ملف زائف وأسئلة غير شرعية

فؤاد النمري
2019 / 11 / 19

قال مكيافيلي الغاية تبرر الوسيلة وانتهى علم السياسة الحديث ليقول الاستراتيجية تحدد التاكتيك؛ لكن الهيئة الإدارية لموقع الحوار المتمدن تسأل عن استراتيجية الحراك الجماهيري، كما تسميه، قبل أن تسأل عن تاكتيكاته، تسأل عن آفاق الحراك قبل أن تسأل عن دور القوى المختلفة في الحراك، رغم أن الاسترايجية العامة للحراك هي ما تحدد دور القوى المشاركة في الحراك .
التحدي المطروح على الهيئة الإدارية للحوار المتمدن كما على سائر القراء والمشاركين في الحوار هو تحديد استرتيجية، الاستراتيجية المرتبطة أولاً وأخيراً ببنية النظام الدولي السائد وهي لا تعلمها الهيئة الإدارية للحوار المتمدن . وأنا ههنا أتحداهم في أن يعلنوا عن طبيعة بنية النظام الدولي السائد !! – فكيف يجيزون لأنفسهم أن يسألوا عن تكتيكات لتحقيق استراتيجية لا يلعلمونها !!؟
سيدعي أغلبهم أن استراتيحية الحراك الجماهيري هي تحقيق الديموقراطية، الديموقراطية الشعبية وليست البورجوازية أو البروليتارية . ما هي القوى التي ستفرض التوزيع العادل للسلطة وللثروة بين الطبقات في المجتمع رغم أنها لا تشارك مشاركة متساوية في إنتاج الثروة !؟ بل الأحرى كيف يمكن الحديث عن توزيع عادل للثروة وللسلطة بين لطبقات في الدول الفقيرة حيث لا ثروة ولا سلطة بل وحتى لا طبقات فيها بسبب تخلف وسائل الإنتاج وقوى الإنتاج .
كيف يمكن الحديث عن ديموقراطية في الدول المتخلفة بغير أنه ذر للرماد في العيون . فالديموقراطية الشعبية لا تعني سوى إلغاء التناقض بين الطبقات والتناقض هو المحرك الوحيد للتطور، وإلغاء التناقضات إن أمكن، وهو ليس ممكناً، فذلك يعني السد المحكم لطريق التنمية فيه .

يضاف إلى ما تقدم أن استراتيجية الحراك لا يجري تحديدها من قبل الحراك نفسه، ما يحددها هو النظام الدولي السائد في العالم . فمنذ أن أشرقت شمس الرأسمالية غدا العالم وحدة واحدة لا تنفصم عراها . فلئن كان النظام الرأسمالي الإمبريالي ما زال سائداً كما يزعم الكثيرون فالأفق الديموقراطي كما يتخيل المشاركون في الحراك الجماهيري لن يعمل لغير تبعية البلدان العربية لمراكز النظام الرأسمالي كما كان الحال قبر التحرر الوطني وإعلان الإستقلال، وهي النهاية التي يرفضها ويحاربها كل المشاركين في الحوار . وبناءً عليه، يتوجب على الهيئة الإدارية للحوار المدني قبل أن تسأل عن أية معلومات تتعلق بالحراك الجماهيري أن تحدد المرحلة التاريخية التي يمر بها عالم اليوم كيما نتعرف على ما نحن سائرون إليه، أي النظام الإجتماعي الذي سيستقر عليه الحراك الجماهيري .

كنت كتبت في الحوار المتمدن عن الحراك الجماهيري في 14/2/2011 تحت عنوان "ماذا يجري في مصر وفي تونس" ولا أرى اليوم بعد أكثر من ثمان سنوات من جديد سوى بروز روسيا وإيران عدوين قاتلين لربيع الشعوب العربية كما جري الحال في الذبيحة سوريا وفي اليمن والجزائر .

الحراك الجماهيري الموصوف بالربيع العربي إنما هو انتفاضة شعبية ضد عساكرمتخلفبن ومن درجات هابطة كانوا قد اختطفوا السلطة في بلدانهم بعد انهيار طبقة البورجوازية الوطنية التي قادت ثورة التحرر الوطني تبعاً لانهيار الثورة الإشتراكية في الإتحاد السوفياتي والمعسكر الإشتراكي في خمسينيات القرن الماضي . أولئك العسكر الذين ساموا شعوبهم كل أنوا الإرهاب والقمع حفاظا على سلطانهم المفرغ من كل مسالك التقدم . إنتفضت الشعوب العربية للإطاحة بالعسكر المتخلفين لاستعادت حرياتها وأولها حرية التناقض الطبقي في التنفس وقد خنقها العسكر .
في مثل هذا السيناريو يصبح الملف الذي اقترحته الهيئة الإدارية للحوار المتمدن خارج الموضوع وخال من أي فكر سياسي ذي شأن وبناء عليه أقترح على الهيئة الإدارية للحوار المتمدن إلغاء الملف ولعلها تنجح في فتح ملف مختلف