الأدب يعاليل مطر مقدس تسقي مقاحط الإنسان العربي

إيمان بوقردغة
2019 / 11 / 21

قال الكاتب والناقد الأدبي الفرنسي Tzvetan Todorov :
"إن الأدب مختبر تجريبي للإنسان
فالأدب كونه حالة إنسانية جدا فإن الشخص الذي يكلف به
يفهم أنه سيصبح ، ليس متخصصًا في التحليل الأدبي بل
متذوقا للإنسان"
قد ألقى الأدب عند الإنسان رحله وحطّ ونزل بفجاج فلزّ اللجين و العقيان وما شطّ وفك من يد العُسرة وثاق السلوكيات والعواطف البشرية
حتى قوّضت من سباسب النفس خيامها وشيّدت من واحات مشاعرها بنيانها .
فإن الأبصار اللامحة و القلوب الجانحة إلى منازل الأدب تُجلى بالحكمة أحداقها و تشفى من الأدواء حبّاتها فتُغبق الأجنان كأس الحكمة بعد الصّبوح
كيعاليل المطر تسقي المقاحط الجوادب الواصلة إلى الأجنان والسالكة طريق الهدى إلى الإنسان فلزم الأدباء المَهيع من الطرق و المستقيم من الصرط
كمصدر للتحول ليس فقط في عقل القارئ بل في المجتمع عامة.
فالأدبيات لعمري شجرة فاضلة فاءت على حقوق الإنسان بظل وريف فأصغت إلى نصوصها
مصائخ الأسماع وهي تجود برياض فهم أفضل لحقوق الإنسان من خلال التقييم النقدي لهذه الحقوق
وتحليل السيناريوهات ودراسة الأصوات التاريخية المتنوعة.فيصبح القارئ بصيرا فيتفكّر وناظرا بلحاظ الملكات و العِبر فيتجنّب صرعة القارعات وحتوف الملمات
فحدقة قلب اللبيب تبصر أمد إدراك المسؤولية في تغيير المجتمع فيتقحم لجج العويصات ويركب دأماء مشقات التفكير ليلزم المهيع المستقيم و الصراط القويم
ويقيم على الفلاح شواهد البيّنات إذ تسمح النفسيات فتبلغ شأو هذه الصفات عمائق الفطن و المدركات.
إن الأدب قد أوثن الإنسان حكمة التمرد على الأوثان في مجتمعات أمست ديارا للأطلال و الدمنات والرياح الصرصر العاتيات و الواقعات الْمُؤْتَفِكَات فاعتكرت
عليها حدابير السنين و الصاخات فحين يثور الإنسان على الأصنام و جبال التقاليد الراسيات فإن روحه تلبس رداء التوفيقات واللوح المحفوظ في القلوب و الأذهان العاليات.
ولاريب في أن جميع الأنواع الأدبية هي ديار نجعة لقضايا حقوق الإنسان، جازت سرادقات الجلال ومقامات الشرف فعززت الحقوق من حيث تدري أو من حيث لا تدري
فليت شعري إن كل آيات الأدب تصب في زعارف الإنسان المزمّل بتيجان الحقوق الميمونات منذ أن صاغته جلالة الله في حظائر القدس السامقات.
وإن شتى الأشكال الثقافية تشارك صراحة في خطاب حقوق الإنسان فحيث تشرق سبحات
دراسة القصائد والروايات والدراما والقصص القصيرة التي تعكس صروف العبودية وحتوف القمع تنبلج جوناء الحرية لتتألق مطالب التحرر من الملمّات الرّجوف
والرزيات قاصمة الظهر الزّحوف.
وفي المجتمعات العربية حيث اضطرب معقود الحبل وعمي وجه الأمر فإن الحاجة إلى اتصالها بعلانية برهان الجوناء هي كحاجة الصقعاء إلى الشرق في دول المغرب
و الشرق فسبيل العمل أبلج في مهيع مكافحة انتهاكات حقوق الإنسان التي تدق العرب بمِسحلها و ترضّهم بكلكلها فيضيع في غبارها الإنسان ويهلك في طريقها الرُّكبان
وتنثلم منارات الحرية و تنقض عُقد الحقوق "فيهرب منها الأكياس و يدبّرها الأرجاس"
وبسبب الممارسات القبلية والاجتماعية والثقافية الخاطئة شخص الإنسان العربي من مستقر الحالة الإنسانية الحرّة وصار إلى مصائر الأجداث.
ومن بين كل إشراقات الادب التي جازت سنام النجوم و الفلك ربما يكون الخيال أكثر صلة بالواقع الاجتماعي والسياسي والاكثر تنويرا لحقل الدفاع عن حقوق الانسان بديسق الإتصال بالعوالم العلوية
وفي هذا المقام المقدس بين المقامات و العلوي في السبحات الأدبية فإن الصلة المنقوشة بين المجتمع والخيال يمكن تمييزها "بحيث يينبغي فقط اضافة الادب إلى الادوات العادية
للتحقيق الاجتماعي".
حيث يقول المؤلف وكاتب السيناريو الأمريكي Ray Bradbury: ان الرواية طريقة للتحقيق في أمر معروف،
مماثل في أنماطه التجريبية، وأساليبه لأشكال أخرى من التحقيق المكتوب"
the novel as “a mode of inquiry into the knowable,
analogous in its empirical modes, and methods to other forms of written inquiry"”
أما الكاتب الفرنسي Honoré de Balzac فإنه يعرّف الرواية بأنها "تاريخ الأمم الخاص"
و يشير هذا التعريف إلى العلاقة بين الرواية كنوع أدبي وهوية وطنية.
فلا ريب في أن بنية الرواية تجعلها أكثر من غيرها من الأشكال الأدبية عرضا للحقائق الزمنية التي ترشدنا إلى طرق معرفة الوقت والتفسير الأيديولوجي للزمن.
وفي هذا الربع يقول المفكر و الأديب Edward Saïd
"ان كل روائي في وقته مهما كان خياله ليتجاوزه"
فلا يمكن للروائيين الهروب من الحقائق الفكرية و السياسية و الاجتماعية لمجتمعهم وليس للأديب خيار خلا الإنخراط
في الصراعات الاقتصادية والسياسية والثقافية والايديولوجية للإتصال بروح العصر الذي شكل مشاعره
وعبر سرد القصص التي تعكس مجموعة من السياقات, يحصل فهم أعمق لحقوق الإنسان التي يستحيل تبيين سواتر معانيها
دون التفكير أيضا في القصص التي تخلق وتدعم فكرتها.
وفي نفس الديار, نتقفى أبيات الشعر و الآثار الخالدة لقصائد تنفّست فيها قضايا حقوق الإنسان فأحيت حركات التحرر والكفاح ضد الإستعمار
الذي نُظرت به قواصم الردى العربي فلعمري إن السلطة العربية الغاشمة هي لشعوبها المستعمِر.