رمزية المكان في مجموعته القصصية( في أكل السحب)

نائلة الشقراوي
2019 / 11 / 22

للمكان في القصة القصيرة اهميته البالغة فهو الذي يتسع لفعل الشخوص اذ من غير الممكن ان يتحرك الأبطال في الفراغ ،غير ان كاتب مجموعة في أكل السحاب جعل من الأمكنة ممتدة امتداد الفكرة التي يسعى الى تبليغها ،حتى يبدو تحديده للمكان في بعض النصوص متاهة أخرى يسقط فيها الكاتب القارئ عمدا لتمرير إيحاءاته ،ففي اقصوصة في أكل السحب نجد امكنة مختلفة لفضاء واحد(الصحراء ،السحاب) تتشابك هناك الأحداث لتكون به نقطة قوة السرد فالكاتب حدد مكان لمباراة بدولة اسمها موجود فقط بالتاريخ وهي نوميديا وفي مكان ما بصحرائها رسم مربعا اخضر جمع فيه شخصيات تاريخية عسكرية واخرى فكرية ليكون بينها تنافس ساخن ينتهي سلبا في إشارة منه الى صراع القوة مع الفكر والذي لم يفضي. الى نتائج لصالح الانسانية التي غرقت في أحلامها وشرودها متلذذة وهمها ورقودها وهو ما رمز إليه بأكل السحب .المباراة اذن كانت معركة يحدد المكان زمنها ونتائجها ويجعلها واجهة لإسقاط على الحاضر فالمعارك التاريخية التي مرت بها حضارتنا بالمغرب العربي افضت الى واقع سيسيولوجي وفكري واحد تتكرر فيه نفس القضايا وتتشابه النهايات التي يجبر فيها الفرد على القبول بأوهام متعددة على انها حقيقة أو التسليم بعدم اهمية الصراع أومتابعته.من السحب الى الغابة في اقصوصة اركسترا لوجه قلق ،حين تحل أصوات صيحات الفزع محل موسيقى بتهوفن بعد أن تغزو الطيور السوداء البشعة الغابة وتقذف بحممها المكان ليشتعل ويحرق معه الأمل بالتعايش السلمي ،هنا المكان الذي اختاره الكاتب فيه إشارة للدواعش الذين احتموا بالجبال وغاباتها ليحولو الإطار الأمثل لراحة العيش الى ساحة حرب وقتل.من شارع الامبريال بأقصوصة غراب يرقص على ضوء خافت يدخل بنا الكاتب مكتبة في لم أجد كافكا ،المكتبة مكان تجتمع فيه العلوم بالتاريخ بالسياسة بالاقتصاد هو عبارة عن كون كامل هناك وجد الكاتب همينغواي فقط أي وجد البؤس والفقر في غياب لكافكا مؤلف المسخ ليقول لنا ان الفقر المعرفي او المادي ترك وراءه كائنا مسخا لا انسانا .كائن يفترض ان يكون ملاكا لكن الملاك لا تسعه ارضنا الا كصنم محنط عاجز عن الفعل والتعبير حتى انه لا يضحك الا بعد رصاصتين ترديه شهيدا .المواضيع في اقصوصات الكاتب جابر السلامي معقدة مادامت مرتبطة بذات إنسانية متشظية يحبطها المكان ويتخذ منها فكرة عامة على مسرحه (تكوّنت فكرة واستقرّت بين براثن أجمة مستترة من النّباتات الاستوائية المثيرة لهوس التّأمل والتّمعّن.اقصوصة أحجية اللوح اللاتيني).لهذا فإن المكان في مجموعة أكلت السحاب ليس عنصرا من عناصر البناء القصصي فقط بل يدخل في في بناء النص ويعطي السرد بعدا آخر يساعد في عملية تلقي القارئ لإشكاليات النص.وهو ايضا ليس مكانا واحد فالأمكنة متعددة في النص الواحد فأحيانا يحدده الكاتب في الفضاء ثم يرسمه بتفاصيله على الأرض ليركض في اتجاه آخر يحدده كما تحدده العين المتفحصة الباحثة عن هدف (يضمن لنا الانتقال من مكان إلى آخر و بسرعة تغيّرا منطقيّا في الإطار الملموس للحياة.اقصوصة اقتفاء لأثر راكض )هي اذن رحلة تقودها الفكرة اللامتناهية رحلة في حياة اتقد خط سيرها بالأسئلة دون وصول الى اجوبة محددة،او مسرحية على ركح لمسرح عبثي الواقف عليه يركض مع استفهاماته وأسئلته في اتجاه مصير غامض يظن ان في نهايته الحكمة (اقصوصة مسرح عبثي).الأمكنة التي اختارها الكاتب لنصوصه كانت خلفية مناسبة لسرده يبرز من خلالها علاقة التضاد بينها وبين الشخوص اذ لا يمثل عامل استقرار لها وانما هو مكان معادٍ يشعر فيه الأبطال بمشاعر سلبية مختلفة يؤلف منها الكاتب نصه ويبلغ فكرته حتى لا يكون رساما للفراغ .