موسم انتفاضة الشعوب

خالد الصلعي
2019 / 11 / 21

وكأنه موسم انتفاضة الشعوب ،فبعكس الانتفاضات الملونة ، وبعكس ثروات الربيع العربي ، يتفاجأ العالم اليوم بانتشار عدوى الانتفاضات في مجموعة كبيرة من دول المعمور ، في أمريكا اللاتينية ، في آسيا ، وفي افريقا ، وفي أوربا . هذه الظاهرة من الانتفاضات الأممية لم يعرفها العالم يوما بهذا الشكل وبهذا الزخم . فما هي الأسباب ؟ وما هي الدوافع ؟.
يمكن اعتبار وبدون ، أي ردفعل عكسي ، ان انتفاضة الشعب الايراني لم تكن منتظرة . كما أنها لم يكن متوقع منها أن تصل الى هذا الزخم والى هذه الحدة . فالخامنائي لا يزال يعيش في وهم برجه العاجي . تماما كما حدث لسلفه محمد رضا بهلوي آخر شاه ايراني . على الأقل فيما تعلق بانتشار الانتفاضات في زمن واحد في اكثر من مدينة ومحافظة .
لكن الجميع كان ينتظر سكون وضمور الشعب الايراني ، بتأثير البروباغاندا الاعلامية التي تسوق خطأ لمدى تغلغل الاستبداد الملالي في جسد المجتمع الايراني الذي يعتبر اليوم من أرقى شعوب العالم وأكثرها تعلما . ولربما كانت تلك النظرة المختزلة عن الشعب الايراني ذات مراجع نفسية ، تتكئ أساسا على الاستخفاف بالآخرين لتعويض النقص الذاتي الذي تعيشه تلك الشعوب ، من استكانة وذل وهوان .
لكن اذا كانت أساب انتفاضة الشعب الايراني قد فجرها قرار الزيادة في البنزين بنسبة 50 في % ، فان أسبابا أخرى كات وراء تفجير انتفاضة العراق ، هذا البلد الغني الذي يعيش فقرا وضياعا غير مبررين . وهي أيضا ليست نفس الأسباب التي أججت انتفاضة لبنان الذي يرزح تحت وطأة نظام طائفي يقتسم خيرات البلاد وعائداتها بين أبناء زعماء الطوائف دون غيرهم .
في حين أن اندلاع ثورات أمريكا اللاتينية تقف وراءها أسباب أخرى ، فغضب الحراك الشعبي الشيلي بدأ بتظاهرات طلاب المرحلة الثانوية الذين قاموا بالاحتجاج ضد زيادة رسوم وسائل المواصلات . في حين أن انتفاضة بوليفيا كانت ضد الانقلاب الأبيض على موراليس الرئيس المنتخب للمرة الخامسة أو السادسة .
لكن المتأمل في عمق هذه الاحتجاجات سيجدها نابعة من صلب أزمة الامبرالية العالمية . فحتى الانتفاضة الايرانية ، ولولا الحصار الاقتصادي الهائل المضروب عليها من قبل الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها ما كانت لتكون .
ان تحالف الاستبداد مع الجدار الذي وصلته الامبريالية العالمية ، لم يترك أمام كثير من الشعوب خيارا آخر غير الانتفاضة ، كما أنه لم يعد يسعف في تنزيل مقاربات جديدة او بدائل مقنعة . فالجزائر مثلا ، ورغم محاولات الدولة العميقة في تسوية بعض أوضاعها وترتيب أولوياتها ، واعفاء رئيسها الميت ، والقبض على كثير من رموز العهد القديم ، الا أن الشعب الجزائري يأبى الا أن يقطع مع جميع مكونات العهد القديم ورموزه دون أن تنطلي عليه مناورات الدولة العميقة .
نفس الأمر في لبنان ، بل انه نفس الأمر في التشيلي ، فرغم تراجع الرئيس الملياردير عن قراراته السابقة واقراره اصلاحات في مجالات متعددة ، الا أن الشعب تابع نضاله وأصر على مواقفه ، واصبح هدفه هو اسقاط النظام كمسعى لا تراجع عنه .
هل هو حنين الى الحرية والكرامة الانسانية ، والعدالة الاجتماعية وقد صار مطلبا أمميا ؟ . أكرر أن تزامن هذه الانتفاضات في شتى اصقاع العالم لم يحدث في تاريخ الانسانية . حتى في سنة 1968 ، تركزت الثورة الطلابية على فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية . وحتى ان الثورات الملونة وبغض النظر عمن كان وراءها -الملياردير جورج سوروس ، عميل استخباري أمريكي - اقتصرت فقط على دول أوروبا الشرقية . كما أن ثورات الربيع العربي لم تتخط عتبة الرقعة العربية . لكن ثورات اليوم ذات طابع أممي ، عالمي ، دون أن تكون وراءها ايديولوجية مركزية ، كما حدث عقب الثورة البلشفية .
هي انتفاضات وثورات شعبية عفوية ، لا يقف وراءها زعماء او تنظيمات ، بقدر ما تتوحد ضمنها الطبقات المسحوقة مع الطبقات المتوسطة التي يكاد ينعدم بينها ذلك التمايز المادي الذي عرفته مرحلة ما بعد الثورة الاقتصادية الأولى .
فهل يمكن أن نسمي هذه الثورات أو الانتفاضات الكونية وتزامنها بيقظة الانسان الجديد ؟