائفية الكليبتوقراطي بمنطقة مظلة حماية ومهمتها التي تُصادر وعي الشعب بطريق وصوله إلى تلبية خيار الدولة الديموقراطية حيث لا مجال لتلبية ذلك إلا بفصل الدين عن الدولة والسياسة وإبعاد (كل) رجال الدين عن مهام الدولة بتنوعات محاورها..

إن رفض خطاب الوصاية لأية مرجعية كانت يحاول السلطويون وضعها بديلا عن مصدر السلطات الوحيد أي الشعب، هو أبرز ما وصلته الثورة؛ حيث لم تعد القدسية بوجه مزيف كانت أم بأي وجه تبدت، لم تعد تخيف أبناء الشعب و-أو تجعلهم ينحنون لها ويتخلون عن حرياتهم وحقوقهم لمجرد أن تلك المرجعية - السلطة تنصح أو تُفتي فتاوى تخديرية! هي كما أشرنا [وعلى وفق وعي الشعب الجمعي] مجرد مظلة حمائية لاستغلال همجي هو الأبشع طوال 17 سنة عجافاً…

من هنا نتأكد من أنّ الثورة قد تجاوزت منطقة احتمالات التراجع والتشظي أو التفكك والاضمحلال؛ لماذا؟ لأنها امتلكت اليوم بوعي جمعي صلب خبرات الصراع وإدارته بما يؤدي إلى الحسم وتلبية المطلب الثوري أي مطلب التغيير النوعي الكلي بإنهاء نظام الطائفية اللصوصي المافيوي وتعميد ما بدأت الثورة بتثبيته يوما فآخر وإشادة نظام جديد ومنهجه وسلطته.

والقضية قضية وقت لإنهاء تشبث أركان النظام الذي تم سحب الشرعية عنه وبالمناسبة هذا لم يعد موقفا محليا وطنيا بل بات موقفا دوليا أمميا حيث باشرت بلدان أوروبية مهمة بوقف التعامل مع حكومة السلطة الثيوقراطية. وإلى حين مجيء حكومة من وسط الثورة ونظامها المنشود لا تعامل مع السلسطة القائمة ولا تبييض لفعالياتها وشرعنة لها..

إننا بحاجة لتطوير هذه المرحلة والتقدم بها فالإجراءات القانونية التي بدأتها دولة عظمى بحق ناهبي الثروة قد صارت حقيقة ملموسة وعلينا تقديم الوثائق التي بحوزة أبناء الشعب والقيادات الوطنية الديموقراطية كي يتم استكمال الإجراءات بالخصوص.. وهذا ليس قضية لص سرق مبلغا هامشيا لتتم مقاضاته بشأن حفنة دولارات بل القضية أكبر تدخل فيها مافيات دولية وتبييض أموال ومنظومة كبرى تطال أبعادا أعمق وأشمل..ما يهم العراقي منها اليوم وبصورة مباشرة استعادة الأموال الحكم على أدوات الجريمة المرتكبة بحق وطن وشعب…

هنا يكون أفق الحسم قد اقترب لعوامل عديدة. أما الوطنية فهي مجسدة في قدرات الثورة ميدانيا ووقوفها بوجه الرصاص الحي وعنف الجرائم الوحشية لميليشيات السلطة. انتقال الثورة إلى منطقة مأسسة فعالياتها ونشرها ثقافة التنوير التي عانت كثيرا سواء بتعزز أدواتها من إنشاء محطات إذاعة ومن تبني بعض الفضائيات بنسب متنوعة لقضية الثورة فضلا عن المنشورات والكتب والمكتبات الميدانية التي صارت جزءا من مدرسة الثورة الأبرز والأعلى صوتاً…

ودوليا ولأول مرة يُلتفت إلى نضالات الشعب العراقي لا على أنها نضالات مطلبية مجتزأة فئوية او قطاعية ومقصورة بحدود الماديات بل بات يُنظر إلى ذلك من بوابة حق الشعب في تقرير مصيره وفي إعادة الاختيار لأركان سلطته والأهم والأبرز هو في التفاعل الأممي مع مطلب الثورة بالتغيير، تغيير النظام من الطائفية ومحاصصتها والكليبتوقراطية ومافيوية منهجها إللصوصي المغتصب للثروات المادية والروحية إلى نظام يستحقه الشعب أسوة بشعوب العالم ويقوم على دمقرطة الحياة وعلمنة الدولة ومنظومة قيمها بإنهاء دجل محاولات فرض نهج الثيوقراطية وولاية السفيه!

هنا الإشارة الأهم والأبرز تكمن في لفت النظر إلى منطقة الحسم وشمسها العالية ومعنى لملمة الأمور باتجاه خواتيمها الأنجع..

صحيح أن لحظة تاريخية كهذه تعادل كثيرا من المخاض الأعقد والأصعب للثورة ومراحلها إلا أنه من الصحيح بل الصائب تماما أن نقطة الحسم قد دخلتها ثورة أكتوبر العراقية العظمى بتموذجها المميز وحيد جنسه وهي قادرة على متابعة الخطى بغض النظر عن ((تخلف)) بعض القوى الإيجابية أو تلكؤها عن التقدم بصورة أسرع أو بالصورة المنتظرة حيث مطلب عقد المؤتمر الوطني لإفراز أو تأسيس قيادات انتقالية تتسلم فعليا ميدانيا السلطة وتدير الإعداد لانتخابات لا تتسم بالتسرع والتعجل كما تدعو إليه بعض القوى غافلة عن أهمية وجود (المرحلة الانتقالية) ومهامها في :

إنهاء وجود العصابات الميليشياوية المسلحة نهائيا وكليا.
فرض الإقامة الجبرية وحجز رؤوس الأفاعي المافيوية استعدادا للمقاضاة العادلة.
الشروع باستعادة الأموال المنهوبة بمختلف الطرق والأساليب.
وضع ضوابط ومحددات ضمان الأمن ومنع قوى الثورة المضادة من التلاعب والإضرار بالاستقرار.
وضع خطط معالجة القصور الخطير في الأمور الخدمية الرئيسة التي تمسّ شؤون اليوم العادي للمواطن - الإنسان بكل تفاصيله.
التهيئة لتبني و-أو وضع استراتيجية إعادة الإعمار للإنسان والمادي من البنيان.
فتح جسور علاقات اقتصادية سياسية مع دول العالم المتقدم بما يستجيب لمصالح جميع الأطراف وبصورة عادلة…
إنّ هذه الرؤية ليست شد أزر مفتعل أو حالم بصيغة أخرى بل هي واقع حال المرحلة التي ولجتها الثورة.. وبجميع الظروف فإن أسياد زعران السياسة من أزلام سلطة المافيا الميليشياوية قد شهد الشعب رعبهم وهلعهم من حجم المشاركة الشعبية في الثورة وعليه فقد دخل إلى الثورة وجود شعبي جديد وهو بحال من الاتساع والتعاظم يوما فآخر ما يشير إلى اقتراب لحظة إنهاء زمن الجريمة وبشاعاتها ومنع تمدد الزمن و-أو تضخم المسافة الزمنية للصراع باتجاه الحسم…

وسنحتفل قريبا ويحتفل العالم بمأثرة جديدة للشعب العراقي لم تحدث منذ عقود. لكنها اليوم باتت قاب قوسين أو أدنى.

فلنستعد، ونكون على أتم الانتباه على واجباتنا كي لا نتعثر في نقطة التحول لأي سبب كان بل لنعبر إلى نقطة نهاية فصل السلب والتراجع ونُطلق فصل الإعمار والبناء ومسيرة التنمية والتقدم وتعميد خطى الاستقرار والسلام في عراق ديموقراطي فديرالي ودولة علمانية تشيد أسس العدالة الاجتماعية..
وما يمكننا التوصل إليه بعامة من تجاريب الشارع يكمن في تعزيز الحوارات وتجنب التمترس خلف بيانات فرردية أو لمجموعة أفراد بشأن صياغة المطالب أو خطابها الاستراتيجي ومن اللازم المحتم التحاور لصياغة الاستراتيج وتكتيكات العمل صورة مشتركة فاعلة فهلا تنبهنا بحق وفعّلنا المطلوب منا في هذه اللحظات المهمة