مسارات رؤيوية لفهم رواية الوحش الذي بداخلي ل حليم يوسف

ريبر هبون
2019 / 11 / 17

مسارات رؤيوية لفهم (الوحش الذي بداخلي)

: تمهيد*

الوحش قبيح المنظر والهيئة، غطى العالم بآثاره، ورسخ حضوره في كل مناحي الحياة، في حقلي السلطة والمجتمع، في الغابات الموحشة أثناء الليل، وفي صميم فكر الإنسان، على تباين فهمه ووعيه ومواقع عمله ، لهذا بات اليوم وجه رواية عميقة الكنه، تفتح أذرعها لسبر فطن، يخلصها من الغموض ليأخذها للتجلي حيث يتربع النقد كسيد في ذرا المشهد الفني، ليبعث على الإبداع الموضوع نكهة أخرى، وبعداً آخر، حيث ينتقل الوحش عن هيئته الأسطورية ليتجسد في معنى الحياة المضطربة، والنفوس التي تخاف وتتصدر مشهد الرهبة والانغماس فيه طول حياتها وتعدد أطوار نموها وانتقالها، ليدل الوحش على كساد الحياة وعبثيتها، وانحسار الجمال في متونها، إن تلاشي الأمان والطمأنينة لدى الإنسان إلى جانب ضمور الأمل والتفاؤل، عزز من هالة وجود الوحش في الحياة المعيشة، وخنق كل نهوض من الممكن أن يحسن الحياة ويبعث فيها الحركة المتقنة، إذ لطالما زخرت قصص الأدب العالمي بأشكال الوحش ، حيث للتوحش مكاناً عظيماً في داخل المرء، فبتعويد الإنسان على العنف المبرح، فإن ذلك سيحيي الوحش الذي بداخله ويجعله شرساً على الدوام الوحش والظلام الذي يستشعره المرء ، ويخاف منه، ويتجلى في إذكاء العنف وممارسته على الضعفاء ، لإنتاج الوحوش على الدوام ، وما نعمد إليه في مشوار هذا البحث هو تجريب كافة المسارات ، وإحداث رؤى متعددة متشابكة تجعلنا نفهم حقيقة تطويع الوحش في الرواية للتعبير عن أثر الاستبداد في صناعة الفرد، الوحش بات في عناوين كثيرة في حياتنا المعيشة، وهو يرتدي قسوة الحياة وصعوبات فهم المرء للآخر، فعلى المشهد السياسي تغيرت العلائق الإنسانية لتصبح مصنفة بين الولاءات ، ولتكون القيمة الطبيعية للتواصل الطبيعي ضئيلة أمام التودد السلطوي والتفاف الأتباع حول بعضهم البعض، إن هذا التغير، والتقلب في المزاج ، عزز من الاستعداد الوحشي للإنسان المندفع من تلقاء نفسه لعبادة الغضب ،باتت العلاقات النفعية سائدة محل العلاقات الطبيعية، وتعددت وجوه الإنسان المادية ، وبات أصعب مما كان عليه في زمن بساطة حياته البدائية، بات ينقاد لواقع قائم على السطوة وتمجيدها، لتكون بمثابة المرآة أو المعيار لفهم الجودة والسعي إليها، فالوحش هنا يسيطر ويستقوي على الإرادات، ويكسيها بمظاهر التفاخر والقوة، ليكون البهاء والجمال والأناقة مظهراً ناعماً من وحشية الحياة العصرية، التي تقنع بها الغالب من البشر بذريعة عصرنة الحياة والقيم، هذا يشكل بروزاً باتجاه الاستشراس في المنافسة والصراع وكذلك الاحتكار،حيث جمع المعتقلين في السجن واستقبالهم عبر ابتداع نوع من التعذيب يسمى حفلة الاستقبال، يعتبر أحد إشارات توسع معامل صناعة الوحش، تحويل الإنسان إلى مخلوق غامض الأفعال، غامض التصرفات، يقتلع الأخضر واليابس، يتشبه بالدمار، من خلال إيذاقه مر العذاب، عبر بوابة القهر والانتقام، فما ظاهرة المعتقل السياسي بطبيعتها إلا تعبير عن صناعة الوحش تضخم الرعب في حياة الأفراد يقودهم بالتدريج إلى حتفهم، وينقلهم لعالم ضيق ممتلئ بالنقمة والحركة غير المنظمة ، تعبئتهم بروح التخبط والمرض، حقنهم عبر الدين
. بوصفات من الإيمان الأعمى المنغمس في أوحال العنف وفهم الإيمان على نحو يشبه تعاطي المدمنين للمخدرات،

: الوحش بوصفه تمثالاً راسخاً للخوف *

يعبر الكاتب عن التشويق في مستهل دخوله للرواية كاشفاً النقاب عن مدى نجاعة العنصر الفني وإثارة التشويق كباعث على الجذب وفهم الهالات المحيطة لرموزه التي بلا شك تتصدر كافة المرامي المتجسدة على ساحة السرد من بدايته لنهايته، وكون ذلك يعد مثار تساؤل وفهم ، ندرك بتجلي حاجة العقل للفرار من قيود الرتابة للتوغل بعمق للمعنى الماورائي لإبراز المشاهد والتفنن في رسم طرائق التفكير وصناعة الحدث تبعاً للفكرة الباعثة على الانشداه والتحول عن طور التلقي العادي لقبول الفكرة ومناقشتها من ثم خلق سجال حولها، هذا ما يقوم به النقد حينما يعمد إلى الكشف والإيضاح لكل ما هو ملتبس وغامض، فهم الداخل وما يعتريه من قلق دائم من الموت أو التلاشي ، وانحسار القوة بغتة، بعد عهود عزة وجلد، لهذا لا نجد في المشهد الرؤيوي إلا جانباً مركزياً لفهم إرهاصات الرواية وعمقها وكذلك رموزها منها ما يخص جانب التأويل، ومنها ما يتناول أفكاراً محضة تتعلق بتلك التقاطعات ما بين الرواية والفكر، لكون إشادة الجسور بين الفكر والفن مطلباً قديماً وحديثاً للنقد يجدر الوقوف عنده ملياً حيث نجد حليم يوسف يتحدث في البداية عن ولادة سالار وعلى نحو مفاجئ له من الهالة الفنية ما يبعث على الذهول، حيث يبدأ في عرض ولادة طفل يتحول إلى طائر أسود حينما يستطيل ظل ذلك التمثال ويتمدد وإذ بالطفل يحلق طائراً في الجو، من حينها كانت علامات النبوغ ترتسم في محياه وتتألق بحجم تلك الأسئلة التي راح يخرجها من داخله الصافي مما جعل الأم تحملق في ولدها وتنتشي قلقاً فحقيقة التمثال ومشهد ولادة عسيرة رافقت صيحة الآذان ،جعل المشهد يكتظ بصراع عميق الكنه بين رموز السلطة والدين وحالات الولادة العسيرة التي تتوجت بولادة سالار تلك، هل كان ذلك مبعث تساؤل مختلف، مثاره حقيقة ذلك الاتحاد التاريخي بين رجل الدين والسلطة هذا الاتحاد أفرز العديد من العلل الوحشية الطابع ، عزز من الخوف بكونه مدرسة وعلم صناعة الإنسان في شقيه المتدين وشديد الخوف من الحاكم ،عبّد الطرق نحو بروز أنظمة قوية وعنيدة تتمتع بخبرات عديدة في ضبط فوران الجماهير ،وطد دعائم ثقافة شمولية دينية تستقي مزاياها من الميثولوجيا والأوهام التي استنبطت منهاج الحياة التقويمي المفروض على التلاميذ منذ طفولتهم، قاد النخب الشابة للتفكير بكل شيء عبثي عدا الخوض في مواضيع التغيير
. والدمقرطة الجوهرية
ومما لا شك فيه فإن بناء الأنموذج المعرفي لدى الفرد في ظل هذا الواقع ، يحتاج لبروز مراكز تنويرية كبيرة تتواصل مع الجماهير من خلال الفن والأدب والفكر ، وذلك يحتاج لمؤسسات قوية تعمق حواراتها مع السلطة السياسية بل وتتشارك في صناعة القرار والذوق العام، دون ذلك لن تتحقق الثورة المعرفية التي تتميز بكونها لا عنفية وسلمية وتتحلق حول الصالح العام وتنبذ بطبيعتها الفساد، إن السلطة السياسية تعتبر حالة راسخة بطبيعتها، أما العقلية السلطوية فيمكن تذليلها فكرياً عبر إتاحة الفرص لكل المعرفيين والمعرفيات بالانخراط في قاعدتها من أعلى هرمها لأسفلها، ذلك يحول دون بروز التوحش، وهو ما نسميه بالبديل الناجع، حيث لا تكسر العقلية الشمولية إلا بالتدرج وعبر التركيز على تنمية العقل
. الإبداعي لدى الفرد ، كي يتمرس بأصول وفنون الإدارة منذ طفولته
:متاهة السلطة والمجتمع المغترب*
التفكير خارج التمجيد والإذعان للسلطة بات شيئاً صعباً ، حيث يظل العقل الإبداعي للمعرفية والمعرفي منشغلاً في طرق التخلص من أورام السلطة ورواسبها على الذهن، لا انفكاك جلي عن أزمة التفكير الحادة والتي يعيشها الإنسان المنعزل في مداراة تساؤلاته والحد من تسربها للكوامن لتكون دافعاً خصباً للتمرد والانتفاضة فيما بعد، حيث التشاؤم والكآبة يمثلان الوجه العام للحياة، مما يفرز عن خضمها ضياع الإنسان الشرق أوسطي في بوتقة التجهيل، والاستسلام فيما بعد لنمطية فكرية مبتذلة تنم عن كسل روحي وذهني لا يتم تخطيه إلا بصعوبة، فالربط بين الأديان والاستبداد منطقي جداً ويعبر عن توأمية فيما بينهما أراد حليم يوسف بيانها هنا: ص28: حدقت الأم في عيني المرتبكتين غاضبة، وهي تلقي نظرة باتجاه أبي لكي يلفت نظره إلى الأسئلة المحيرة والخطيرة التي تشغل بال ابنه غريب الأطوار: - „ ألم تنتهِ بعد من أسئلتك العجيبة سالارو؟" رددت عليها بحدة أفصحت عن جديتي في طرح مثل هذه الأسئلة ، على عكس ما كانت تتوقف، في ما إذا كان الرئيس أيضاً يذهب مثلنا كلنا إلى المرحاض، وهل في هذا السؤال ما يريب؟ يمكنك الإجابة بنعم أو بلا ، بدل الزعيق والصراخ، وعندما احتدت المناقشة بيننا، نفد صبر أبي وتدخل بيننا محاولاً إنهاء الأزمة التي تستفحل بيننا كلما طرحت
„. أسئلة تتعلق بالله أو بالرئيس
إن استنطاق النصوص الأدبية فكرياً يعد بمثابة مسار رؤيوي أكثر فعالية في الحديث عن ذلك الرهاب السلطوي المفروض على المجتمع والأفراد منذ نشأتهم، إن الولوج للأطوار الأولى يساعد في فهم أساليب الإخضاع وبرمجة العقول على الانفعال والاستياء لأي فكرة تسعى للذهن بعفوية، إن علاقة الاستبداد والدين علاقة توأمية حيث هنالك تقاطعات عديدة وحوادث يرويها التاريخ العابر للمفاهيم والقارات ، يخبرنا عن أطوار التمزق العائلي تبعاً لمفرزات السلطة الأبوية ، وميراث الذكورية هائل ولا يمكن التنصل منه بسهولة، ناهيك من أن المرأة الآن في الشرق الأوسط منقسمة لقسمين، فئة تصون ميراث الذكورة وتتعصب له أكثر من الرجل ذاته ، ومثاله المتدينات المتصلات بإرث التعاليم السماوية، ناهيك عن أديان أخرى اعتبرت الرجل المخلوق الأكثر تجلي وكمال، الفئة الأخرى والتي يمكن تسميتها بالفامينية وهي قوة ناشئة وتعتبر أقلية في صناعة الرأي الأنثوي المعاصر والذي بإمكانه أن يهيأ المناخ لاتحاد وشراكة نوعية مع الرجل، إزاء ذلك الاضطراب العالمي، لا نجد سوى غبناً يمارس على المرأة يؤثر سلباً على الرجل في آن ، ويضعه بمواجهة الضغط الاحتكاري وكذلك يقوده لحروب عسكرية وأزمات اقتصادية شتىإن احتدام الجدل بين الرجل والمرأة في الأوساط المحتقنة سياسياً واقتصادياً ، قاد إلى إفلاس إنساني على صعيد العلاقة التشاركية، ووطد من دعائم مقولة سارتر : " الجحيم هو الآخر" لقد بتنا نشهد جحيماً في هذا التواصل، أشار إليه حليم يوسف في روايته الوحش الذي بداخلي، حيث تطرق إلى الشق المتعلق بالعيش داخل النظام الشمولي ، الذي يعتبر الحزب قائداً للدولة والمجتمع، وقد تعرض للشق الأوروبي المتعلق بنمط الحياة الأوروبية، فالرفاهية الاقتصادية ، قادت العلاقة التشاركية إلى نوع من الخواء وانعدام التآلف، بسبب سيطرة العقل المادي على نمط الحياة الإنسانية،إن تفعيل الخطاب المعرفي المستند على التوافق الروحي المادي ، يعتمد على الحب والمعرفة ليحل بديلاً عن الخطابات الدينية وكذلك الشمولية بشقيها القوموي أو اليساري، هو الحل الذي لابد من التسليم
بمقتضيات العمل به، وهو الطريق الأسلم لمواجهة هذا الكساد الروحي الذي قاد المرء إلى الكآبة والتبعثر في ميدان الحياة
:محورية الذات أمام متغيرات المحيط*
إن النقد لدى حليم يوسف كائن حي ومحوري في النظر للنظام الاستبدادي البعثي كشر أعمى، لهذا نجده يعمد لتقديم دلالات لكفاح الجماهير ومراحل نمو انتفاضتها ووقوفها بوجه هذا التشويه الحاصل، الذات المتأملة هي الواقفة بمظهر المنقب والمدرك لطبيعة الحياة وطرائق تفكير الناس وأمزجتها ، كذلك نواياها، حيث تقدم الرواية تساؤلات ذاتية ، وتظهر البطل على أنه المحور، والغاية في ذلك تسليط الضوء من بوابة الذات المتبصرة على مشكلات العالم ومعضلات التأقلم، لإيجاد شخصية قادرة على فهم الوجود كونه مساحة تحتاج لبراعة نشدان الحياة وممارستها بصورة جيدة ومتشبثة بقيم الجمال والأصالة، في هذا ينسج الكاتب العالم الموضوعي بفنية ذاتية تأملية، حيث يعتبر الحراك النقدي بمثابة ردة فعل على طبيعة النظم الشمولية بشقيها الأممي والقومي، حيث رواية الوحش الذي بداخلي تسير وفق مسار نقدي محض يعمد لكشف العلل والعيوب التي أربكت حيوية المجتمع وزعزعت أمن العائلة وجعلتها في حالة فزعإن خنق النقد عبر تربية ذهنية السلطة واحتقار الإنسان، منهج فساد دأب نظام البعث السوري على تربيته طوال عقود في الجماهير، ورعت الأفراد من خلال أدلجة المناهج ، جعل النمطية بمثابة الخبز الرئيسي للحياة، حيث ميزة المواجهة ومصارحة المرء بالحقائق الكامنة في الداخل يعد ثيمة أساسية يقوم عليها نسيج الرواية النقدية ، استعباد الأفراد باسم المثل والثورة وتغيير المجتمع، أسهم في خلق الاضطراب بصورة بائسة، وباتت المناهضة المضادة أشبه بدوران في ذات المكان، السبب افتقاد الجماهير للحركة الواعية والمنظمة، وتحولها عن وجهتها في نقد مرؤوسيها إلى تمجيدهم وجعل قيمتهم بقيمة الوطن، هذا التحوير للانتماء شوه الحياة الفكرية أيضاً ورسخت الاغتراب في الأدب، فيما لو نظرنا للرواية بكونها الوعاء النموذجي للمتناقضات الاجتماعية.ثمة فريق استسلم لإملاءات السلطة ، وبات بوقها الرصين، ينضوي تحت تلك السلطة جمهور متملق من الأدباء والفنانين والحرفيين ، حيث أسسوا لمنظومة فكر وأدب تلك السلطة ولم يحيدوا عنها قيد أنملة، مقابل تلك الفئة التي لم تقبل أو تخضع لضغط ومغريات تلك السلطة، فنجد أنهم قدموا شيئاً مختلفاً عن ما قدمه الفريق الآخر على الضفة المقابلة، حيث لا يمكن نسيان ذلك الفرق في الاتجاهات التي منها ما هو مؤيد وداعم لبقاء واستقرار نظام سلطوي معين من اتجاه آخر يناهضها، إن لذلك دوراً في تسوية وتنمية الأفكار والادعاءات، وتعمل على تغذية خيال الجماهير ، من هنا نجد التباين بين نظرة الموالي للسلطة للدين والمعارض لها ، فنشهد ربما منهجين أو أكثر، ذلك ما ينطبق على مفهوم الأمة والوعي القومي، إن هذا التقسيم وضعته السلطات لتمييز مصالحها ومنافعها عن الفئة التي تتقاطع معها وهكذا
فيما لا شك فيه فإن الآداب والفنون تتأثر بعملية التصادم السلطوي ، هنا يمكن القول أن المعرفيين يقفون بعيداً عن إملاءات السلطات وضغوطها، ولا يبتعدون تماماً عن المشهد إلا على نحو لا يخدش نزوعهم المجرد والمحايد باتجاه تنمية الأفكار الجديدة سواء اجتمعت مع السلطة أم ناهضتها, هنا يمكن تمييز المبدع الصالح من الطالح ، فالمعرفي الحر يدخل
. في الصراعات بعينه لا بعين السلطة أي الممول، ويبحث دوماً عن خيارات تدافع عن الجماهير والأجيال
إن ممارسة الفلسفة ليست ضرباً من ضروب الاعتقاد بممارسة الخيال وما ينبغي أن يكون فحسب ، وإنما هي مراجعة لتقاليد السلطات في حكم المجتمعات، وتعمد إلى الفحص والتنقيب والمراجعة استناداً لطبيعة الصراع الطبيعي وضغط الطبقات وتصادم الفئات الاحتكارية التي تحاول احتكار المنافع وتقدم على فعل كل الأضرار في سبيل بقاء نفوذها حيث أبدع الكاتب في رصد الجوانب النفسية في حديثه عن المكان ، الزمان، وملامح القامعين للجماهير عبر بث الخوف ، متخذين من القائد الرمز ، وثناً فاعلاً، قادراً على إيجاد شرائح نمطية لا تعي شيئاً خارج التسليم بعبقرية الفرد السلطوي، طالما سلاح الخوف بيديه، إذن لتذهب الإرادات المعرفية للجحيم، هذا لسان حال الماثلين في حضرة التحقيق، والخائفين من حفلات التعذيب والتي يتمتع بظلها معتقلو الرأي بمزايا مستثناة عن المجرمين وأصحاب الجنح ، في أن نصيبهم من العقاب أكثر فظاعة، يلعب تجسيد سحنات الأشخاص دوراً محورياً في تحريك مستويات الأفكار لدى المتلقي، حيث المسدسات السوداء، والممشطي الشعر، لديهم ذات أساليب الاقتحام والمداهمة وخلق زوابع الفوضى، الكارهين للكتب ومن يقرأها ويقترب منها، ممن يبرعون أيضاً بالسباب والإهانة والصفع، وما إلى ذلك من أساليب تخرج الوحش الذي في الداخل عنوة، لقد عززت السلطات الشمولية من منظومة الظلام ، حيث أنها خنقت لدى الفرد مواهبه ومدركاته ، وجعلت أنظاره تتجه فقط للتمجيد وعبادة الخوف والرهبة، وكذلك الركون لممارسة نوع من السلطة المصغرة داخل منزله لنتأمل هنا : ص41 " كسر المعلم حجر الصمت الثقيل بسؤاله:
-" لماذا تربون أبناءكم على كره هذا الرئيس الذي تعيشون بفضله ، وعلى العداء لهذا الوطن الذي يأويكم يا حجي كلب؟ هل لديك تفسير لهذه الخيانة ؟"
جاوبه الحاج بانكسار متمتماً:
- " نحن لا نكره الرئيس والعياذ بالله يا سيدي" ؟
واستشاط المعلم غاضباً:
- " ولماذا لم يحضر ابنك المسيرة، رغم أن مدير المدرسة نبّه الجميع على أن الحضور إجباري وأن من لا يأتي سيعاقب" .
وتوجه إلي َّ أنا المقهور والمرتجف خوفاً من المعلم مرة ومن غضب والدي مرة أخرى . أحسست بنفسي عارياً ونادماً على استهتاري بأوامر المدير وبتبعات أفعالي على أهلي:
- لماذا غبت عن المسيرة يا حيوان؟"
السؤال هنا هل يمكن إزالة مفاهيم السلطة في اللاشعور الجمعي، بمجرد ظهور إدارة أخرى ، وهل يحل المسألة بروز تنظير إيديولوجي بديل عن السلطة السابقة، أم أن تلك السلطة الجديدة لابد وأن تبقي على عوائد السلطة السالفة كون النفوس تستسيغ نمطاً من الحكم يصعب الفكاك منه، إلا بعد سنوات من التدريب والتأهيل، ثم أن ثمة سؤال أكبر، أي سلطة يمكنها تحقيق الرفاهية في الحياة لمجتمع خرج بالأمس من سيطرة النظام القومي، هنا يجيب حليم يوسف ، مشخصاً الحالة انطلاقاً لعقم المعرفة الذي سببه نظام البعث وفكره الصلف، المحقق ينظر للأب ، الحاج محمود ، والحاج محمود ينظر بحنق للابن ، كونه لم يذهب للمسيرة، لنتأمل هذا التسلسل الهرمي الذي نجح الكاتب في بيانه ليؤكد على قدم العلاقة بين نظام السلطة السياسية ونظام العائلة، في أنهما صنوان يبثان الاستبداد والتعسف في صميم حياة الأفراد
. المتطلعين للحريات والرفاهية والتمتع بالكرامة التي تعني التبحر في الحياة ، معرفة وأخلاق، وجهداً في سبيل بلوغ التفوق
الوحش يستقدم تعزيزات في دواخل التلاميذ وهم يقابلون لعلعة صوت مدرب الفتوة بالضحك ، وقد رمز الوحش على طرفي النقيضين الجانب المخيف، فالسلطوي يرى من يناهضه وحشاً والمعارض له يراه الوحش القائم، التمرد وسؤال الآخر، أسئلة عصية على الإجابة مرده نداء الوحش الكامن في الداخل ، سبب اعتقال آلان تعامله مع الوحوش، والمراد بهم قوى تعمل على تغيير الواقع المتردي، اختفاء آلان ، سببه الوحوش الذين أخذوه بعيداً، زوجة المعلم آلان يبان في ملامحها القسوة فيما تقول أن الوحوش كانوا سبباً في اختفاء زوجها، اختناق الدجاج داخل حقيبة سالار، يمثل خيانته لأمه التي تصل الليل بالنهار لخدمة أولادها، استماتة حارس التمثال بالدفاع عن قوته جراء حراسته ، واستعداده لقتل كل من يحاول الاقتراب من التمثال بهدف تدنيسه، حتى لو كان ذلك كلباً، لقد أحاط حليم يوسف بدلالات الوحش بصورة مركبة ومتداخلة ، ليبين فداحة الأفكار في محاكاتها لواقع مجتمع محاصر بالعنف والخوف، غاية ذلك تحقيق التمرد الفكري وتهيئة الأجواء له، فالمجتمع في حركته وإيغاله في عيش القهر ، يلجأ لأساليب دفاعية لبيان حاجته للتغيير ، فحينما لا يتم دفع الصخرة الواقفة باستعصاء، فإن قطرات الماء المتسربة ببطء قادرة على إحداث فتق في نصف الصخرة ، على المدى غير المنظور، مما يمكن معرفة أن المجتمع على الرغم من تفاديه للصدام المباشر غير المتكافىء، يعمد إلى المخاتلة والمواربة ، بغية فتح ثغرات وفجوات يمكن عبرها التحرك ضمن مراعاة الوقت والمكان ، يطلق اسم الوحش هنا على دلالتين متناقضتين ، الوحش الذي يمثل السلطة الاستبدادية ، والوحش المقابل منه ونعني به التمرد المناهض وكلاهما في عرف الكاتب يعتبر خروجاً عن جادة الهدوء، فالتمرد والقمع صنوان وهما مجاوران عبر الزمن لبعضهما، حيث يتحطم نظام قائم على يد حركة تدعي أنها البديل الأفضل، وفي النهاية يمارس الإنسان التوحش دون وازع، وتختلف المبررات الجمة لممارسته ، ولا يدخر أي خطاب يعزز شعبيته وتأثيره على تلك الوقود الجماهيرية ، فهي المادة الرئيسية لكسر رهبة السلطة ، وثمة نقطة جلية يمكن بيانها بهذا الصدد ويتعلق بطرق الاستشراف لبروز هذا الوحش "الثورة" حيث استشرف فولتير الفرنسي ما قبل وفاته 1787 عن قيام ثورة ما حينما قال : „ إن الشباب سيكونون أسعد حالاً لأنهم سيشهدون أشياء بديعة جميلة، الفرنسيون يأتون متأخرين دائماً، لكنهم يأتون في النهاية" نجد أن معنى التوحش مجازي هنا في الرواية ، إذ يشير إلى حالة الصراع ، حيث اختفاء المعلم آلان ، ومجيء بديل عنيف وهو استاذ آخر يتصف بالعنف تجاه التلاميذ بمثابة عامل مستفز يشير إلى حتمية الاستعداد والتأهب لمواجهة خطر الاستبداد الذي يعتبر الوحش الأكبر ، الرواية تنال من ممارسات السلطة، تعريها ، تسلبها بريقها وأبهتها ، تكشف الإشكالات لتبين إمكانية مناهضتها ومواجهتها بمنطق الجماعة المنظمة لا الفرد المتحمس لصناعة المصير الجديد، لهذا نستطيع التنقيب عن روح الأفراد في كيفية مواجهتهم
. للسلطة الاستبدادية
نلحظ تحدث حليم يوسف عن أفرع السلطة الممارسة في الأقبية الأمنية ، المدارس "حصة التربية العسكرية" تعامل الأساتذة عبر العنف مع الطلبة ، وكذلك تعامل العائلة مع الأبناء،حيث أن ميداني التربية والتعليم باتا بمثابة السلطة الأقل فاعلية والنقطة الأضعف مقابل هيمنة السلطة الأمنية، هنا يبدو الفرد منذ طفولته محاطاً بقوقعة كروية تحيطها السلطات في كل مكان ، نجد متانة الجهاز القمعي للدولة القومية ، بمقدار ما نجد في الآن ذاته ثغرات عديدة ، تتمثل في رحابة صلاحيات قمع الناس من قبل المسؤولين الكبار ممن يمسكون بزمام الأمور، حيث ينشؤون ولاءات خاصة بهم ورجال يقومون بالتغطية على سلوكياتهم وموبقاتهم ، والنقطة الأهم التي ارتأى حليم يوسف في بيانها متعلقة بكراهية رجال الدولة للشخصية المعرفية المتجسدة في المعلم آلان واللجوء لاعتقاله واقتياده للمجهول على الفور، وهذا لا يعني أن رجل السلطة على علاقة قطعية مع الفئة المعرفية الخاصة بتنفيذ مآربه، ممن يمكنه من حظر المعرفة على الجماهير ، حيث في عرف السلطة ثمة معارف تتيح لها عبرها زيادة الهيمنة على الناس ومعارف تجعل الناس تتحسس عظم مصائبها وفواجعها، ثم تقوم بالتحرك محاولة انتزاع حقوقها، حيث نتأمل تخلف الإعلام لدرجة منع "الستلايت" في التسعينيات لغاية أواخرها، في عهد الرئيس السوري حافظ الأسد، وكذلك لا يزال ذلك محظوراً في عدد من الدول الإسلامية كإيران،وظلت وسائل التواصل الاجتماعي كالفيسبوك واليوتيوب محظورة في سوريا ما قبل 2011، وعلى الرغم من كونها مباحة راهناً، إلا أنها لا تزال قيد رقابة مشددة في سوريا وتركيا وإيران وغالب الدول إسلامية التوجه ، حيث ممارسة الفرد لحياته الافتراضية على الانترنيت مثل تحدياً للسلطة الشمولية القومية والدينية ، حيث جعلت الشباب يفكرون بالجنس كموضوع إدماني ترويجي عبر زجهم في بوتقة اللهو والعبث وإلهاءهم عما يتصل بموضوعات الحياة شديدة التأثير والتي تتعلق بالطبالة والمنهاج الدراسي والضرائب وما شابه ذلك من مواضيع ساخنة، نجد أن الرقابة على الكتاب أيضاً، جعلت الكتّاب في حالة من خوف دائمة عبر عجزهم عن قول ما يريدون ، إن للسلطة القامعة أثراً سلبياً على تطور الأدب والفكر ، حيث ينجم عن ذلك القمع المتواصل نشوء فرق زهدية تعتكف بصمت في الأروقة الخالية ، محاولة الاستمرار في صمتها المطبق وتصريحها الخجول في نعت السلطة بالوباء، هذه الحالة من الزهد عمت جموع المعرفيات والمعرفيين ، إذ لا يجدون عزاء نفسياً يساعدهم على قبول الواقع والتعامل معه بما هو متاح، فيغوص الشعراء في الشعر الرمزي، ويغوص الفلاسفة بما هو بعيد عن واقع مجتمعاتهم بعيداً عنها ليقوموا بإنشاء مناخات لا يمكنها أن تردع الألم المعاش على نحو مباشر ، حتماً في ظل السلطة البعثية لن نجد سوى فريقين متناقضين ، أحدهما غارق في الإرتهان بمغازلة السلطة ومديحها والأخرى تعيش في حالة من الجنوح باتجاه تناسي حقيقة الحياة وما يتضمنها من سكوت عميق واستماتات كثيرة في كي
. الجرح
تنمو قصة الحب ما بين سالار ومريم لتحيل انتظار مريم لزوجها آلان إلى سراب في إشارة إلى استمرارية الحياة ومجابهة الطغيان عبر الحب وما قبل السفر كان سالار على موعد مع الحب ، أساريره مبتهجة ، وروحه تسرح في فضاء العشق، أراد الكاتب أن يفتح مساراً جديداً يخلص كل من مريم وسالار، من حالة الوهن والإحباط التي سيطرت عليهما، وقد استطاع البطل هنا التحرر من تردده وخوفه، وبادر إلى طرق باب قلب مريم من خلال رسالته التي دستها الأخيرة في جيبها بكل
. لطف
: لغز تمثال الرئيس *
حقيقة التمثال ، رمزيته مبعث تساؤل بلا ريب ، ففي رواية خوف بلا أسنان نجد التمثال في أوج شموخه وبعثه للرهبة في النفوس ، إلا أنه هنا يعتبر مناهضاً للفنون والموسيقا والاجتماعات العفوية بين الأصدقاء، إن الفنون في ظاهرها تشكل عماد بقاء الإنسان في صفاء وتأمل وفي باطنها تجسد تحدٍ لوهم الخوف الذي تفرضه السلطة الشمولية في العقل الباطن للجماهير، فالحقائق المعرفية وليدة الفرضيات الخيالية ، إعمالهما في مواجهة الرعب والعنف يوطدان الثقة بالكيان لدى الغالب المسحوق ، لهذا أمكن لنا تعريف النهضة المعرفية بكونها سلاح الفكر الحقيقي ، تنظيم جهود المعرفيات والمعرفيين يعود ريعه للجماهير بكافة شرائحها واتجاهاتها ، لكن لا بد من إيلاء المبدعات والمبدعين مكانة خاصة تتمايز عن سواهم كونهم يشكلون بديلاً طبيعياً وحتمياً لكل الوصوليين ممن استخدموا الفساد والبطش كوسيلة بقاء ، فكسر رهبة التمثال ، عملية لابد من القيام بها أفراداً وجماعات، ، فاتحاد المعرفيات والمعرفيين الكبير يمكّن الناس من الثقة بنفسها وقدرتها على الانتظام وتكريس جهودها المدروسة والهادفة إلى تغيير الحياة وتأهيل الذين لا يتوانون عن تشويه منجزات الإنسان العاقل، وحيث أن اللغة الموضوعية تتجه دوماً لمخاطبة الذكور دون النساء ، وجب التأكيد أبداً من أن الإتحاد المعرفي لا يتشكل أو يتككل بالنجاح دون وحدة النبوغ الفكري الذي ترفع بنيانه المرأة إلى جانب الرجل، دون التفرد بالخطاب الذكوري المتجسد في أساليب اللغة، وأدواتها الاشتقاقية التي تتوجه للرجل بكونه المهيمن العضلي، فالأهم في هذا الصدد أن ننظر بأن تثبيت منجزات الإنسان العاقل في كل ميدان سيسبقه أو يليه محاولات التأهيل الفكرية للفئات العنيفة أو التي ارتكبت أفعالاً إجرامية أو المغرر بها دينياً أو قومياً ونعني بهم الجنسين، عالم الرجال والنساء على حد سواء، حيث أن انحسار تنظيم الدولة الإسلامية كمثال قريب خلّف الآلاف من الأسرى، أخصهن النساء اللاتي يعتبرن المركز الإشكالي والقادر على نقل إرث التطرف للإطفال وبأمانة، لهذا بات ضرورياً تأهيلهن تربوياً وفكرياً وعبر مراحل، لغاية مرحلة التشافي، فانتقال التمثال من حالة لأخرى ومن سلطة لأخرى ، من منهج مستبد إلى آخر متطرف لا تتوقف وتستمر ، وبالمعرفة وحدها تتحقق الغايات الأولى لمسيرة الإنسان الحضاري والمرأة المعرفية في تحقيق نظام تنموي تشاركي عماده إحياء الإبداع في الحياة، والتوزيع الأفضل للموارد عبر مؤسسات عمادها سلطة النخب المعرفية المتحققة باتحاد جنسوي
. واعد بمستقبل أفضل
إن الثورة عمادها الحب، وتتم عبر مراحل يتشارك فيها الجنسان صنع مفهومها وفكرها، أراد حليم يوسف أن يبين عبر الحب الذي أخذ ينشأ بين زوجة المعتقل آلان وبين سالار، وحبس الأرواح داخل السجن ليس بالأمر الصواب، إذ لابد من الاستمرار بالتحدي، العاطفة وإحياءها تمثل شكلاً متميزاً من الأمل، يدفع الإنسان لاستكمال حياته، بصورة أكثر حيوية ونشاط، لا حل خارج معادلة التشارك هكذا يمكن نشدان الاتحاد الجنسوي كخيار معرفي بمواجهة قوى السلطة وحربها التجهيلية ضد المجتمع، حيث تمثل السلطة في مظهرها العبودية في أقصى حالاتها، وأن الدفع بالحركة المعرفية قدماً يتم بتشاركية الجنسين في ظل الحب، لمحاربة الفحولة السلطوية المتمركزة في صلب العادات والتقاليد والمؤسسات الأمنية، أدرك حليم يوسف أن الوحشية السلطوية والوحشية العائلية في جوهرها واحد، وإن أي مواجهة مع السلطة لا تتم على نحو أفراد أو بقرارات أحادية محدودة وإنما تتم من خلال تمكن الإنسان من تجاوز الصدمات والتعايش مع الأمر الواقع، التفكير بمناهضة هذا الظلم وتأسيس بذور تآلف حقيقي ودافئ يدفع الأفراد المستنيرين للانطلاقة الحرة والمدروسة، فالذكورة بحاجة إلى ربطها الرمزي بمفهوم النبل، أكثر من ربطها بمفهوم الفحولة، حيث الذكورة المبتغاة معرفياً تعني اللطف والوداعة في الإقبال على الجنس الآخر، والأنوثة المعرفية تعني الإستجابة الواضحة لإيحاءات الحب ودعواته للتشارك الحقيقي الذي سيقضي بدوره على بذور نظام السلطة الشمولية ويمحي آثارها السلبية المتجسدة في جملة تقاليد
. وعادات مرتبطة حكماً بالإسلام السياسي
إن التشاركية المعرفية حسب "الحب وجود والوجود معرفة" تقف على النقيض من خيار الحركة الفامينية، وإنما تسعى أبداً لبث البذور القوية لإنتاج نهضة تتحقق باتحاد الجنسين، دعا حليم يوسف إليها في أكثر من موقف في رواياه، حيث ظل سليمان في سوبارتو يسعى لنشدان علاقة ناجحة مع توأم روحه بلقيس، وظل خيار ماسي مع برفين هو نشدان لعلاقة طبيعية صافية لا تنضب وغايتها تحرير الوطن بتحرير المجتمع، كما ظل خيار آزاد أبداً في مد الجسور ومحو ما يتصل بسوء الفهم في رواية 99 خرزة مبعثرة، هكذا يمكن فهم الكفاح المعرفي في روايات حليم يوسف أنها مساعٍٍ لا تتوقف في خلق التشاركية الجنسوية بين الرجل والمرأة ، للحد من الهيمنة السلطوية المستمدة في الأصل من هذا التعاقد المشين ما بين رجل الدين والسلطة بمباركة من رب المال، فبوصول النخب المعرفية القوية إلى الحكم، نستطيع أن نقول بوجوب توطيد معالم نظام حر يقضي بصرامة على أنظمة الحكم المذهبية ذات الصبغة القومية ، عبر إحياء مجتمع المعرفة القادر على ألا يبرح أجهزة الإدارة بل يلازمها ويصحح نواقصها ، حيث تعتبر اللوبيات المجتمعية شكلاً متمماً من إدرات المركز،
. ولازماً ضرورياً لتطويرها حسب مقتضيات مصالح الجماهير ومنافعها
يتابع سالار معزوفته العاشقة ، رغم تبدلات الأمزجة واختفاء البهجة وقد استطاع أن يجعل من المقبرة مكاناً مثالياً يليق بالحب ، حينما التقى بمريم وأخذ يقبلها بنشوة استيقظت منها مريم على حين غرة، ولم يك تراجعها إلا تفاجئاً بعقار الحب الذي راح يسد ثغرات الانتظار ، فالحب يمثل الأمل في محيط عزف عن الحب وانشغل بمحاولاته اليائسة في ترويض وحش الكراهية في النفوس ، لكن عبثاً فحرب السلطات ضد روحانية الشعوب ومحاولتها الفاشلة في ترميم ما يتهدم باستمرار ، أربك كل دعائم الاستقرار والأمان ، وجعل الفئات المدركة لفداحة الواقع تذهب باتجاه خيارات عقيمة ومتعبة ، إما المقاومة أو الهروب، أي الخروج القسري، وبذلك تتعمق الهوة بين الجماهير والمنظومة السياسية والتي بدورها تسطو على ميادين الحياة ، وتسرع في إشادة نهج الفوضى والذعر بين الفئات المهددة بأمنها واستقرارها النفسي ، فالعالم النمطي هو المبتغى من فكرة القمع المتصادعة ، خلق حياة راكدة جامدة ، من غايات الذهنية الشمولية ، حيث تفسخ البنى الانتمائية للناس يمثل عامل ديمومة للسلطة وضمانة لرسوخها، حينما تتحول كافة الشرائح المتنفذة إلى قوات محلية تخدم روح العنصرية وضمانة لرسوخها، حينما تتحول كافة الشرائح المتنفذة إلى قوات محلية تخدم روح العنصرية والشوفينية التي تنتجها السلطة ، حيث تمثل تلك الشرائح نواة بائسة تعيد إنتاج ذات السلطة، لهذا حرص حليم يوسف على فهم الوحش، لأنه يخشى من المتنورين والعاشقين على حد سواء، لأنه أنموذج يتناقض مع نظام العبودية والإذعان
. وبدوره يسهم في خلق بيئة مغايرة ، حيث كل مشوه يستمد سطوة ولوجه للأعماق من خلال السلطة الاستبدادية

:إرهاب الدولة ودورها في صناعة المجتمع الخائف *
رسم الكاتب الخطوط العريضة لإرهاب الدولة وأثره على المجتمع، وذلك الخوف الكبير من الحديث خارج سياق تمجيد القائد الفرد، بث الرهبة في أعماق الفرد، وإخماد صوت الحرية في داخله، تحويله إلى فرد معاق، فكما أن البشرية قد شهدت منذ القدم عهود القتل والنهب والرقيق، فإن الدولة تقوم بذلك عبر نظامها وتمجيدها للقائد السارق بوصفه نبيلاً عظيماً ومفكراً ، فالحرب بهذه الطريقة تتم على المجتمع، وتنصبّ في نقطة زعزعة مواضع الثقة بين الأفراد، لقد زرعت الدولة البعثية أجسامها السامة بين المجتمع، وزرعت مناهجها في عقول الأطفال، وبهذا فإن من ربيوا عبر سنوات على دعاية البعث وفكره المتعالي، لن يكون بوسعهم قيادة ثورة ضدها، ، وإنما يلزمهم أولاً الخلاص من التعالي القومي أولاً وتشرُّب قيم المدنية المعاصرة والتي تلزمهم بخلق أجواء الرفاهية والتعددية العرقية والدينية، وهذا لم يعد متاحاً وممكناً في ظل الفوضى التي بعثرت كل شيء وخلقت بيئة خصبة للإرهابيين والمرتزقة الذين تجمعوا من كل صقع ليبثوا أفكار الإسلام السياسي الواهنة مكان سلطة البعث الحاكم، فقد اكتسبت السلطة البعثية كل مهارات التعذيب في سحق ثورة المعتقل السياسي ومحاولاته في التغيير واستمدت كل تلك الوسائل من هذا النسق التاريخي في قمع النظم السياسية للجماهير والتحكم برباطة جأشها وصبرها، فيتحدث حليم يوسف عن تظاهر الناس بالحزن خوفاً إبان رحيل حافظ الأسد، حيث الأعلام السوداء في كل منزل تعلو، تظاهراً بالفجيعة، وحرصاً على الأفراد من عيون الدولة التي لا تغمض أجفانها عن الناس، وتدأب على مراقبتها عن كثب لخطوات المتحركين لغاية البحث عن البدائل وفي كثير من الأحيان يلتقي الظالم والمظلوم في فرد مناهض، فيلجأ إلى تبرير إرهابه من خلال شرعنة حركته الاحتجاجية المفتقدة لمنهجية تتسم بالرحابة واحتواء الانتماءات المتعددة، فميل السلطة القمعية لإماتة الحياة في ذائقة الجماهير يعبر عن تصالحها مع التاريخ الوحشي لدرجة بالغة الخطورة، حينما تحيي جانباً متصلاً بالتاريخ القديم في تأليه القائد وتنصيب تماثيل له في الأروقة والساحات العامة ،فالعديد من الصور والأقاويل المكتوبة على الجدران لن تستطيع جعل القائد صرحاً تنويرياً وإنما لطخة سوداء في تاريخ البشرية ، حيث ذلك الاستبداد الذهني الممارس يومياً يجعل الثقة بالمدارك والعقول صعبة إثر الخوف ، إذ لا حاجة أن يفكر الفرد بحضور القائد وبقاءه وكيلاً على الفن والفكر والجمال، فتربية النوازع العدوانية وتغذيتها بأسباب التذمر والنفور يعتبر من عمل السلطات الشمولية حين تبتر ما يتعلق بالتفكير النقدي لصالح التسليم بأصالة وسمو القائد الملهم، لتحيل كل غرس أخضر إلى يباب، فالعنف يلبس الحركة دوماً ويستدعيه بالمقابل عنف مضاد، إذ يتصل العنف بكل شيء وأحد أرقى أشكاله هو القانون الملزم، حيث يتصف القانون بصرامته وبوجوب قوة تفرضه وتدين من خلاله المقصرين والمتجاوزين له ، فالرهبة متداخلة في طبيعة العلاقة بين الأفراد والمنظومة المديرة للمؤسسات إلى جانب التفكك الروحي للجماهير والتي قادت الجموع نحو الفوضى، فالسلطة الشمولية خلقت في أوساطها مدّاحين ، يكيلون المديح خوفاً من القائد أو تمنياً من أن يسقط تمثاله بين أقدامهم، حيث بدت الحالة الكوردستانية في ظل النظم المحتلة لكوردستان تبعث على الذهول والإحباط، حيث قاد القمع التنظيمات المعارضة للتنازل عن حلم إقامة كيان حر ومستقل إلى مطلب السماح بالتحدث باللغة الأم، أو التخفيف عن عزلة أصحاب الرأي وليس العمل على إخراجهم من أسوار المعتقلات ، كل ذلك نتيجة تحجر تلك السلطة التنظيمية وارتهانها للنظم الإقليمية ، فحيثما يتواجد المغفلون ، يتواجد المستغلون، إذ لا شيء يحبط الإرادة الجمعية والفردية سوى شيئين وهما الفساد والتعنت، حيث نحد بهذا الصدد أن المناهضة الفكرية لسلبيات وسلوكيات الجماهير أفضل من الوقوع في فخ الندية والعراك الانفعالي، في ظل خطورة الجدل نسبة لوجود تقاليد سلطوية أشبه بالنظام القمعي الدولتي، تكبل الأفراد وتعمل على إقصاء مبدعيهم ومبدعاتهم، فلا يمكن مجادلة رجل دين شرق أوسطي أو متحزب شمولي، لا ير أبعد من إيديولوجية حزبه، إنهما يسيران على خط واحد وهو المحافظة على التصوف، حيث أن رجل الدين والحزب الشمولي قضيا حياتيهما في المحافظة على روح الأبوية العائلية، وأسهما بتحوير ذائقة المجتمعات وإخصاءهما عبر التاريخ، وقد استطاعا في كثير من المواقف تحويل الجماهير إلى مصفقين بحكم الخوف أو العادة، وثمة معرفيات ومعرفيين قضوا في كنف الدين والحزب ردحاً من الزمن وخرجا بحقائق وأسس احتجاجية ناجعة كخيار بديل لفهم الحياة خارج مزاريب مفهوم إن لم تكن مع فأنت ضدي أو إنك متآمر مأجور في كل الأحوال، ولا شك أن المعرفي ساعٍ لمعرفة كل شيء الواضح منها والخفي في آن، ولا يحسن خداع نفسه والآخر ، كونه غير انتفاعي ولا يعني أن رجل الدين أو الحزب جاهل، كلاهما في المراتب العليا للقيادة يدركان ما يفعلان وعملهما دؤوب يصب في إطالة عمر التجهيل الممنهج ، فالنص الديني المقدس أجاد في رفع سوية الحالة الروحانية للجماهير التي تعاني من سطوة الخرافة ، فقد أتى التقديس الديني من خلال أنسنة الله وتأليه نائبه "النبي" أو نائب المسيح "البابا" ونائب النبي "الشيخ ، أمير المؤمنين وجاءت الاشتراكية المشيدة، وجموع الأحزاب الشرق أوسطية " الكوردستانية" لتستفيد من التقاليد الدينية في منشأها وتمزجه بخليط الفكر اليساري بشقيه " الماركسي" أو "القومي الاشتراكي" وتمت تصفية وإبعاد العديد من المعرفيات والمعرفيين الساعين للتغيير ، وقد أنشأوا نظام علاقات تعتمد على تربية التصوف والمحسوبية وتقوية الجاسوسية في أوساط أتباعها، وقد وجدوا في وضع الهالة على مؤسس المجموعة إسلوباً يزيد من ارتباط الجماهير التصوفي بها، حيث أن ثالوث تأليه القائد وتهميش الجندي واستغباء القطيع رسم تقاليداً راسخة باتت إرثاً عقائدياً سميكاً كهالة تأثير الدين على النفوس، عبّر حليم يوسف عنه في رواياته ، وإن كان يتطرق في هذه الرواية لموضوع عميق الكنف
. وهو الخوض في دلالة الوحش
إن الأخلاق موجودة بالغريزة داخل الكائن الحي قبل وجود الأديان، والوطن هو الأرضية الخصبة لإنتاج الحياة وارتباط القائد بالشعب والعكس أربك من إيمان الناس بالرقعة الجغرافية وثمة شواهد كثيرة عبر التاريخ ، تبين حقيقة الحروب الأهلية والثورات نتيجة احتكار السلطة للوطنية وجعل القادة أوطاناً والأوطان مسارح تعذيب واعتقال وقتل، حيث لا يناهض المعرفيون التحزبية المؤسساتية ، فهي منظومة عمل وإنتاج ، ولكن دحض المتألهين أعداء التغيير ، يصب في خدمة المجتمع وتماسكه، وهو واجب حضاري، لصون ملكات الفكر والجمال والإبداع وكذلك تطوير أساليب الخطاب بروح تعتمد النقد والمصارحة الفكرية، وبالنظر لرواية الوحش الذي بداخلي يمكن فهم الحالة الكوردياتية على أنها في كثير من الأحايين ونتيجة ذلك التعاقد المشترك بين السلطة الحاكمة والتنظيم المناهض، أي التشابه في الأدوات وأساليب الطرح نجدها أكثر ميلاً وذهاباً باتجاه منحى الانصهار الطوعي بالتركياتية والعروبة والتفريس، والانسياق دون وعي للتقولب الشمولي في متاهة عبادة الفرد وهذه من علامات تجهيل وإخصاء الجماهير ، وهذا القول لا يلغي المزايا الحاصلة صدفة داخل تلك المؤسستين الدينية والحزبية الشمولية التي كانت استجابة عفوية لحالات الضياع والعبودية الحاصلة على أشدها وذلك إبان تأسيسها وفق ضرورات المرحلة، كما في حقب بدايات القرن العشرين في قارات العالم القديم ، فنجد أن الفكر القومي الإلغاءي والإسلام السياسي المذهبي قد قوض معالم الحياة الديمقراطية لدى شعوب الشرق الأوسط لهذا وجب التعامل مع القضايا كحقائق وأرقام ومكاشفات وهو الأنجع لكسب ثقة الجماهير بقياداتها وتنظيماتها، حيث أن إحياء خطاب الثمانينات الثوري ومحاولة تجديده أشبه بمحاولة إحياء جثة متعفنة ، فالجماهير المثارة إثر خطاب السلطة القومي أو المذهبي أكثر خطورة على بعضها بعضاً من تلك السلطة نفسها، كون اعتقاد القائد أنه إله أو نبي مرسل هو بعكس مقولة الفيلسوف الانكليزي جون لوك الذي قال " الرئيس أجير لدى الشعب ويحق للجماهير عزله إن تجاوز صلاحياته" فما يفسر سرعة الانقياد خلف الشائعات والتهويل الإعلامي هو ضيق أفق الخطاب الكوردستاني العاطفي والذي يفتقد
. للموضوعية والواقعية السياسية
السجن الأكبر الذي أحاط الجماهير على طول رقعة البلد، جعل العيون تتعايش مع مشاهد الرهبة والدموع، في ذلك الواقع أمور تتعلق بطبيعة المجتمع المتأقلم على نمط مجفف للعيش ، وانتظار القادم المجهول الملوح في الأفق، خيبات تتوزع في سحنات الناس، التقطتها كاميرا حليم يوسف ، لتنقب عن جمالية المساعي والمحاولات للانعتاق مع فوضى الخوف وما أفرزته من آلام وإجهاضات للتغيير والعمل السياسي المناهض للحكم القائم، أعباء الاعتقال القسري وطول فتراته حتّم على الحياة أن تسير في منحى درامي مأساوي، فالعيون المراقبة للحظة خروج إنسان من المعتقل كانت تروي زمناً صعباً متخماً بالاستبداد وتردي حقوق الإنسان، بتأملنا للغة الوجدانية في هذه الرواية نجدها تتمايز بالهدوء والروية في سرد الحدث، حيث يتركز الضوء على تحول الخوف لنظام حياة وأخذت توغل في نفسية الناس في تفاصيل حياتها، أخذ ذلك التأثير يطغى على العقول والأذهان، وستقدّم بعد ذلك منظومة سيكولوجية محددة يتصف أفرادها بخوفهم من الثقة بالنفس وباستلاب شخصيتهم، لتغدوا وجوه المستلبين إلى هيئة تماثيل رخامية لا حياة فيها، يتشابهون في الهموم والهواجس ، ويبقى شغلهم الشاغل الحفاظ على أنفسهم من الوقوع في قبضة الأجهزة الأمنية والسجون العرفية وحياة الطوارئ التي لا يعلمون متى ستنتهي ، لقاء العاشقين في المقبرة يعمق من مفهوم الرغبة في الحياة الآمنة، والموتى هنا يشكلون الطوق الآمن بالنسبة لسالار ومريم، الإقبال الكبير على صنع التمثال بعد موت حافظ الأسد، وعيون المخابرات المنتشرة في الأروقة والمحلات، صعّد من موجات التأثير والجاذبية في الرواية، وجعل المشهد المكاني يتجسد داخل المتلقي على نحو خاطف، السجن ترسخ في الحياة، وبات لسان حال الأفراد، إحصاء أخطاء السلطة وموبقاتها بحق الناس، الجرائم السياسية تتفاقم ، والرواية تسلط الضوء على ما يوده المؤلف، ويشغل اهتمامه سواء وصف المراميز المكانية وعلاقتها بتموضع الأفراد وعمل الشخوص في إنضاج الرسائل والمواقف وتقديمها للمتلقي بوصفه كائناً حساساً ومرهفاً ويود معرفة تاريخ الحقبة المؤلمة التي عاشتها الجماهير، وبات في مخيلتها الخوف والتعذيب، فالاغتيال بوصفه أداة لجم شديدة التأثير ، توغل في نفسية الفرد، فتحيله إلى كتلة من تشاؤم، كيف يتم التعامل مع الإحباط حينما يتسلل لدواخل المرء ويربكه، يجعله طريح دوامة
. لا تكاد تنتهي
يمعن حليم يوسف في تجسيد المكان انعكاساً لخراب الروح وأفول الأمل، يدني الشمعة إلى جوانب معتمة في حياة المعتقلين والمكبلين بسلاسل التماثيل والحياة الباردة والممتلئة بالجمود، فالابتكار في نحت التمثال إشارة إلى ارتهان الإبداع واحتضاره على مسرح العبث به، وقدرة سالار على تبصر الوجع ومحاولة إخفاءه عبر الحب، كان الطابع المتفاءل الوحيد على مسرح رواية تعج بالحركة والشخوص الذين يتحركون حول خيال الخلاص ويتحلقون عبره ، بغية الوصول
. لطرف الخيط الرفيع
يمارس الإرهاب الدولي على نحو مقنّن ، ولا يتدخل الرأي العام العالمي بما يحدث من انتهاكات داخل دولة ، تمارس فيه السلطات قمعاً لا محدوداً، فأحوال حقوق الإنسان في خطر، وألوف المعتقلين يعانون، ولا أحد يتحدث عن أحوالهم، فلا من قوة تدين إرهاب الدولة على الأفراد الخارجين عن نظامها والمناهضين لها، فالمصالح ألغت المبادئ وجعلت الأخلاق التعاملية موجودة حسب مجموع المنافع التي تجمع الأنظمة بعضها ببعض عبر تحالفات واتحادات سياسية تمت لعالم المصالح الاقتصادية، فلا أحد يأبه بالإنسان وكرامته، الانتهاكات داخل السجون البعثية السورية كما التركية ، الإيرانية والعراقية ومن على شاكلتها، وما من جهة تأبه لذلك أو تقيم وزناً، ولم يكن رهان التغير يوماً منصباً حول تحسين هذا الملف، إنما ميزان المصالح يعد الأكثر تداولاً من أي مفصل أو جانب متعلق بالحالة الأخلاقية، حيث تتغير النظم وتنهار الاقتصادات بفعل التناقضات الربحية لا أكثر، فالعنف هو خبز الدولة الشمولية المركزية وأساس لانتعاشها ورسوخها، فالإرهاب الذي يعنيه حليم يوسف في روايته، الجانب الغريزي للفرد، فالإنسان كائن إرهابي، يثير الرهبة، حينما يتم إذلاله وتعذيبه وتغذيته بأسباب الظلم والمعاناة، ليتحول إلى وحش كما أن الحيوان يمكن تدجينه ليصبح أليفاً ومسالماً، فإنه في الآن ذاته يمكن جعله أكثر شراسة وضراوة حين يتم ضربه وتجويعه، فداخل كل كائن إنساني أو حيواني وحش رابض في الداخل وعمل السلطة القمعية إخراج الوحش داخل الإنسان وإطلاق العنان له، لينتفض ويقتلع كل أخضر ويابس، حيث يتم تطويع الإرهاب ليكون وسيلة لترسيخ النفوذ المادي عبر ثبات السلطة في مكانها وتفعيل منظومتها الثقافية داخل النخب الإبداعية من كتاب سلطويين وفنانين مرتهنين، يقدمون الولاء مقابل الامتيازات الوقتية التي تمنحها السلطة لهم، حيث تغتصب السلطة مقومات الإبداع، وتسلب الطاقات الواعدة وتحيلها إلى رماد، وتسهم في خلق بذور الغرور والتسلط لدى مثقفي السلطة المنتفعين، ممن تركوا الابتكار وعززوا دافع الاحتكار المادي واللهث وراء ما تلقيه لهم السلطة من بهارج خادعة تتعلق بالشهرة والأضواء، فالسلطات تقدم الفوضى بديلاَ عن نظامها وتهدد به، كي تبقى وكيلة على مصالحها باسم الشعب عبر إضاءة الكاتب لبعض من جوانب عيش الناس والشباب على نحو خاص يود ترك الكثير من المراميز الملخصة لتصرفات السلطة والأجهزة الأمنية ، كي يتمكن الناقد الحصيف من إخراج مافي الجعبة من تأويلات هامة تلخص جدية إرتباط الأدب بالفكر، هكذا تنطلق الرواية الواقعية في تدشين آفاق رحبة من الجمال المرتبط بوصف الواقع المعاش
. وما يتضمنه من إرهاصات ومخاضات تتسم بدلالتها النفسية والفكرية المتصلة بحاجات المجتمع للانعتاق والرفاهية
لماذا يلجأ المعرفي للعزلة دون الانغماس والإيغال في صلب الحركة وممارسة مهامه الحثيثة في مناهضة القوالب وسوءات التفكير المتمخضة عن علاقة السلطة القمعية بالمجتمع؟
هنا سؤال يطرح نفسه في سياق بحثنا عن معضلة التوحش المستشرية تحت تأثير ضغط أجهزة الأمن على المجتمع بكامله، والتي أشار لها الكاتب حليم يوسف ، بكونها أداة تبلع الإنسان داخل المعتقل وتسلبه كل أسباب البقاء، الحياة الأسيرة بيد المنظومة ، تفقد المرء كل دوافع العمل داخل المنظومة أو خارجها ، كون الحراك قاصر ولا يحقق أثراً في لجم الخوف وصنّاعه،إننا امام أزمة ضآلة إنتاج الافكار الجديدة ، حيث طغيان العلة لن تخلق الأفراد ذوي التفكير الجديد، وإنما سينصب عملهم حول متاهة فرضتها تلك السلطة، مثالاً : نجد أن المفكر الشرق أوسطي يخوض ملياً في موضوع تأليه القائد، ويكرر كثيراً خوفه ، معاناته ، من تفاقم مرض القطيع ، ويظل يخوض تلك الدوامة دون إنتاج شيء ذي معنى، هذا يجعلنا ندرك مدى فعالية جهاز السلطة في جعل مناهضيها يسقطون في عزلتهم الفكرية أكثر فأكثر ، كونهم ظلوا أسيري مناهضتهم لشيء لم يتقلص ، إن إمكانية جهاز القمع السلطوي في تجهيل الجماهير أكبر من إمكانية ذلك المفكر ، أو تلك المفكرة الساعية لإنبات زهرة الإبداع في عقول الأطفال
إن الوقوع في شرك النظري جعل العقل في محنة والإنسان في عزلة وانفصام ، فتلامذة الشيخ ، وأتباع القادة الملهمون يخوضون نشوة الحلم ، ويبتعدون عن حقيقة أن السياسي قد يكذب فكيف يتم تأليهه، والشيخ صاحب الطريقة قد يخون الله في سره ، فكيف يهبه الناس الهبات والأعطيات، لقد نادوا من قبل بموضوع فصل الدين عن السياسة وبقي الإشكال قائماً فلا نعتقد أن سيتم فصل القائد عن الشعب، باعتبار القائد وثن ، والشعب حقيقة
إن استماتة قوى السلطةفي السيطرة على الموارد والامتيازات ووضع اليد على مناحي الحياة ، قاد الحياة إلى نمط من الجمود، جعل التصحر الفكري هو القدر الجامع الذي تستظل تحت فيئه فئات المجتمع، والسيطرة يلزمها جهاز رقابي دقيق ، يعتبر كل مناهض عدواً أولاً، هذه حال الشرق الأوسط في ظل سقوط أنظمة ومجيء أخرى، حيث لعبة تبديل الأدوار وإحداث بعض التعديلات لن تسهم في أي تغيير جوهري يفتح المجال أمام اصحاب المواهب والمدركات الحرة ، إنها منطقة غنية من حيث الموارد، وتخضع لسلطة أوروبية أمريكية عن بعد وبوكلاء سذج ، ينشرون التجهيل والتصوف ،
. وإخضاع العقل عبر حقن الدين المذهبي ، والقومية التفاخرية و الديمقراطية الواهنة
لقد حددت المنظومة السياسية البعثية طبيعة المجتمع وأدوار فئاته، ورسمت معالم اغتراب أفراده، من خلال عزلة محكمة بسلاسل الرهبة، وأسلاك الحذر، وقد جعل حليم يوسف عبر رصده للجوانب النفسية للبطل شكلاً تجسيدياً لحياة القلق المسيطرة على الناس، حيث أودعتهم لحالة من القلق إزاء الحاضر المعاش والمستقبل المنتظر، لنتأمل هذا النص ص149 :” كلما داهمتني الكآبة، كانت ذقني النابتة تساعدني على تحمل تلك اللزوجة الثقيلة التي تتركها الحياة اليومية خلفها، ربما كان ذلك وهماً، لكنني بإطالة ذقني كنت أحس بأن الكآبة تسرب من داخلي عبر مسامات الجلد إلى تلك الشعيرات الكثيفة التي تغطي وجهي، وكنت أختبأ خلف تلك الشعيرات الدقيقة التي تخبأ فضيحة الحزن المستقر في ملامح وجهي، وأشعر بالسكينة في روحي القلقة" فاللذقن رمزية باهتة تتعلق بالحزن ، حيث نجد حليم يوسف يرصد محدداً وقع تلك الخطا المراقبة لخطوات سالار كما في سياق توهم موسى لوقع خطوات وراءه وفق رواية خوف بلا أسنان ، فما بين الحالتين رابط مشترك يتعلق بالخوف والرغبة المستمرة في الانقضاض عليه، الإحباط مقيم في المكان والزمان ، رغبة العديد في الهجرة تكاد تصبح الوجه العام لتلك الأحاديث التي يتبادلها سالار مع أصدقاءه، حالات الفزع من وجود رجال أمن وجواسيس يتبعون الناس، ويسألونهم عن كل شيء، جو العزلة والانكماش الذي جسده حليم يوسف يثير التساؤل ويجعل قلمنا يسير باتجاه التعريف المكثف لطرائق عزل السلطة القمعية للمجتمع، إن تلك العزلة الاجتماعية ولدت مفاهيماً مضطربة تشربها الأفراد عبر تقاليدهم وعاداتهم ، لنتأمل ما قاله الكاتب الكوردستاني يحيى سلو في كتابه لغة الجبل ص18 : "الفرد الذي لا يستخدم قدراته الذاتية والإبداعية يتحول مع الزمن إلى مجرد أداة تنفيذ، يتم تدريب وتعليم الفرد في مثل تلك الظروف على أن تتقلص دور مشاعره الإنسانية وتحكمه غرائزه التي بدورها تفتقر إلى الأحاسيس
“. والعواطف وقوة العقل والتفكير
السلطة الاستبدادية أعاقت تلك القدرات الذاتية لدى الإنسان ، حاربت المعرفيات والمعرفيين، بكافة الوسائل الناعمة والقسرية، فتتبع الأفراد وتحري شؤونهم اليومية هو لتذكيرهم بحقيقة سوداء، وهي أنهم في السجن ، سجن كبير اسمه الوطن ، وطن أفراده يمتهنون تكرار ما سوقته السلطة من حياة غير واثقة، ملامح الذات المنكسرة ما هي إلا عبارة عن تفاصيل غامضة تبوح بها علامات الوجه ، تفتيت الفرد عبر مراقبة حركاته، وتتبعه بشكل دائم عرقل المناخات الإيجابية فيما بينه والناس، في ظل الكابوس الكبير الذي عم تلك الرقعة السياسية الناشئة إثر اتفاقية استعمارية اسمها سايكس بيكو
. باتت النظم فيها طائفية محكومة بالفشل والإخفاق، تتربص أجهزة أمنها بالنفوس والعقول لتقودهم إلى مستقبل مظلم
تعتبر مجاورة الموت تعبيراً رمزياً لطلب السكينة والراحة ، والتحرر من القلق بوصفه عاملاً يشل حركة النفس، يلزمها على الركود والتقوقع في دوامة ساكنة ، لهذا استدل الكاتب من خلالها لنشدان الإنسان المقموع لحياة رحبة خالية من المعاناة الذاتية، حيث تفكك المجتمع وتفتته ، جعل الفرد يشعر بعزلته الخانقة ، قصة الحب معلنة في ساحة هادئة ساكنة، حيث القبور تهب الحكمة، كما تفتح الأفق نحو معرفة النفس وما يجري في القلب من سجالات وجدانية، عالم الأحياء مخيف ويبعث على الرهبة ، ولاسيما أن الأحياء المتنفذون ، المتحكمون بالناس وأقدارهم وضعوا نظام الموت في الحياة وأسسوا للكراهية لتبقى لأمد غير معلوم، وهكذا انتهى حال سالار لتأمل تلك القبور حيث نجد حبوره باتجاه نظره المسلط للأمام ، فنجد هنا صمتاً خانقاً معبأ بالحسرة : ص 164 “تناولت المفتاح من يدي بعد تردد ، خبأته في جيبها وهمّت بالمغادرة، شعرت بأن لدي الكثير مما سأقوله لها ، لكن الكلمات لم تكن تخرج من الفم، كان هناك شيء ما يتحرك في داخلي وأعجز عن وصفه ، راقبتها حتى خرجت من القبور، وبدأت أتذكر شيئاً فشيئاً ما أود أن أصارحه به، لكن الوقت كان متأخراً لإسماعها أي شيء، وبقيت أفواه مئات الحيوانات الجائعة عاجزة في داخلي تبحث عن لقمة حب صغيرة تسد جوعها
" المزمن في وسط هذه المقبرة الممندة على امتداد هذا العالم الموحش
:تلك العلاقة المبهمة تشي بالكثير من الدلالات النفسية للعاشق في ظل منظومة الخوف منها
حاجة الفرد للاستقرار، المفتاح هنا يمثل حلاً منطقياً للخروج من بلاد تفتقر للحب وتطلع واعِ للحرية عبر بوابة الهروب -
.من الوطن
فهم الحياة الوجدانية بزهدية عالية تبعث على التساؤل وتحاول الإيغال في صفاء العلاقة لتكون نموذجية وغير محصورة-
.في بهارج شكلية جوفاء
. الغموض الذي يكتنف الوجدان في ساعات البوح والخلود إلى الصمت كوسيلة لإعادة ومراجعة الحسابات الداخلية-
وقد أوجد الكاتب هذا الفضاء ليدفع المتلقي القارئ لفهم طبيعة المجتمع وحاجته الكبيرة للتغيير وعسر إيجاد ذلك ، حيث
. التفكير بالهجرة أبداً مثّل ذلك الخلاص الوحيد من سوء الحال

: شهوة السلطة القمعية وتصاعد نمو الشخصية المستلبة *
في ظل هرع أصحاب النفوذ والامتيازات السلطوية نحو المنافع والمزيد من المكاسب ، يجدر تنامي القبضة الأمنية وسلوكها المباشر في التحري والمراقبة، لاسيما وأن الإبداع يسعى للبروز عبر الحب، وغاية الفرد من التحرك في بوتقة الوطن المعتقل، هو لأجل إنقاذ الحب من مخالب الخوف، ما السعي إلى الفرار إلا نتيجة عن إفلاس المجتمع روحياً بعد عزله، وتصاعد إنطفاء شعلة الانتماء للأرض فيه لصالح الرغبة المحتدة في عيش الإغتراب الخارجي، فيستغرق حليم يوسف في فكره ملياً حول التمثال، وظله الذي أخذ يطبق على خيال سالار، ويجعله في حالة من خوف أثناء النوم، فالشوارع خالية ، والتمثال يزداد تطاولاً وضخامة ، ولابد من إثرها حصول ذلك التصادم ما بين شخصية مرهفة وأخرى سلطوية، تنهش المخيلة والمستقبل على حد سواء، إنها معركة غير متكافئة بين التمثال الضخم والرجل مكسور الرأس، على الرغم من اختفاء الحب ، يغدو الفرد على أرض الواقع ضحية الظروف القاهرة والموانع القسرية، هنا نجد التخييل يؤدي مهمة فنية في استعراض الفكر بيسر، فعلى الرغم من قسوة الواقع وبطش السلطة في التعامل مع الخصوم والجماهير ، وأخصها الشريحة المطالبة بالتغيير والعاملة لأجل ذلك الهدف ، نشهد تجاسراً واضحاً لبلوغ الأرب، ففي رمزية الرجال ذوي الملامح المتطابقة هو إشارة للنمطية التي رسختها المنظومة الشمولية في حياة الناس التي ما فتأت تربي طاعة ولي النعمة في ذائقتها وهكذا فهي في حالة اعتياد تاريخية لعبادة الأشخاص المتألهين وذلك مستمر وفي تصاعد ، بغض النظر عن طبيعة تلك المناهضة ووسائل تحركها ، بيد أنها تبحث عن مهدي منتظر أو مسيح مخلّص ينقذها مما هي عليه، وسرعان ما يتحول ذلك المخلّص إلى مستبد، وتعود الجماهير إلى مربعها الأول، كونها تدين بالاستبداد وترعاه في لاشعورها فتصطدم به مراراً ، فيجب أولاً التخلص من التمثال وكاريزما الشخصية المخلِّصة واستبدالها بمحاولة إيجاد جيل مخلّص وجماهير واعية
. تصنع حريتها وطموحها عبر بذل الجهود المشتركة لإيجاد بنية قويمة لمجتمع معرفي يحقق السلم التعايشي
يشير حليم يوسف إلى معاداة السلطة الساذجة للمتنورين ، كونهم أعداء الاستبداد والفساد فنتأمل هنا : ص 168 „ دخل الرجال الثلاثة ذوو الملامح المتطابقة ، بقي أحدهم متسمراً أمام الباب كمسمار صدئ، وكان أضخمهم ، لفت نظري القصر الفاضح في قامة أحد اللذين قلبا البيت رأساً على عقب، باحثين عن أشياء ممنوعة ، عاد القصير بصيد ثمين ، فرد أمام الرجل الضخم ، ستة كتب : الغثيان لسارتر، العقد الاجتماعي لروسو ، فاوست لغوته، مم وزين لأحمد خاني، شرفنامة للبدليسي والمسخ لكافكا، كانت تلك كتبي المنتقاة، قال الرجل الضخم بلهجة حازمة موجهاً كلامه إلى أبي: - نأخذ ابنك
„. معنا، المعلم يريده
إن عداء رجال السلطة مع المستنيرين تاريخي وقائم بذاته كحقيقة واضحة غير قابلة للبس ، وإن تطوير الإقصاء والقمع من عملها الكابح للإبداع والابتكار، فأحد غاياتها هو القمع الوحشي وتثبيت الخوف كنظام حياتي، هنا أمكن فهم نضالات المعرفيين على أنها البديل الحضاري والوقائي القائم إلى جانب بطش الإرهاب الدولتي أو الحزبياتي ، وإقامتهما سلطتين كبرى وصغرى، تعملان بالتنسيق فيما بينهما للحد من تطلعات الفرد للإرتقاء، ثمة مقاربة أراد الكاتب إيضاحها في علاقة الحلم باليقظة ، فاعتقال سالار كان وراءه منام محتواه حالة صراع غير متكافئة بين التمثال والرأس المعطوب ، حيث الاصطدام ، فلا بد من فهم حقيقة أخرى تتعلق بصيرورة كفاح المدركين لحيوية التغيير وهي أن الاستمرارية في سلوك نهج التمرد والمقاومة ، لقيه في كثير من الأحيان ردود قبيحة من نظام السلطة الصغرى، "الحزب المناهض" لغايات تتعلق بالتمايز السلطوي والرغبة بالبروز الانتفاعي الأناني ، لو على حساب المبادئ والمصالح الشعبية ، إن لذلك تأثيراً بالغاً على كفاح المعرفيين لتحقيق التطلعات الجماهيرية في الحرية والاستقلال، هكذا نجد أن الحسابات السلطوية لا تتوافق بتاتاً مع الغايات المثالية بل وتتعارض على نحو فج ومباشر، فتحالف السلطتين الكبرى والصغرى فيما بينهما كان لكبح أداء المعرفيين ودورهم في تنبيه الغافلين، لهذا نشهد ذلك التحالف المقيت بين الأنظمة القامعة المحتلة لكوردستان وتنظيمات كوردستانية سلطوية تكبح من جماح النخبة الشابة الواعية ممن ترفض الارتهان والمساومة على دماءالذين سقطوا لأجل كوردستان، لم نذكر تلك التنظيمات إسمياً وإنما أردنا فهم فداحة الاختراق السلطوي البغيض لتنظيمات اصطفت وراءها جماهير غفيرة متعطشة للحرية والاستقلال، رغم افتقارها لروح التنظيم المعرفي ، تدين
. بارتباطاتها الروحية والغوغائية بزعامات متألهة مثلت الآغوية المعاصرة



:المنظومة الشمولية تجدد نفسها*
إن الضغط السلطوي يرمي بثقله لميادين وصعد الحياة كافة، يخلف جيلاً مكبلاً بخوف ممنهج تربوياً ، وقادر على ان يلتف حول مطالبات المعرفيات والمعرفيين ، دعاة التغيير لإحداث قفزة نوعية في مسار العملية السياسية، جيل الزنازين لم يفلح في الخروج من بوتقة الإنكسار التي أحدثها السجن والاعتقال ، لهذا بقيت مسارات التغيير محدودة محصورة في الأفق، الجماهير دخلت ألعوبة هذه السلطة ومارست دوراً خائباً في السير بخضوع لألاعيب السلطة عبر اختراقها للتنظيمات المناهضة وجعل الجماهير تتفتت عبر عقليتها الانشقاقية، وكرها للخلاص وإن دعت إليه نظرياً، تبين للقاصي والداني أن عداء المنظومة السلطوية القائمة مع قوى التغيير متفاقم ويتصاعد ويتعمق عبر الأجنحة السلطوية المشتقة عن النظام الدولتي الحاكم ، بمباركة استخباراتها ، إنها وراء صنع تنظيمات منبثقة عنها عبر التقاليد وتشابه النظرة ، وعقلية التسلط والتعنت الإيديولوجي، أما عن كيفية الخروج من تأثير خطابات السلطة الشمولية وطبيعة تحركاتها ضد نهضة
. المجتمع ، فهذا رهين الوقت والتغيرات الإقليميةالمتصلة برغبات ومصالح الدول الكبرى والفاعلة
لقد كرس حليم يوسف للتنديد بالعقلية الشمولية وقتاً مهماً وشكلت رواياته معبراً سهلاً لقول ما لا تقوله البحوث والدراسات، عبر تسخير شخوص رواياته لتتهكم وتزدري وتعمل ، وما ميله للسوداوية وضياع البوصلة ،إلا تجسيداً لحالة الأفراد في ظل النظام المركزي الشمولي، فشدة القمع وقوته،، حالت دون صناعة التغيير ،، بيد أنه أبرز المرهفين ممن يحملون راية الفن والحب، وأوكلهم لصناعة الحياة على نحو جدير بالعيش، وقد أشار الكاتب إلى قوة تلك السلطة عبر رمزية التمثال الذي يتعملق أمام سالار، ليعبر عن شكل الصراع ورجحان كفة الأقوى، هذه السلطة ملكت صكوك التخوين وإعطاء أوسمة الوطنية لمن تريد، وعمقت الهوة بين فئات الشعب وأعراقه وانتماءاته، فالفوضى التي خلفتها باتت حجر عثرة بطريق الأفراد المدركين ، فعززت تلك العثرة انبلاج المجتمع التصادمي غير المتجانس والمتميز بعداءه للتجانس والتعايش ، مفرق مقسم ، ويعيش حالة من الغبن والتكاسل والاعتماد على الغيب وخليط الأفكار الدينية والبدع الميتافيزيقية، هذا النمط من الحياة سبب عطالة في الفكر وبطالة في الذهن، خلف أمماً متهالكة تكره القراءة والمطالعة ، وتنغمس في السياسة على نحو مراهق وعاطفي، وفي الآن ذاته ونظراً لكونها محرومة من ممارسة السياسة بمعناها
. الهادف، فإنها تنزوي في أوحال الشعارات وتمجيد أولياء النعم
الحديث عن مجريات الذهاب إلى فرع الأمن للتحقيق ، يشكل باعثاً وجدانياً مرتبطاً أشد الإرتباط بعلاقة المنظومة السياسية مع الأفراد، لغة البطش وبث الخوف لابديل لها وهي بمثابة الطوق الأمني الذي يحافظ على هيبة الدولة وجبروتها، يلزم الأفراد قسراً على الانصياع وقبول الدولة كحقيقة لا تقبل اللبس أو الشك، دولة البعث التي لا وجود فيها سوى لعرق واحد متعالٍ على بقية الأعراق والملل والانتماءات وضمن تلك الدولة حكم طائفة الرئيس وأقاربه ومن لف طائفته، حكم طائفي قومي فئوي وجد ليخدم أصحاب الجيوب الفضفاضة المشاركة في قمع الفرد وملاحقة لقمته قبل أن تنزل لمعدته الخاوية، هكذا وفي ظل هذا الجو المضطرب، يحتضر المرهف والمعرفي والمبدع، إذ أمامه طريق عسيرة للخروج من الأسلاك والعثرات ومواجهتها بمنطق المخاتلة أو بمنطق المجازفة، لحظة المسير إلى التحقيق نجدها مفعمة بسيول الأفكار والهواجس، ينجح الكاتب في تحقيق التجانس ما بين سحنات الموجودين المتحلقين حول سالار والمكان، لنتأمل هنا ص176 „كان من المعروف عن المغني الأعمى أنه يغني ويسمع كل ما يقال، لذلك غيّر أغنيته لنفسه: -دخان دخان دخان يغطي العالم " وأراد تنظيف المرسم عن بكرة أبيه، قدم إلي سورو معتذراً عن ملاحقته لي في الشوارع وإخافتي، أفهمته أن ما فعله لم يكن سوى مزحة عدت على خير ولا تستحق أي اعتذار، الوحيد الذي كان شديد التأثر بوضعي ذلك المساء هو المعلم آرام ، كان يبحث عن حل سريع ينقذني مما أنا فيه، وهذا ما كنت بحاجة ماسة إليه، إلا أنني فوجئت
" بمدى علو جبال العجز في عينيه الضيقتين، وخفت عليه في تلك اللحظات أكثر من خوفي على نفسي
الرهافة أمام غرور الآلة الباطشة، يقيم الكاتب عالم من المتناقضات ، بين فن يحارب وسلطة تقارع الإبداع، وحب البقاء والإرادة التي تدين للحياة، حيث يخوض العقل الإبداعي عدة صراعات داخلية وخارجية مع السلطة الكابحة لطاقاته، وعلى الرغم من أن مصير سالار مهدد في ظل استدعاء الأمن له للتحقيق، إلا أنه يواجه ويأخذ زمام المبادرة في الحد من حالة الرهبة المزروعة بداخله عبر الاجتماع بأصدقاءه ، ليلقي نظرات حميمة على المكان ، غناء الأعمى، مرسم سليمو، مرح وظرْف سورو، كل تلك الطقوس الجميلة المشبعة بالحياة إلى جانب الخوف من القادم ، وسّع من دائرة التصادم، حيث المعلم آرام يحاول بشتى الوسائل مساعدة سالار وتخليصه من هذه الورطة، حياة تستمر وأفكار تقبع في زاوية الذهن كمد وجزر لايهدأ ، أوجد الكاتب لهذه المعاناة الرابضة قيمة جمالية تجسدت بصخب المكان وألفة الصداقة وروح تعانق
. الإنسان مع الحياة بكافة ألوانها وصورها

:توحش الأمن وحيونة القطيع*
يبدو حليم يوسف في معمان تصويره لقصة دخول سالار لغرفة التحقيق يود عقد صلات بين الإنسان والحيوان ومدى تشابههما في الملامح، إذ ثمة حيوانات أليفة وشرسة والإنسان أيضاً ما بين آخر أليف وهادئ، وآخر شرس أو لئيم، ويميل لارتكاب الموبقات، يشير الكاتب إلى تغير الإنسان حينما يقع في قبضة رجال الأمن في دولة بوليسية كالبعث، إذ نتأمل هنا : ص 179 „ ذكرني الرجل العجوز الأصلع الذي كانت نظارته تستقر على أرنبة إنفه بفأر هرم،يقضم الورق القديم من الملفات المتراكمة أمامه على الطاولة" وهنا تقول الدكتور البريطانية جين روجرز :“ إن البشر يشتركون في 99% من جيناتهم مع الفئران ، بل إن البشر لديهم الجينات التي يمكن أن تؤدي إلى نمو ذيل" استخدام محققي الأمن ورجالهم نعوتاً قميئة ، تشير إلى خروج الإنسان عن جادة الرقي والتحضر، حيث تعبر الشتائم عن حالة من انفعال وتوجس تقيم في النفس مما يدفعها لتبرير الكراهية والنقمة عبر ألفاظ نابية تجسد العنف اللفظي ، حيث يرَى جورج باتريك " إن استخدام الشتائم هو صورة بدائية من الكلام البشري ، حيث نجد صلة الإنسان بالحيوان عبر توظيفه في السباب كما هنا ص200: „ -أحضروا لي هذا الحيوان على الفور . أنا أعرف شغلي معه " وهنا أيضاً ص201 „جاوبني يا حيوان ، ألا تسمع ؟" وكذلك ص202 : „ ولك ياحمار كنت تقول لنا إنك أطرش " وتداراك الأمر قائلاً لنفسه : „ والله فعلاً أنا حمار ، كيف رح يرد علي
" وهو أطرش وأبكم
حيث يعبر السباب هنا عن الغضب والنقمة ، والاعتياد على ممارسة العنف وحده، التصارع بين جهاز الأمن والمعتقل السياسي وغير السياسي، حيث يبرز الكاتب كم العنف والخروج عن الحالة الإنسانية، إلى الاستشراس الحيواني ، وخروج الإنسان عن المنطق ، عبر إطلاق العنان لشحناته عبر اللاشعور وتدفعها لتعبر عن حالة التوحش تلك ، حيث تسود القوة الباطشة مقابل أصوات خافتة لم تملك قوة مضادة ، نتيجة إحكام سلطة البعث على كافة مفاصل الحياة السياسية والثقافية والاقتصادية والتعليمية، لن نتفاجأ ببروز معارضة هشة ، ضيقة الأفق ، تتشابه مع السلطة المناهضة في كثير من النقاط الجوهرية ، وهذا ما يحاول الكاتب بيانه عبر روايته
معاينة المشهد السياسي بحنكة روائية مفعمة بالدلالات السيكولوجية والنفسية هدفها فهم المرحلة وطابع الحياة السائدة في ظل توغل أجهزة الأمن في مفاصل حياة الأفراد ، ورسوخ العنف كمذهب استعدائي ، يقوض طموحات الناس
: ويرسخ التفتيت والتشرذم ، والضياع بين السلطتين المناهضة والقائمة ، ويتبين ما يلي

حجم الصراع السياسي وضراوته، واستماتة السلطة في قمع المعرفيات والمعرفيين لما لهم من خطورة على المنظومة في صميمها

حرب سلطة البعث لكل المدركين بضرورة إسقاطها واتخاذهم تدابيراً قاسية في قمع كل حراك

نجد أن الاعتقال السياسي يعتبر عملاً مثار اهتمام بالغ للسلطة القمعية وإن اهتمامهم بملفها أكبر مقارنة مع الجرائم
والجنح الأخرى
كذلك نشهد تواطئ رجل القانون مع رجل السلطة في القمع عبر أجهزتها التي تتعامل مع المعتقلين بمزاجية مفرطة، ففي كثير من الأحيان ، فإنها تطلق سراح المعتقل ، حينما يقوم ذويه بدفع المال مقابل خروجه

وقد كشفت المذبحة السورية ، "الثورة " الخلل البنيوي في طبيعة خطاب المعارضة وتشددها الديني وخضوعها
. للأجندات الإقليمية، كما فعلت سلطة البعث، التي راحت تفعل كل شيء وتفتك بكل شيء لأجل بقاءها

ولاشك إن الكاتب يتدرج عبر رواياته في الحديث عن مراحل تفسخ السلطة وذهاب هيبتها مع الوقت، وتصاعد الجرأة الشعبية في الحراك وتسلط القوى الاقليمية والدولية لتحريك هذا الطوفان الجماهيري بما يتناسب ومصالحها الاستراتيجية، في تلك المنطقة المتحقنة سياسياً والبعيدة عن حالة التعايش والتجانس، والتي عاشت السلطة البعثية فيها فساداً من خلال تأصيلها للشوفينية القومية في نفوس الجماهير ، وهكذا نجد أن المنطقة المستعرة تنقل أزماتها خارج
. الحدود مع دول تتشابه معها في عقليتها وكرهها للديمقراطية
عداء رجل الأمن للمعرفة متأتية من سذاجته وكرهه للفنانين والمبدعين المشاهير ، وهو مرموز يشير أصلاً إلى احتقار سلطة البعث حالها كأي سلطة مخابراتية لكل الذين يشكلون مصدر قلقها وهم أصحاب القلم ممن يمتلكون القدرة على التحريض ومعاينة الأورام الثقيلة المستوطنة روح الناس المتعبة، مع توغل السلطة يصبح تماسكها أضعف وضبطها لتجاوزات الأفرع الأمنية أقل، فيصبح البطش وليس سواه غاية في حد ذاتها ، حيث لا معاينة ولا تمحيص في ماهية من يتم اعتقاله، وإنما تمسي القضية تخويف الناس وترهيبها، فحينما يتصرف المحقق بمزاجية بحتة وسلوكيات مضطربة تنم عن جهله وسذاجته، عندها يمكن القول أن الإنسان في خطر فعلي والقانون قد مات، هذا بدوره ينعكس على نفسية المجتمع وإحباط أفراده، عدم قدرتهم على تجاوز فوبيا الخوف الذي يتضخم باستمرار ، فولاء رجال الأمن والجيش هو لنظام العائلة وطائفتها ، وما البعث سوى عباءة ومنبع وأسلوب عمل يتم عبره الحكم والتصرف كراعٍ أوحد تحت يافطة حماية مكتسبات الثورة والدفاع عن الاشتراكية ، وماشابهها من شعارات، لهذا نشهد مظالماً لا تطاق بحق الناس، وتفنناً في تعذيب المعتقلين وإمعاناً جلياً في خلق تنظيمات وميليشيات لها ذات التوجه وإن لم يكن ذات التوجه فلها ذات العقلية والأسلوب في التعاطي مع الجماهير، حيث احتكار الوطنية لصالح حكم العائلة أو الطائفة يمثل رأس حربة بمواجهة الديمقراطية والتعددية، فاحتكار القيم والموارد يقود أوتوماتيكياً لبناء نظام الاستبداد، وما يحدث في سوريا هو تحول كل حزب عسكري الطابع إلى خلق نظام مشابه لنظام السلطة القائمة، إلى جانب تربية الجماهير على مذهب الخضوع والولاء للحزب والتوجه الإيديولوجي على حساب الانتماء للوطن والتفكير بنهضته وبناءه ، إن مرحلة الثورات المسماة بالربيع العربي هو حصاد لما زرعته السلطة الإستبدادية من عبوات وألغام موقوتة ، تنفجر على التوالي، ولن يتغير هذا الحال إلا عبر التدرج البطيء وبالتزامن مع عملية رفع الطوق أو العزلة التاريخية عن تلك الجماهير المغيبة عبر الإكثار من بناء من بناء المحافل والمؤسسات الثقافية المربية للعقل وتنميته، وهذا بالضرورة سيتيح المجال لإرساء النقد ويفتح الطريق لمناقشة
. التابوهات والتقليل من سطوة رجال الدين والحزب الشمولي ، الأمر الذي سيتيح المجال لقيام الثورة المعرفية

:الوحش الذي بداخلي من زاوية علاقة الأدب بالفلسفة
ينقل لنا حليم يوسف أحداث روايته بمراميز يسقطها على السياسة وطريقة تعايش الأفراد والجماعات وكيفية حياتها ناقلاً المعضلات الفكرية والنفسية والسياسية بطريقة تنم عن ذكاء ودراية بالمجتمع، وقد أخضع حليم يوسف شخوص الرواية أمام مجهر التأويل والتنقيب عن المناخ السائد ، وطبيعة تحركات الأفراد ، إذ أراد الكاتب أن يمارس مختلف الفنون الفكرية في عرض الرواية الشيقة، الكاتب حليم يوسف يحذو حذو كل الأدباء الفلاسفة في إرسال رسالته للآخرين لسان حال المعري وأحمدي خاني وملاي جزيري وإن كان هؤلاء شعراء وهو روائي، ولا عجب في ذلك حيث إن اختلاط الأجناس والفنون هو نتيجة ميل طبيعي من المبدع للتعبير عن أكثر من فكرة وجانب من خلال لون يحدده السرد، لهذا فإنني أرى أن كافة الفنون والأجناس الأدبية في حالة اقتران تامة بتساؤلات الفلسفة ومعضلاتها، لأنها تتحلق حول الوجود وإشكاليات الإنسان مع الذات والآخر والعالم ككل، وقد ارتأيت في النهج الذي يقول بالعلاقة بين الأدب والفلسفة ، لبيان قيم الفن إلى جانب الفكر، إذ كلما تشعبث الأفكار واتسعت فإننا لا نر سوى الرواية وسيلة لاحتضان الفكر والوجدان في آن، حالة السرد هنا مضمخة بالعقلانية ونقيضها تشبهاً بالحياة وتقلبات الإنسان النفسية ساعة الاعتقال والتعذيب، لغة الكاتب لا تفارق الشعرية كما لا تفارق المناخات الفلسفية ، وهو يشتغل على أكثر من حقل وجانب ، وهذا يعطي للسرد حيويته وسلاسته، فما يجمع الأدب والفكر هما البيان ، جودة الإسلوب وروعة اللغة ، إذ بدونهما لن تسطيع الأفكار أن تجد نفسها على الورق ففي حواريات شخوص الرواية ، أصدقاء سالار ، وتلك الومضات البريئة والقصيرة من غرام سالار بمريم ، نجد حيوية الانتقال السريع بارزة في أشدها، حيث السرد الأدبي دفاق بالصور والانزياحات التي تستمد ألقها وأدواتها من الوجود ، في حين تذهب الفلسفة إلى معاينة هذا الوجود على ما فيه من علات وجماليات، ونجد حليم يوسف مواكباً لتقنيات الحداثة ومحافظاً في آن معاً على المقومات الكلاسيكية لبناء الرواية ، وهكذا نجده توافقياً في مسألة جمع كل شيء في خابية الرواية ، لنجد أنفسنا أمام حقل بهي المنظر، فالكتابة وسيلة لنقل الحياة ، وفهم المرحلة ، وكذلك تسليط مركز على إشكاليات عدم التكيف أو الاغتراب، فلا قيمة للفكر أو الفلسفة إن انسلخ عن الوجدان ، ولا قيمة للأدب إن تعرى من الفكر وبات بذخاً لغوياً وقد نجح الكاتب في اتخاذ خيار التوسط ما بين الوجدان الأدبي والتساؤل الفكري من خلال الوصف والتساؤل ضمن حيز منطقي يحول دون طغيان الفكري على الوجداني أو العكس حيث نجد جان بول سارتر وميلان كونديرا يتصدان بجودة لمسألة إشادة الجسر الصقيل ما بين الرواية بوصفها موضوع للنفس والفلسفة بوصفها تأكيداً على السعي لفهم الوجود بإبداعية حيث يقول الروائي الفرنسي ميلان كونديرا بصدد فكرة تأسيس الحداثة : „ مثلما قالت فلسفة الحداثة مع ديكارت أنا أفكر إذن أنا موجود، قال أدب الحداثة أنا أتألم إذن أنا موجود " لهذا فتجسيد آلام الناس في الرواية
. يعتبر بياناً صادقاً لعظم رسالة الأدب
فحسب كونديرا فأن الروائي يسير في طريق محفوفة بالفلسفة وفق مسار أدبي مفعم بالشاعرية والتنبه لأثر المكان على الإنسان، وكذلك رحلة في تخوم الوجع الإنساني ومحاكاة صريحة لمشكلات الإنسان وأهوائه واضطراباته متعددة الأسباب والنتائج، فالأدب والفلسفة اكتشاف مكمل للعالم ، ومنهج فهم للوجود وهما يؤديان بطبيعة الحال وظيفة مكملة
. لبعضهما البعض
:نظرة في آليات التعذيب وآثارها على المعتقل *
التعذيب الجسدي والنفسي للمعتقل ، يستخدم بوصفه رادعاً يحول دون تحقيق الفرد لأهداف مناهضة للسلطة ، ويستخدم كوسيلة للدفاع عن النظام السلطوي إزاء فئة تدحضه وتحاول هدمه مراراً ، وهو عمل رئيس للدولة البعثية الطائفية في أنها تولي أهمية للتعذيب والتفنن به كوسيلة تردع الفرد وتجعله خائفاً بعيداً عن أفكار التغيير والعمل لقلب النظام القائم، بما لاشك فيه أن أصحاب العقائد الدينية والوضعية يستخدمون التعذيب كوسيلة للمحافظة على السلطة والعقيدة والبقاء ، فالإكراه والقسر شائعين في مذهب السلطة ، ولكي يتحقق الرسوخ للنظام ، يجدر أن تحارب المختلفين والمخالفين لها، وقد استخدم التعذيب لمزعم البحث عن الحقيقة ومعرفة المذنب قديماً، في اليونان وفي عهد الإسلام وما قبله ، وكذلك في العصور الوسطى واستخدامه كوسيلة لحماية الكنيسة الكاثوليكية ، حيث في الستينيات من القرن المنصرم قام العالم النفسي „ستانلي ملغرام“ بإجراء اختبار في جامعة „يايل“ لفهم ظاهرة التنفيذ الحرفي لعمليات الهولوكوست والتي قام بها الجنود النازيين في الحرب العالمية الثانية ، وقام عالم النفس الأمريكي فيليب زمباردو ، بإجراء اختبار في سجن ستانفورد ، حيث خَلُصَ زمباردو إلى نتيجة مفادها أن الأشخاص المقدمين على التعذيب معرضون للخضوع للتعليمات كونهم مسلّمون لنظام إيديولوجي يحظى بمكانة اجتماعية ومؤسساتية ، والإنسان بطبيعته ميال للتأقلم غريزياً ضمن المحيط الاجتماعي الذي يعيش فيه، فهدف نظام البعث القمعي هو الحد من المبدعين والمفكرين، واستسلامهم فوراً إثر التعذيب والمهانة التي يتعرضون لها، حيث يشير حليم يوسف إلى نمطين من التعذيب يكملان بعضيهما بعضاً لنتأمل هنا : ص 217 „ ستظل هذه العصا معلقة في الهواء ومستقرة بين مؤخرتك وبين الحائط „ ولفتت نظري الحفرة الصغيرة في الحائط والمتناسبة مع رأس العصا، شعرت بوجع شديد يجتاح مؤخرتي ، لم أكن أستطيع التقدم ولو قليلاً نحو الأمام أو التحرك، لئلا تسقط العصا ، فتكون العواقب وخيمة ، لم أصمد طويلاً ، سقطت العصا بعد دقائق معدودة ، تخيلتها سنيناً ، جاء إلي صاحب العصا مهدداً ، متوعداً ،بأنه سيريني الويلات ، تدخّل أحد زملائه الذي بدا عليه التعب والإنهاك : „ اتركه اليوم ، لم تعد لدي رغبة في الاستمرار ، فلدينا الكثير من الوقت للتسلية به لاحقاً „ كانت الجملة الأخيرة شديدة الوضوح ، وهو أنني سأظل بين أياديهم لسنوات ولديهم الكثير من الوقت لتحطيمي ، فكرت بالانتحار ، ووجدته أيضاً عصياً علي ، أعادوني إلى الحجرة ، كان الألم شديداً في مؤخرتي ، والأفكار متزاحمة في رأسي ، حاولت
" المستحيل لأنام ، فلم أستطع وعندما كففت عن المحاولة ، غرقت في نوم أثقل من الموت
لمس العصا للمؤخرة تعكس دلالتين للتعذيب نفسية وتتمثل بالإحساس بالمهانة والذل الشديدين ، وجسدية تشبه ألم الخازوق العثماني ، وقد أراد حليم يوسف الإشارة إلى أثر التعذيب الجنسي على الفرد ، مجريات التحقيق وتداعياته تنعكس على ذات الشخص المستجوب وتؤثر به لتجعله يتقلب في حساباته، تجعل جوه مشحوباً بالاضطرابات النفسية والتشنجات الكارثية العاصفة في مخيلته، وتدوي صرخات المعذبين والمتوجعين في أعماقه، وهو ينتقل من مكان لآخر، من محقق لآخر، فقد طغى الإرهاب الدولتي على كل إرهاب آخر مضاد، وبات يتصدر مشهد التاريخ بفظاعة ، فلكي تنقذ السلطة نفسها من السقوط ، فإنها تستخدم البطش لأقصى حدوده، تتقاسم صناعة الإرهاب تلك الدول والأحزاب والجماعات الصغيرة ، والجمعيات السرية ، المافيا، العائلة ، كل في حقله ، ، حيث يبدأ الإرهاب من فكرة في الذات سرعان ما تتبلور ، لتصبح مبدأ أو قانوناً، إذ لطالما بدأت المنظومة في تأسيس وجودها انطلاقاً من مساعٍ فردية غير منتظمة لتصبح مع الوقت نظاماً حديث النشأة، إنه الفرار من الموت والتلاشي أو الاختفاء القسري كما جرى للعديد من المعتقلين الذين تم تغييبهم ، وبذلك فإن السيطرة الأمنية التي تفرضها سلطة البعث تعمد إلى بث الخوف وجعله يتحكم بالأفراد، كيلا ينهضوا وإن نهضوا فإنهم سيخرجون من هذا النهوض مكبلي الأقدام بسلاسل غليظة وثقيلة ، حيث نعني بالسلاسل ، تلك العوائق والعثرات التي تجعل من أي حراك مضاد ومناهض مخصياً ، بليداً محكوماً بالفشل وعدم الاستمرار، عبر زرع السلطة لأدواتها وأفكارها ومناهجها، هكذا لا يمكن الصحوة من هالة الغشاوة السميكة التي أحاطت العقل المعتقل وزجته في صدامات نفسية لا تكاد تتوقف، ، فالإرهاب الدولي المفروض على الجماهير ، إرهاب يستمد جذوره التاريخية من عهود حكومات وسلطات قديمة ، حال الأفراد في هذه البلاد السجينة، ينقلها آرام هنا ص 224 : „ كل ما جرى هنا هو إما ان تهرب كالجبناء أو تسجن كالأذلاء، أو تموت ميتة الكلاب أو تبقى في هذه البلاد وتعيش على طريقة الحيوانات، وأنا ياحميدو الحيوان البائس الذي في داخلي بدأ يفقد القدرة على التحمل وبدأ يتوحش ويأكل رأسه ، ما أقسى هذا اليأس يا الله " يمتلك آرام روح الإنسان الشاعر بعظم المسؤولية الملقاة على عاتقه في مساعدة الآخر ، هذه الرهافة جعلت إحساسه ينطوي على حزن ويأس عميقين، إزاء حال لا تتغير بل تتفاقم معع الوقت، وتحت ضغط هذا الإحباط والظلم الذي ترسخ في ماهية التماثيل المنحوتة، كان القرار الأخير ، وهو الانتحار تعبيراً عن الرفض والتجلي بصورة حرة خارج الحياة ، حيث العدم ، ترك آرام لحميدور رسالة صغيرة مفادها ص227“ لا تبك علي ياحميدو، إذا التقيت بسالار ولو بعد سنوات طويلة ، قل له بأنني كنت أود أن أفعل له شيئاً لكنني لم أستطع، فليسامحني وسامحني أنت أيضاً ، نحن نعيش في بلاد لا قوانين عادلة فيها، لذلك فإنني أردت اليوم أن أكون عادلاً مع نفسي على الأقل، لم أعد أتحمل ، هذا كل ما في الأمر ، وادعاً .“ في بلاد لا عدالة فيها ولا قوانين ، يمسي فيها الفرد سجيناً محبطاً يواكب الصدمات الواحدة تلو الأخرى، ولا يجدد في الصمت الطويل عزاء أكيداً ، فيختار طرق باب الموت لضآلة احتمال وجود حياة أفضل، خرج الوحش الذي بداخل آرام بهيئة الموت ، ليتجلى أمام أنظار الأحياء فاتحاً فمه، تتحقق عدالة الفرد اليائس من خلال الانتحار ، وفق تراتبية الأحداث المؤلمة المعاشة هنا، أراد آرام التحرر من روتين المأساة والوقت فانتحر ، أرا د تحدي جبروت الظلم
. والاستبداد بوضع حد لحياته

:الانتحار بوصفه دعوة للحرية *

قصد حليم يوسف المعنى المرموز وراء انتحار آرام وهو الانتفاضة ومواجهة الموت القائم بشراسة ودون توقف ، أراد الوجه المجازي التحريضي المتأت من فعل الانتحار ، حيث أن قرار الانتحار يجيء بعد عدة مرات وأشكال من الموت التي يعايشها الفرد المحبط، حيث الروح يلجها البرد والجليد من كل حدب وصوب ، ومع إحساس الخواء والعبث، يتضاعف الإحساس بوجوب الموت وضرورته، ومع انعدام لحظات السعادة الحقيقية والطويلة، يصبح المرء في حالة من فقدان لأعصابه وتوازنه، ثم تراوده أخيلات هنا وهناك، لم يعد الموت مخيفاً بالنسبة للذين يستعدون لملاقاته، بعد أن وجدوا في وجودهم في الحياة مضيعة للوقت، واقع تزداد فيه المعاناة باطراد، ولاسيما ذلك الموت الذي يستهدف الأفراد والنخب الشابة، تلك التائقة لتلمس التغيير، لكنها تتوج أبداً بإلإخفاقة والفشل، نجد ذلك العزم الأكيد لمناهضة سلوك النظام الاستبدادي الذي أخذ يحاصر المجتمع منذ مراحل مرور الإنسان بالطفولة فالشباب والرجولة من ثم الكهولة، ليؤسس له نظام حياة مبهمة وممتزجة بالعزلة والخوف من التطلع للأمام، على الرغم من أن قرار الانتحار هو قرار أناني، لكنه أتى كنتيجة عن إهمال ممنهج ، لقيه الفرد ووجد في التأقلم عملية معقدة في ظل غياب الأمان والرفاهية ، وذلك الحصار المطبق الذي فرضته السلطة المهيمنة على الناس في مختلف ميادين حياتها وعملها بغض النظر عن ذلك التهور والانفعال الذي قد صاحب الانتحار، إلا أن غياب أسباب التمتع بالحياة كامن في قرار إنهاء الحياة والخروج منها، أي الإستقالة ، حيث تتفاقم معدلات الإنتحار في البيئات المعزولة سياسياً، ويصبح الإحباط عنوان تكل الحياة الأسيرة لقوانين السلطة وتفسخها البنيوي والظاهر والذي يقود النخب المبدعة للهروب والتخلي عن الحياة ، عجزاً ويأساً كون هرم الرعب
المفروض من قبل تلك السلطة مهيمن بضراوة ويصعب مناهضته فرادى
خروج المعلم آلان من السجن ، تبعه مشهد مشي حميدو خلف جنازة المعلم آرام، وتأنيب شديد أحسه حميدو إزاء تماثيل نحتها بيديه وكانت سبباً ووسيلة في إعدام معلمه ، ساءت الأحوال وتصاعدة أعمدة دخان الأحزان في كل الأروقة والشوارع ، تكشف عن وجه بلاد ليس للإنسان فيها كرامة، أو وزن ، نظام البعث قوّض كل حركة وأربك كل فعالية للفرد ، وجعل الحياة تراجيديا صامتة ، أمام هذه التغييرات الجمة التي تعترض حياة الأفراد، تصبح الحياة في حد ذاتها كابوساً متنقلاً بين ساحات الأمل الهش ، فما بين سعادة غائبة وتعاسة متثائبة يقف الألم، ، وتصبح الحياة أمواجاً ثكلى بأحزان البشر في بقاع كل ما فيها فجائع وأحلام منتهكة ، برمجة الفرد على الخوف معناه أن يترسخ لديه الخضوع على نحو آلي ولا ينظر للأعلى، بل يجب أن ينشغل أبداً بلملمة نفسه وبقاياه بصورة نمطية ومتكررة ، حيث تغذية الفرد على الخوف والألم يولد لديه دوماً رغبتين متناقضتين ، إما الانتقام لحد أن ينقلب الضحية لوحش، يعيث الفساد في كل شيء ولا يتوانى عن نهش كل صالح وطالح ، ليكون نموذجاً عن الوحش الحديث الوليد من رحم الاستبداد، والرغبة الأخرى هو الميل للزهدية والعيش في دوامة من الاغتراب والشعور بالظلم لمدى طويل وهنا يختار هذا الفرد مازوشية حمقاء تحيطه وتكوي أعماقه على مراحل ، ، يسهم الخوف في إنشاء الفرد حسب مقاس السلطة ورغباتها في امتصاص الجرأة في ذوات الجماهير ، فاستفادة السلطة البعثية من وجود تابوهين عقيمين وهما الأصولية القومية المرتبطة بأصولية الإسلام السياسي، في ذهن ولاشعور الجماهير ، جعل النظام القمعي سهل الجلوس والبقاء طويلاً ، كون بديله يعني الفوضى والتشرذم والانقسام الطائفي والصراع العرقي لا محال ، هكذا تعبث الأنظمة الشمولية في مستقبل شعوبها ، بعد تشربها لإفلاسها ، مما يجعل الغموض شبحاً يخيم على كافة مناحي الحياة ، والتصدي لهذا الخوف والقمع المتصاعد غير جدير بالوقوغ عنده ، لضمور آليات المواجهة وكساد فكر دعاتها ومنظريها، خيار الانتحار أوضحه حليم يوسف ، وكذلك لحظة خروج آلان معتقله الغامض بغياب اوختفاء سالار تلميذه وعاشق ابنته، ، شخوص محكومون بالخيبات ، بين يد تبني تماثيلاً ، وآخرون يموتون أو يخرجون بالمصادفة من قبورهم ، لا قوانين منصفة وإنما ثمة أشخاص مهيمنين على كل شيء يشبهون الحيوانات في سحناتهم وأصواتهم، وينشرون العنف والفساد في كل الأرجاء، وقد اصطف السلطويون خلف المقدسات عبر التاريخ وقاموا بتحقيرها، بمنهجية قادت الناس إلى المجهول ، جعلت الألسنة تكرر ما تريده السلطة البعثية ، وحدث أن
. تم إخصاء الدين وتطويعه قومياً وحسب رغباب الحكم الفئوي ذي النزعة الطائفية
يتحدث حليم يوسف في باب آخر عن تزييف السلطة البعثية للفن وتشويهها للنحت ، ليقتصر ذلك الفن على نحت القائد، وبقاء تماثيله عثرة بوجه كل شيء جميل ، حيث نقرأ هنا ص233 : „ كان قد بنى حياة كاملة في هذا المرسم بطريقة لم يتصور حميدو بأنها ستستمر من بعده، واستيقظت في روحه قوة خفية تجسدت على شكل وحش هائج، دخل إلى غرفة التماثيل وبدأ يمعن التحديق فيها وكأنها أجسام حية أمامه، يكرهها، يخافها ، انتابه شعور أم تجاه أولادها الذين ولدوا نتيجة اغتصاب مستديم غطى على كل عمرها ، الحب والكره خاضا صراعاً عنيفاً في داخله، الحب تجاه ما أنتجته يداه والكره تجاه رمز الخراب والخوف والأسى، هذا عدا عن تسببه المباشر في دفع معلمه وقدوته في الحياة إلى الانتحار والغياب الأبدي. „ فعلى الرغم من أن الفن يخوض مسلكاً مختلفاً عن السياسة ، إلا أن السلطة تضع يدها عليه بغية تحوير الذائقة والتحكم بالجمهور من خلالها ، لكنه في الآن ذاته يستخدم على الطرف النقيض من أهواء السلطويين ، ليعبر عن الصحوة والامتلاء بحب الحياة والذود عنها قدر المستطاع، حيث يعتبر الفن فرعاً من فروع التفكير ورفع المستوى الجمالي للحياة وفهماً مغايراً للوجود والإنسان، الحرب الجمالية ضد قوى التشويه مجدية ومهمة ، إلا أنها معطوبة منذ البداية ، حينما تحول النحت عن وظيفته إلى تمجيد للطغاة، لقد فهمت سطلة البعث خطورة الفن ، فوضعت رقابة مركزة عليه ، ولاحقت الفنانين واعتقلتهم وشردتهم، كون الفن من أدوات فهم الحياة والدفاع عن الإنسان ، وأمثلة قتل الأنظمة المستبدة للفنانين كثيرة، حيث تم إعدام المعرفي الشاعر الإسباني لوركا في بدايات الحرب الأهلية الاسبانية عام 1936 ، وأيضاً بيكاسو الذي جسد هول الحرب وكانت لوحاته معبرة عن مقاومة المعرفيين للسلطات الترهيبية، حيث يستشعر حميدو الندم الكبير ، حينما سلم فنه لأحضان السلطة ، وكانت التماثيل سبباً غير مباشر لانتحار معلمه آرام ، لم يكن ثمة أدنى تعاقد مبني على احترام الفن ما بين سلطة البعث والفنانين، وإنما هنالك خوف ومحاولة الزج بالفن في الخصومات السياسية والأجندات الحزبوية ، ليتقولب ويتعفن ويصبح نشازاً أو تفاهة ، وقد بدأت صحوة حميدو من خلال كسره لتلك التماثيل التي نحتها بيديه ، وهنا رمز الوحش الذي بداخله إلى الثورة ودك حصون المسترقين المعاصرين والخروج من سبات الخوف القهري، الذي أدى بالنفوس إلى ضياع وانفصال عن الواقع، إذ يدرك الفنان المتسامي بفنه أن ليس من عدو للفن إلا تلك السلطة الشمولية الممتطية لكل جمال وإبداع، والتي أنشئت بدورها نظام العبودية الحديث واكتفت بتهديد دعاة التغيير والمبدعين إما بمحاولات شرائهم واستعبادهم أو من خلال زجهم بالمعتقلات وممارسة فنون
.التعذيب بحقهم وهذا يؤلب الوحش الذي في الدواخل لينقض على العدو الأكبر للأصالة والفنون
يسيطر الخطاب السلطوي المتعالي على ذائقة عموم الجماهير ، ويطغى هذا الخطاب في كافة الأوساط والشرائح ، ليصبح وجه الحياة المعيشة، وقد فرضت السلطات قوانيناً أشبه بكوابيس القضاء على روح المجتمع ونهضة أفكاره، وهذه السلطة عدوة الأخلاق وحامية الفساد ، وصانعة الوحوش في المكامن، لهذا أحسن حليم يوسف في تسمية روايته لأنه يعي جيداً أن السلطة البعثية هي الوجه الواضح للوحش الذي سيدمر كل شيء ، وستفتح الطريق نحو الشروخ والانقسامات الكبيرة داخل المجتمع المحتقن على مراحل ، انحياز حميدو إلى السامي في الفن ، مثّل ذلك الانتفاض والهيجان ضد كل ما يشوه الذات ، ويقتلها جوهراً ، وقد أراد التخلص من العدم وإبداء موقف بطولي ينتصر للأخلاق والواجب ، فحين تبدأ المعاناة في طريقها للنفس فإنها تترفع عن الإيذاء وعن كل مقيت وتتصرف بحكمة المتألم ، لتستقص الجميل في النفس، حيث يرى أرسطو أن المأساة نوع من العلاج الاجتماعي وهو مقدمة للصعود والمضي بخطوات ثابتة نحو الهدف المعلن ، يسمي حليم يوسف الفليان الجماهيري بالتوحش كونه سيسهم بالهبة غير المنتظمة والفوضى الجامحة إثر قمع جامح ومتراكم، حيث يقول ديفيد هيوم : الزمن وحده هو الذي يمنح الاستقرار لحق الحكام ، ومن خلال تكييفه التدريجي لأذهان البشر يصالحهم مع أي سلطة ، بعد أن يجعلها تبدو عادلة ومعقولة " ص82 „الإرهاب المقدس لتيري إيغلتون" إلا أن ديونسيوس يرى أن القوة السياسية مؤسسة على ذاكرة متلاشية والنسيان هو العقار المقوي الذي يسمح للحضارات بأن تعمل بنحو فعال ، كل ذلك يجعلنا نؤمن بأن إرادة الجماهير الواعية والمصحوبة بإرادات الأفراد المبدعين والنشاطين يسهم في تلاشي الفجائع مع الزمن ويفتح الطريق للأجيال المستنيرة أن تبدل المآسي والفظائع مع الوقت، وما الحرية سوى وحش أخرجته السلطة القامعة من نفوس معتقليها وجماهيرها الغاضية ، حيث تنطوي النفس الغاضبة على حرية وحشية تقتحم المسكوت عنه وتنفث من أحشاءها نيراناً حمراء تحرق كل شيء ، هذا ما ينبه إليه حليم يوسف في معرض هذا الجنون السلطوي في اقتلاع كل شيء في طريقه ، فيقول هيجل في كتاب "فنومينولوجيا الروح" إن غياب الاختلاف مرتبط مع قوة الموت المدمرة ، أو بما يدعوه إرهاب الموت " وهكذا يرسم حليم يوسف مع موت آرام وخروج المعلم آلان وبقاء سالار في السجن بداية مرحلة جديدة تعج بالانتفاضة والصخب ، حيث تتحرك الوحوش من مخابئها وتنهض رويداً رويداً ، الوحش الذي بالداخل يرمز إلى الهدم كما إلى الخلق ، ويمكن أن نصفها بالثورة والتي تحتمل أيضاً المعنى الإيجابي والسلبي ، ويحصد المجتمع ريع انتفاضته، ولا ضمانة من انتقال السلطة من حال لآخر إلا من خلال تحكم المعرفيات والمعرفيين بمفاصل الانتفاضة وإدراتها بما يخدم الأفكار الجديدة وتطويرها بالتزامن مع نبرة الرصاص أي الانتفاضة المسلحة، لنتأمل هنا ص 239 : „ تبَّلد الإحساس بكل شيء وخاصة الزمن ، لم يعد هناك معنى لليل أو للنهار، لهذا الرقم من السنوات أو لتلك ، فكلها سواء ولطالما أنها تمضي متشابهة رتيبة، لا لون لها ولا طعم، لاشيء يمكن التخطيط له بين تلك الجدران، ولاشيء يمكنه أن يجلب الفرح طالما أن البقاء هناك بات قدراً، لذلك فقد مرت تسع سنوات، عشر، إحدى
" . عشر ، لا أعلم
يتميز الحديث عن تجربة السجن بكونه حديث شفاف ومرهف ينمّ عن قدر هائل من المشاعر النفسية المختلطة، وتصوير الأدب لها يمثل في دلالته معلماً حياً على مواكبة الكاتب للحدث مهما بلغت حساسيته فالتعبير عن محنة السجين مثّل غوصاً إيجابياً في حياة الإنسان المقهور وتصوراته المليئة بالمغازي والكثير من العبر ، لهذا وجب على المتتبع لحالة المعتقل أن يكون مرهفاً بما فيه الكفاية ومواكباً للتجربة بكل حيثياتها الداخلية النفسية ، حيث عالم السجن المترامي بشحوبه انتقل إلى الورق ليتجسد كوجدان معطوب ومتألم حتى النخاع ، يسلط حليم يوسف الضوء على سعي الجهاز الأمني المشرف على تعذيب المعتقلين إلى تحويلهم لوحوش، يمكن استخدامهم فيما بعد وإطلاقهم ليمارسوا تشددهم الديني وليكونوا من كبار اللاعبين على الساحة المنتفضة على نظام الحكم، تجسيد الممارسات إشارة إلى الغريزة السلطوية المباعدة بين الإنسان وإنسانيته، والمفسحة المجال للتوحش أن يتقمص داخل المرء ويستحوذ عليه ، إن خروج هذا الوحش من الداخل مطلب النظام البعثي المستميت في البقاء حاكماً مطلقاً على جغرافية وطن مصطنع نشأ وليد اتفاقية استعمارية بين الإنكليز والفرنسيين ، فما ترسخ واقعاً إثر ذلك قاد إلى إيجاد تركيبة نظام سلطوي اتخذ البطش بلا حدود كوسيلة للبقاء والديمومة، فأمام ذلك الحيز الزمني الطويل والرتيب للمعتقل ، فإنه يستحضر الكثير من الأحداث المتعلقة بماضية بدقة لا متناهية إلى جانب محاولته لتخيل ما سيكون مستقبلاً ، حيث اعتمد نظام البعث على الاعتقال والمجازر في البقاء لغاية ذلك الانفجاز الحتمي، والذي انبثق عنه خراب آخر لا يقل إجراماً ووحشسة عنه ، أراد حليم يوسف التمعن فيه ليؤكد على فكرة رئيسة مفادها سعي النظام الأمني من خلال وحشيته على إخراج الوحش داخل معتقليه ومعارضيه ثم إطلاقهم ليمارسوا ذلك التوحش لاحقاً، الألم المدوي في أعماق الذات تحت رحمة الوقت الذي يمضي ببطء، زمن يتميز بفظاظته وصعوبة مروره كأنه وزن زائد، فالأفكار الناتجة عن فهم الحدث ومواكبته ، تتميز بواقعيتها وقربها من النفس ، تستحوذ على الذهن بيسر وتشكل القاعدة الأساس لتبني فكرة أو رأي معين ، حيث يقول الكاتب السوري مصطفى خليفة، في روايته القوقعة : „ أتذكر قولاً لأحد أساتذتي المرموقين : إن لحدث مهما كان صغيراً ، فإن المخرج الجيد يستطيع أن
" يصنع منه فيلماً جيداً ، الحدث هو الهيكل العظمي وعلى المخرج إكساؤه باللحم والثياب
فهم الحدث لا يقدم فناً فحسب وإنما يساعد على فهم سلوكيات النفس البشرية ويعمد لاكتشاف التفاصيل المتعلقة بصناعة الخوف والنظام السلطوي الذي فهم تاريخياً أن السبيل لبقاءه هو الإمعان أكثر في البطش والإيذاء، ذلك ينقلنا للتاريخ الذي يعكس جملة من الحوادث المتعلقة بطبيعة الصراع الذي يواجه السلطة الاستبدادية كل حقبة، وأدوار الفرد
. في خضم الاضطرابات الناشئة عن ذلك الاحتكاك والتصادم المؤلم

:سلطة البعث وحربها ضد الإنسان *
إنها تنتقم إن ناهضتها فئة أو جماعة أو فرد، وتجيد اقتناص الإنسان المناهض في الصميم ولا تدخر جهداً في أن تخلق منه فتات لحم متطاير إثر سياط ملتهبة تدع خطوطها على الجسد عميقاً ، لتموت العملية السياسية لصالح تشعب الخوف وتغوله، أجادت الرواية التعبير عن مخرجات الوجدان الإنساني الواقف أمام التعذيب والتغييب، تود السلطة إيجاد الفرد المنطوي ، العصبي النرجسي الغارق في عيشه مع نفسه ومعاناته داخل المعتقل، تريد فرداً يائساً محبطاً بعيداً عن السياسة وقد نجحت سلطة الأسد الأب والإبن في خلق هذا الأنموذج بالتقادم والتدرج، فها هو سالار يلتحق بركب آلان في المكوث معتقلاً ، ليقضي حقبة الموت الذي يتخلله الوجع والانتهاك للوجدان والكرامة ، وقد استطاعت سلطة البعث السوري كما العراقي الامتطاء على البشر على اختلاف انتماءاتهم ومشاربهم ، ونجحت في تفتيت المجتمع وتأليب بعضه على بعض ، فكان ما يسملا بالوطن معتقلاً كبيراً يتزاحمه الخوف إلا أن غاص في مستنقع الفوضى اللامنتهية والذي عرف بالربيع الدموي ، التوحش الذي تعتني به السلطة الفئوية داخل معتقلاتها ظاهرة ليست بجديدة تاريخياً ، لكن يتم تطويرها مع الزمن عبر ابتداع أساليب التعذيب لحصد ردة الفعل ضمن إطار ممنهج يخدم السلطة نفسها لمواجهة خصومها الألداء، حيث إطلاق سراح الإسلاميين من السجون والمعتقلات ، أجهز على تلك الهبة الشعبية من بداياتها ، عبر شعار الله أكبر وانطلاقة الجموع المنتفضة من المساجد في كل جمعة ، لم يكن ذلك مصادفة وإنما خطة تم الإعداد لها بغية وأد الحراك وإخصاءه، أشار لها حليم يوسف في روايته لنتأمل هنا ص 243 : „ اشتعلت الحروب الصغيرة في كل زاوية من زوايا البلاد، وكشرت الوحوش عن أنيابها وتسابقت على نهش أجساد من تبقى من البشر ، وأبدعت الوحوش في أساليب تعذيب خصومها وقتلهم بطرق مبتكرة ، وعلقت الرؤوس البشرية على عواميد أسيجة المدن وغطت مناظر الصلب والذبح وسلخ الجلد على المشهد، بدأ بعضهم يتحدث عن بطولات أجدادهم الذين كانوا يطبخون رؤوس أعدائهم ويأكلونها ، فأكلوا هم
" أيضاً أكباد البشر وقلوبهم أمام عدسات الكاميرا
فالهتاف العكسري الذي كنا نردده في معسكرات الصاعقة يثير الانتباه ويتعلق بتمجيد الرئيس على وجه الخصوص لنتأمل هذا الهتاف الهستيري : نار نار نار ’’’كلنا ثوار - نفدي الوطن "““ نفدي العلم "“ نفدي الفريق بشار- سوري سوري سوري
„ "“الجيش العربي السوري "“ أسود وحوش "““ بشار بشار بعث
في هذا الهتاف نجد أن بناء الإنسان يعتمد على التوحش ، واتخاذ الوطن وثن ، وكذلك اعتبار الوطن وشخص القائد على ذات المرتبة ، والتي يجدر على الجنود أن يفتدوه بأرواحهم، وكذلك فإن هوية الجيش عربية صرفة، وتابعة تماماً لحزب البعث العائد لشخص واحد يحتكر الدولة والمجتمع، وكل شيء، فعلى الجندي أن يتوحش وأن يكون أسداً ولاشئ خارج هذا الشعار يعنيه، تربية الجند على أن يكونوا وحوشاً هو جزء متمم من التوحش الممنهج الذي يستخدم بوصفه وسيلة لتعطيل القيم وترسيخ سلطة البعث المتمثلة بسلطة القائد الرمز، وبقاءه في الحكم ، أمثلة العنف تم استجلابها من الكتب المقدسة التي تصف الحوادث المتعلقة بمراحل نشوء الدين وترسيخه سياسياً، والظروف التي دعت لتبلور ذلك حياتياً ، حيث عقل الفرد معبأ بمواد الانفجار على الصعيد الأسري والتعليمي، وكذلك عبر اختلاطه بالآخرين ، من الطبيعي أن تنتهز السلطة السياسية ذلك وتستعمل العنف عبر إدخاله في المنهاج التربوي التعليمي الذي تلقفه الطلبة منذ ذهابهم للمدرسة وانخراطهم في التربية والتعليم ، لقد حمى النظام البعثي نفسه حيث أخرج الإسلاميين من المعتقلات ليتم بواسطتهم تدمير الثورة وإزاحة ذوي الكفاءات القادرين على تحريك الشارع والرأي العام ، واستفاد بشكل أو بآخر من صعود الإسلام السياسي في تركيا والذي سخر هذا الأخير الإسلاميين لبلوغ غاياته في الدخول للملف السوري واستخدام الجماعات الإسلامية كوسيلة للهيمنة وكذلك فعلت إيران عبر تجنيدها للجماعات الشيعية وهكذا بدا التوحش عباءة إسلامية طائفية مشبعة بأسباب الحقد والكراهية فبسم إسقاط النظام جرى إسقاط الشعوب وقصف منازلها وقطع رؤوس الناس تحت مسميات وذرائع عديدة ، لهذا باتت الأصولية الإسلامية بمثابة الوحش المعاضر الذي يبقي على الاستبداد لأمد أطول ، لقد تم تغذيته بأصول القتل التاريخية ، وتطعيمه بالكثير من الأساليب الحديثة للإرهاب، لأن ذلك يسهم في الإبقاء على الهيمنة الأحادية على العالم ، وكذلك التدخل بمصائر الدول من خلال يافطة مكافحة الإرهاب الإسلامي ، حيث يتعارض الإرهاب مع الأخلاق والقانون ، يتعارض مع الحرية والديمقراطية وينتصر للفساد لكونه من مفرزات التفتيت الروحي للمجتمع، فالمفردات النابية والقاسية المحاصرة للمعتقل السياسي، تتعارض مع القيم والوجدان الإنساني وتخلق مآس فردية تظل آثارها زمناً داخل الإنسان ، هذا التدمير المعنوي لابد وأن يقود عبر مراحل لفقدان الحرية والكرامة ، فقد تم الإطاحة بالله تحت بند نشر شريعة الإسلام بالقوة ، وتم الإطاحة بالقانون عبر الدعوة لإسقاط النظام السياسي، إذ لا تتلخص الثورة بردة الفعل إزاء ممارسات سلطة معنية ، وإنما هي مجموع إرادات وأفكار تسعى للولوج داخل المجتمع المقموع لتكون نواة للتغيير وليس مجرد تصفيات حساب سلطوية بين طرف يسعى للهيمنة على السلطة وهدفة إسقاطها، واستبدالها بسلطة لا تختلف عنها، إن تلخيص الثورة بتبديل هرم السلطة بآخر هو تحوير فظيع للحقيقة الاجتماعية ومحاولة خبيثة للقفز على أحلام الناس في العدالة الاجتماعية والتحول الديمقراطي ، هذه الإستماتة في الوصول للسلطة دون التغيير في بنيتها ، جعل الفساد الاجتماعي ينمو ويزداد بإطراد على حساب مكافحة النخبة الواعية الباحثة عن سبيل للتغيير الجوهري وإيجاد مشاريع تنموية قادرة على تبديل الواقع القائم بخلق واقع أفضل، بيد أن الخراب الذي عمّ في كل
. مكان والتراجع الاقتصادي ودمار البنية التحتية حال دون بلوغ الهدف المبتغى
التبحر في الحديث عن ما يدور في أروقة المعتقلات يمثل نقطة الركون في متاهة الوجدان الفني ومدى ارتباط الفن بالمأساة ، بخاصة أنها تعمد عن الكشف عن مصادر القلق لدى المرء من المجهول ، والغد الذي يوقظ في المرء شهوة التساؤل ، حيث تجربة السجن توقظ لدى سالار الرغبة في الصراخ والتعانق مع الحرية من خلال ذلك الخروج المتوثب من الزنزانة للحياة حيث الناس والشوارع الواسعة وصوت الأزقة وما يعتلي ذلك من ضجيج وحياة تبعث على التدبر والخلو إلى النفس واستحضار صور ومشاهد تختزل الماضي بدقائق ، الماضي الذي لا ينفك عن حياة المرء ، بخاصة الحالمين ، ممن يتدفقون أحاسيساً ومعاناة ، ويلتزمون بمبدأ الذود عن أنفسهم مقابل هذه القتامة التي تترصد حياتهم بكامل لحظاتها، حيث يقدم الفن تلك العلائق اليسيرة بين الأحداث المعتمة والقيمة التي تتوارى وراءها وهي تتعلق تماماً بالإرادة ومعنى الغوص في الآلام لصناعة الجمال ، لعل الاعتقال كحدث روائي يستدعي الإنفجار الإبداعي ، الناجم عن معاناة تحيط تواريخ الألم وتقدم تفاصيل تبحر المدرك للكون في عتمة الإنزواء في سجون القهر، فمع بروز القهر السلطوي تستمد الرواية الإنسانية قوتها حسب درجة إدراك الفرد لهول البؤس ومساعيه لدفعها بالقوة ذاته ولكن على نحو مغاير ومتحد بالفن وجمالياته، فهذا الصراع العقيم بين قوى السلطة القائمة والمناهضة ، جعل المجتمع في حالة من استنفار وتأهب ذهنية ، وقاده لميادين الاحتقان ليكون الضحية أبداً، وهذا ما عمق ذائقة الأديب وجعلها هاوية لرصد الفجائع والإلمام بها وتداعياتها، إذ يعتمد المبدع على الذاكرة وكذلك التماهي بالتجارب المعيشة والمفصحة عن تجربة المجتمع في ظل تقهقر النظام الاستبدادي وإرهاصاته، حيث يقدم الاعتقال تجربة مهمة للمعتقل ، وتجعله يمعن في الحياة من زاويتها الحادة المتعلقة بالألم، ويفصح عن استماتة السلطة الشمولية في قتل الإنسان وتدميره بشمولية دون رحمة إمعاناً في تدمير الحياة دون هوادة ، وكذلك طمس معالم الصفح والنظر للاعتقال السياسي بكونه أحد المعرقلات الكبيرة الحائلة أمام نهضة المجتمع ومساره نحو الديمقراطية ، إذ يتحول كل شيء لغبار ودخان متصاعد إزاء اختناق الكون وحصار النفس الحالمة ، وتخريب الملكات ، حيث يقول نيتشه: "نحن لا نتحرّر إلا من خلال التذكّر"، ما يضاعف من دلالات التذكّـر داخل السجن الذي تتعطل فيه الحياة. وهكذا يمكن فهم الرواية من زاوية التذكر وفهم المغزى من النهوض بأزمات الإنسان ، والبحث عن حلول وبدائل زاجرة لهذا العنف والتوحش ، حيث يقول ميلان كونديرا: "إن صراع الإنسان في الحياة هو صراع الذاكرة ضد النسيان". وهنا لا بد من فهم سلوك المبدع للتدوين على أنه تحدي للواقع المرير ورغبة منه في إيجاد حلول لهذا الواقع المضني ، حيث يمثل المعتقلون على اختلاف اتجاهاتهم طبيعة ذلك العقد المنفرط بين الدولة والمجتمع،
. وبقاءهم في الزنازين هو بمثابة خضوع المجتمع بكامله
يتدرج حليم يوسف في الصفحات الأخيرة من روايته في الحديث عن مآلات الأحداث في غربي كوردستان ، بنشوء قوات الحماية الشعبية التي أخذت تسيطر على الوضع هناك، وتنشأ نظاماً وبنية تنظيمية ثابتة أخذت زمام الصعود رويداً رويداً ، فحميدو هنا يستشرف عبر منحوتاته ظهور وحوش متعددة الوجوه ، مختلفة الأحجام ، ستسود الحياة عند نشوب حرب ضروس تدمر كل شيء ، أما عن سليمو فقد انصرف هو الآخر نحو الإعتكاف وقراءة القرآن ، وباتت هيئته غير مألوفة ، فهنا نتأمل ص 258 : „ كدت أموت من الضحك عندما كنت أقارن بين سليمو الغارق في دخان كثيف على الدوام في المرسم آنذاك وبين سليمو الإمام الذي يعتلي المنبر ويحض المصلين على الجهاد " ونجد هنا في الصفحة التالية ، يستكمل حليم يوسف دلالة تصرفات سليمو وتطوارتها ص299 :“ كان سليمو يقود في تلك المنطقة تنظيماً ملتحياً يتسابق الجهاديون من كل أصقاع العالم على الإلتحاق به وقطع مئات الآلاف من الكيلومترات لخوض تجربة الذبح وسلخ الجلود البشرية وقطع الرؤوس ، كثيرون منهم أصابهم الجنون وهم في طريقهم إلى أرض المعركة ، وقد تضخمت أجسادهم وتحولوا إلى وحوش مهيأة للانقضاض على كل من يقف في طريقهم " فهنا يتحدث الكاتب عن التوحش المتبادل ، حيث القتل والموت والدفاع عن البقاء ، وهو في دلالته الحية والبعيدة توحش متبادل وصراع محتدم ، حيث القوة تستوجب ذات القوة في ردعها ولجمها ، وهكذا يسود العنف العالم الداخلي للمجتمع وتواكبه الرواية التي تستشف حياة بمنتهى الضجيج والقسوة ، إذ يهتم الكاتب بالمجمل بحياة الشخوص ومآلاتهم ، لكنه يحتفي أكثر ببطل الرواية من الناحية الوجدانية وينحاز لها ، إذ يواكب ذلك الحدث الوجداني المتعلق بعلاقة الرجل والمرأة ، وتلك الظروف القاسية المحبطة لعلاقتهما مع مرور الزمن ، يعود بنا إلى علاقة الحب بين سالار ومريم ، وكذلك سعي سالار للبحث عن أخبار حبيبته المتزوجة والمهاجرة إلى ألمانيا، نلحظ تتبع الكاتب لظاهر وباطن تلك العلاقة بما تحمل من أحزان وخيبات نفسية، لعل استقصاء اللغة الدرامية هنا بالأمر الماتع والمليء بالأسرار الفنية والتي لا تنوء الرواية عن حمل مقاليدها ، هذه اللغة الموغلة في قلب المغترب عن عالمه وكونه ومجتمعه ، وهذا العبء الجغرافي الذي يحمله الإنسان الكوردستاني جزء من أزمة سلطوية متفاقمة ، في عموم الشرق الأوسط الرازح تحت هيمنة السلطات القوموية والمذهبية، وقد تقصَّد حليم يوسف إيجاد حب في المقبرة ، حب يموت في بدءه ويتعفن في نهايته، ليغدو مصدراً للمشاعر المتناقضة والتي يسودها نقيض من الشوق والألم والغضب لنتأمل هنا أيضاً ص262 :“ فتحت الصندوق ، بدت الأوراق قديمة ، مصفرة مهلهلة كروحي ، لفتت نظري ورقة صغيرة كانت لا تزال تحتفظ بنضارتها ، كانت مريم قد خطت عليها جملة وحيدة يتيمة :“أحببتك كما لم تحب امرأة رجلاً من قبل „ تحركت في صدري مشاعر مختلطة ، هي مزيج من الغضب والحزن والخيبة والفرح ، سررت بهذا الإعتراف الصريح وأحزنني الشك بمدى صدقها في هذا القول ، قفز إلى مخيلتي هذا السؤال : إذا كان الأمر كذلك فلماذا لم تنتظر
" عودتي ؟
يبقى الحب حاضراً وشريكاً في لعبة البناء والهدم، فالرواية الواقعية لا تنفك عن الرومانسية ، والذاتية لا تستطيع لجم ذاتها حينما يكون التعبير عن الوجدان عارماً، وبطريقة ذكية يتم الولوج لعالم الأفكار والتزواج ما بين الحسي والمعنوي، لتركيب العالم بفنية ، تمزج ما بين الواقع والخيال، لتحقيق قدر بالغ من التأثير على القارئ، ليكتشف الحياة في قالب فني ، ذلك الاقتران الماتع ما بين اللغة الوجدانية والفكرية للكاتب ، يسهل الطريق للمتتبع والمنقب للإحاطة بجوانب الرواية ويدفعه للتساؤل ، فكل التحولات التي يعيشها سالار بعد خروجه من السجن باتت تنصب ضمن دائرة تحوش الناس واغترابهم عن حقيقتهم الاجتماعية شيئاً فشيئاً ، لقد أراد الكاتب نهاية تراجيدية لروايته شبيهة بأحداث ما بعد 2011 وما تلتها من قصص مفجعة إذ تغير شكل الناس وتغيرت نظرتهم للواقع ، اختلفت الحياة واختلطت عبرات الناس وتقاسيم وجوههم بشحوب الحدث ، ودائرة الاغتراب النفسي اتسعت وتشعبت ، وتضاءلت بالمقابل من ذلك فرص العثور على السعادة
. والطمأنينة

























(-قراءة في النسخة الكوردية لرواية الوحش الذي بداخلي الصادرة عن دار -بيوند)

تـأملنا للنسخة الكوردية سيدفعنا لاكتشاف أساليب عرض الفكرة وكذلك التنقيب في حيثيات الفوارق بين النسختين العربية والكوردية ، وفهم البناء الفني تبعاً لتبدل اللغة ، كوننا هنا نمعن في فهم الإسلوب وطرائق تكوين المناخ الروائي وخلق الإنسجام في النص وبلوغه مستويات متباينة من التأثير والإمتاع ، نلحظ أنه بدأ سبر الميثولوجيا لفهم جذور الوحش الضاربة في القدم ، وكذلك سعي الجنرال العسكري في تدجين الوحش والعناية به من خلال القسوة الممنهجة ، ليتم إطلاقه بعد استيفاء مراحل التعليم ، حيث الولاء للبطش والقوة ، منطق تحويل المجتمع إلى كتل من رماد تذورها
: الرياح ، حيث اتخذ الوحش مراميزاً عدة
الوحش بكونه نظام سلطوي تاريخي يتم تحديثه باستمرار ليلبي حاجة الفئة الحاكمة في البقاء متمتعة بالنفوذ والثراء *
الفاحش والهيبة العسكرية
الوحش الساعي لتجهيل المجتمع وملاحقة المعرفيين ، أصحاب الملكات ودعاة التغيير ، إما عبر اعتقالهم، أو تصفيتهم*
.أو إبعادهم
الوحش لما له من جذور ميثولوجية ودينية تتصل بالمقدس الذي يؤمن به الناس على اختلاف شرائحهم وفئاتهم*
الوحش المتجسد في خليط العادات والتقاليد الاجتماعية المدينة لولي النعمة والداعية إلى الإمتثال له ، كون الخضوع*
.للرئيس من الخضوع لله
الوحش هو المرابط الوحيد على جبهات التصدي للدمقرطة الجوهرية والكابوس الجاثم في المؤسسات والدوائر الرقابية *
وكذلك تجسد في سعي النظام البعثي للتفنن في تعذيب خصومه على اختلاف اتجاهاتهم اليمينية أو اليسارية أو العمل على ضرب تلك الأوتار بعضها ببعض محدثة ذلك النشاز العظيم والجلي في أحداث ما بعد 2012 عبر عسكرة الانتفاضة الشعبية وإطلاق العنان للجماعات الأصولية في الفتك بالمجتمع، وهكذا استكملت الأنظمة الإقليمية الشبيهة بالبعث
. فصول هذا التآمر على الشعب في اغتيال جنين الديمقراطية الكامن في رحم المجتمع


التركيبة المتمردة لسالار بطل الرواية
نظراً لمرحلة الطفولة ، نجد حليم يوسف قد أسبغ على الشخصية بعداً رفيعاً عبر جعل ولادة سالار مصدراً لبروز نقيض السلطة الاستبدادية، وكأنه أراد عبر تجسيد ولادة الأم المتعسرة أن يقرأ طالع البطل البعيد، وما الذي سيؤول إليه حاله مع مرور الوقت، ينبس بكلمات تفوق عمره، وتزرع الهلع في قلب والدته التي تحاول مراراً زجره، لتحول دون أن يستمر في طرح أسئلة تثير الدهشة والخوف ، صوت الآذان وحشرجات الألم المنبعثة ساعة الولادة، إشارة إلى حياة لا تخلو من الصعوبات
: والحوادث الجسيمة، نتأمل أسئلته هنا ص14
هل القائد يتبول مثلي أمي ؟-
ترى هل الله أكبر أم الرئيس ؟-
أمي هل سيموت الرئيس ؟ ، متى يموت ؟-

تمر الأيام وتبقى الأسئلة جافلة في مكانها والدهشة تعقد دبكاتها على الشفاه دون طائل ، فالبطل بالنسبة للكاتب هو الوسيلة الرئيسة لبث الفكرة في السرد كما ضخ القلب للدم عبر الشرايين والأوردة لكافة أنحاء الجسم ، يستعين الكاتب بلا شك بذكريات الطفولة في مناخ ريفي شجي يعكس البساطة والفطرة الطبيعية، مشهد جلوس طوال القامة من التلاميذ في المقاعد الخلفية، وتأثر سالار بقراءة المعلم آلان للقرآن، كلها مشاهد تحفل بها الذاكرة في الواقع، تختزلها ذاكرة الكاتب بما تحمل من عوالم بريئة وبسيطة تبعث على التدبر والتأمل في الحياة ، حيث أوجد حليم يوسف تلك الصلة الروحية بين سالار ومعلمه آلان ، فهما من جيلين مختلفين يعانيان واقعاً متشابهاً وممتداً ولاسيما أن لهما القدر ذاته وهو الاعتقال والسجن، الاعتقال ينقص الأعمار ويجعل من عقارب الساعة تضطرب داخل أروقة السجن ، دعوى التغيير تحيط الذهن على الرغم من عظم التوحش وتغوله , تحكمه بكافة مفاصل الحياة، ففي ظل طغيان الاستبداد لا يجد آلان من بد سوى أن يعيش بمنطق من يساير ويجازف في آن ، لعل أملاً يلوح في الأفق ، أمام ضغط الحياة المعيشة ، يتضاءل صوت العقل بتصاعد صوت الوجدان ، وتسير الرواية على خطوط التماس ما بين العاطفة الهائجة والواقعية الموضوعية ، ، حيث أمام تعطل الحل وانغماس الإنسان في البحث عن لقمة العيش ، نرى الجماعات لا تفكر وإنما تسعى لتأمين الحد اليسير من الحياة المثلى ، حين يصبح حجم شخص يدير البلد بحجم الوطن أو يزيد، يختنق الإنسان وذلك الوطن ،هذا الولاء المضطرب شكّل حلقة قيد حول عنق ويد ورجل المواطن، في بلاد غارقة في مستنقع الاستبداد والفساد والطائفية المغلفة بخطاب قومي شوفيني متكلس، تقوم بتربية الأفراد على أن يكونوا عبارة عن مخبرين وجواسيس أو أذناب للسلطة أو
. لمجموعة مضطربين ومغتربين عن واقعهم، يتربص بهم الاكتئاب والحنق إلى مالا نهاية

حيث يتضح لنا أن أهداف الاعتقال السياسي هو لأجل لجم العقل عن التفكير ، ذلك سيتيح للسلطة الفئوية البقاء أطول أمد في الحكم ، محولة المجتمع إلى قسمين مؤيد ومعارض لها، وكلاهما وقود تدفأ بهما السلطة نفسها وقت الحاجة، فالديكتاتورية تنشأ مجتمعاً على شاكلتها ليكون مضاداً للفئة المقابلة منها، إن من أكثر الأخطار صعوبة في ردعها هو أن يتحول الإستبداد لعقيدة مجتمعية، فباسم حماية الوطن من المؤامرات الخارجية يصطف المجتمع المؤيد بقوة وراء خطاب السلطة الشمولية، ضد الفئة المناهضة والرازحة تحت خيمة الهجرة والنزوح ، هذا التفتيت من شأنه أن يقوض أي جهود فردية لمناهضة النظام السياسي، حيث يعتبر الصراع الإجتماعي بين الفئات والشرائح لأجل مصالحها وبقاءها من الأسباب غير المباشرة لتغول السلطة واستمرارها في الإقصاء وحربها ضد الديمقراطية، حيث نفهم ذلك النهج السياسي بكونه استماتة في احتكار الاقتصاد وتمجيد الفساد كمعبود تاريخي ،ولا ريب أن الديكتاتورية تبرر لنفسها البقاء على ما هي عليه من خلال عدة مسميات وعقائد برّاقة، حالها كحال الشجرة الخضراء غير المثمرة (ديكتاتورية البروليتاريا)
.( البعث الاشتراكي )
القمع الإيديولوجي ثوب برّاق كثوب الراقصات ، وهو ما تستسيغه السلطة البعثية في دغدغة الجماهير وتنويمها ولاشك أن البعث خلّف جراء تحذو حذوها وتعمل على تفخيخ الجماهير من خلال الشعارات و تمتهن اللعب على الحبال أكثر من القردة نفسها، حيث يصور الكاتب أشياء خبرها الأطفال في المدارس الإبتدائية إبان حقبة حافظ الأسد، والمسيرات الإجبارية وكذلك حالة خوف الأهل من ألسنة أطفالهم ، حيث أن ذلك مدعاة هم وقلق كبيرين، يتم ترسيخ التجهيل لإيجاد الشخصية التلقينية ، والممارسة ضدها ذلك التلاعب الإيديولوجي بالواقع، وتحوير الذهن وغسله ، فالذين يهرعون جموعاً لحمل صور القائد وفق تعبير حليم يوسف هنا :ص20 „ الشوارع والميادين، الأزقة وأروقة المدينة باتت مكتظة بالناس في ذكرى ميلاد الحزب السلطوي، اصطفت جموع الناس الآتية من كافة جهات الشارع بشكل مختلط، عند منتصف كل شارع أخذت جموع تلاميذ المرحلة الإبتدائية تتجمع مرتدية صدرياتها الخاكية، وكذلك جموع طلبة الإعدادية ببدلاتهم العسكرية الخضراء والرمادية، مصطفين على نحو فوضوي، حيث هرع كل تلميذ وطالب بحمل صورة الرئيس
" التي يمد فيها ذراعه باتجاه الأعلى ،حيث ضيعت الصور ملامح الجميع
نلحظ بروز النمطية الساعية لاستبدال الولاء للوطن بالولاء للقائد، وكذلك حالة الجنون الجماعية والإلزامية من تلك السلطة لدفع الجماهير قسراً للإمتثال اطقوس الحزب السلطوي، والطرف النقيض والمناهض للحزب الحاكم قد لا يختلف معه كلياً من حيث الإطار الإيديولوجي العام، وإنما يختلف معه في أنه ليس طرفاً أو شريكاً في إدارة الدولة، فالبعثيون الصداميون تعرضوا للإعتقال والاضطهاد السياسي من البعثيين الأسديين والعكس، على الرغم من اشتراك كلا الجناحين بذات النظرة السلطوية المتعالية إلا أن مصالحهما ورؤيتهما بالتالي للحل تتصادم بعنف، وينتج عن هذا صراع طائفي بلبوس قومي، وهذا ينطبق على كافة الأحزاب المنخرطة في السلطة وأخرى في المعارضة ، تجمعهما ذات المبادئ وذات
. العقلية وتفرقهما المصالح والمكاسب السياسية سواء كانت توجهاتها عرقية أو مذهبية
يشير الكاتب إلى نقطة عداء سلطة البعث مع الفن ، كون الفن غطاء تمويهي عن كم الأفكار المناهضة لسياسة الحكم ، وظيفته التأثير على الجماهير على عكس أفعال السلطة الهادفة لتلويث ذائقة المجتمع عبر الترويج لما يمجِّد القائد الأوحد، والهدف من إبراز شتائم المحقق والمعذب والسجان وتلك الجوقة ، مثال على نشر التشويه والانحلال الأخلاقي ومعاداة القيم المشتركة للمجتمع وارتباطه النفسي بعضه ببعض، في ظل بيئة تحوي خليطاً منسجماً من العادات والتقاليد والنظرة للماضي والمستقبل،مشهد ضرب المحقق لوالد سالار، جعله غاضباً ومختنقاً حزناً ، حيث أخذ دموعه تعبِّر عن حجم التأسف وتأنيب الضمير، أن يُضرب الأب أمام الإبن ، أمرٌ مؤثر ويبعث على الألم والغيظ في آن ، ثنائية السادية والمازوشية متلازمة السلطة البعثية والمجتمع البائس، إشكالية تطرحها الرواية على قدر عالٍ من الإحساس بالحدث وفعاليته الوجدانية على ذهن القارئ، حيث لا قانون ولا مبدأ لتلك السلطة الباطشة بكل ما هبّ ودب، هدفها الجلي هو حماية النظام العسكرياتي وصون الحكم الطائفي العائلي من كل تحدٍ، حيث لا قيمة للفردية في ظل النظام الشمولي ، ولا قيمة للحياة إلا ضمن نسيج عالم الحزب وفلكه، وهو ما يمكن تعميمه بالتآمر على العقل المعرفي ، وجعله عقلاً هشاً تالفاً فاقداً للإحساس بالمحيط والعالم الخارجي، محكوماً بالعزلة والولوج للموت، فالعنف الثوري سرعان ما يتحول لعنف سلطوي، ويصبح وسيلة تدمير للمجتمع، وتقويض لمدركات ومواهب الفرد في سعيه لحياة أفضل، ونظام يحرص على تحقيق الرفاهية والنهوض بالمجتمع وتنمية موارده، فما دام ثمة أناس يموتون من أجل الفرد المبجل ، فذلك يعني بقاء الإرهاب الدولي كنظام قمعي حقيقة ماثلة، فالإرهاب مرتبط بأولئك الذين جعلوا من أنفسهم قرابيناً للفرد، وجعلوا من أجسادهم ترساً لحماية النظام الذكوري البطرياركي، وقد حقق هذا النظام أهدافه الباطنية،بخلق مجتمع سلطوي منقسم على نفسه ويعاني من انفصام مبرر بأفكار تنشد للمثالية المجردة عن الواقع، فأحلام الدعوة للوحدة العربية جعلت المجتمعات تعتقد لأمد أن البعث هو الأساس للنهوض بالمجتمع العربي ، كما اعتقد البعض ذات حقبة أن الشيوعية هي الخلاص ، أو النازية هي السبيل لعرق صافٍ وقوي، فتكوين الجنون الجماعي تأصيل للإرهاب عبر التاريخ والقوى
الاستبدادية سلاسل كربونية لا تحيد عن غاية وحيدة وهي قطع صلات الفرد بواقعه وجعله إنساناً مجرداً من ذاته
طبيعة النظام القائمة تقود إلى النزاعات الأهلية، ومدى تقارب ذهنية هذه الأنظمة ومعارضاتها ، يضع الكوردستانيين في تحدي مواجهة هذه السلطات، والحرب التي يشنها المعرفيون حرب نظيفة، تعبِّر عن حدتها بالفنون والآداب، فالرواية تشكل مساراً مضاداً لعقم السلطة، وتتخذ لوناً متمايزاً عن السياسة في أنها تستخدم سحر التخييل والوجدان الجمعي من خلال تشغيل اللغة وتوجيهها للداخل المرهف، إن المسار الروائي يفرض مناخاً متعدد الأحاسيس والمشاعر، إذ تقيم عالماً على أنقاض عالم تتنازعه الأهواء البشرية والمصالح المادية، إذ تعمل الرواية الوطنية جنباً إلى جنب مع الحس السياسي الذي ينشد التغيير، ويحاول إيجاد مناخ إيجابي بين الناس ينزع للخير والحق والجمال ، كمبادئ تستقيم مع الحاضر وتوجهات الإنسان نحو مستقبل أفضل، قراءة العالم وبيان موقف الإنسان من سلوكيات السلطة المقززة، هي أحد أبرز سمات هذه الرواية فهي تفصح عن إمكانية الإنسان في المواجهة حتى لو كانت ضئيلة، فقد أراد حليم يوسف أن تكون شخوصه متينة في التصدي للمؤامرات التي تفرضها السلوكية الوحشية على الأفراد، لتجعلهم ينساقون إلى الظلام والوحدة، ويخوضون في دوامة من الاغتراب بلا هوادة، وقد عرّف الكاتب سوءات النظام الشمولي ومحاولاته في تمجيد الخوف وفرضه كمبدأ معاش في الذاكرة الجمعية ، لهذا تجسد المشهد المقابل الذي ينتصر للجمال كثورة والفن كنهضة ، لم يغب عن الكاتب هذا القتام الهائل من العتمة والضياع في بوتقة الخراب الناشب مخالبه في الأجساد والأذهان والذاكرة، وكذلك موت الحب في ظل طغيان الاستبداد، وانسياق الناس إلى طباع الخشونة والتوحش شيئاً فشيئاً وبروز ذلك الوحش المروض خارج الأعماق مع بروز الجماعات الإسلامية ومقابلها من قوى شعبية ساعية إلى حماية أمن الناس من مخاطر تداعيات الهبة الشعبية التي قلبت الطاولة على الجميع وبدّلت الكثير من المواقع والأماكن ببروز الخراب والهدم المرافق لعملية التغيير إن باتجاه الإيجابي أو السلبي، ففهم الرواية استناداً للواقع المتغير ضرورة معرفية، وسبيل لفهم ذلك الجسر ما بين الفكر والأدب، أو الأدب والسياسة في مدى تقاطعاتها واتجاهاتها المشتركة في فهم الإنسان وسلوك المجتمع ومواكبة
. تفاصيله استناداً للحقبة الزمنية والجغرافيا وأنماط التفكير المتباينة
الكاتب يمعن في تأمل جذور الاحتقان الأهلي الذي رعاه النظام البعثي في ضربه للسلم المجتمعي، وجعل المجتمعات تتفرق سياسياً وتنظر للإنسان الكوردستاني بوصفه الخطر المحدق وهو بذلك يشترك مع الجوار السلطوي التركي أو البعثي العراقي وكذلك الإيراني في ذات النظرة والأسلوب المطبق في وأد الاستقرار الاجتماعي وترسيخ حالة الطوارئ داخل الناس، بتربيتها على الخوف من بعضها بعضاً ناهيك عن ذلك الخوف الجمعي العام من مغبة التفكير بمناهضة النظام السلطوي الممثل للحس القومي العنصري لذلك البلد وصمام أمامه في مواجهة الأخطار الخارجية والتحديات الداخلية الممثلة بالكورد ، عملاء الخارج، وفق تعبير رعته تلك الأنظمة القمعية ورسخته في أذهان مؤيديها، لنجد تلك الفئة السلطوية توافق السلطة في أي مشروع تصفوي عرقي ضد الكورد، وبإمكانها أن تضع خلافاتها مع تلك السلطة جانباً ، إذ كان الثمن تصفية الكوردستانيين وردعهم بشتى السبل ، لهذا بقي خطاب السلطة والمعارضة موحداً وقاسم تلك الأنظمة ومعارضاتها مشترك في صهر الكورد أو تصفيتهم دون أي وزاع أخلاقي أو إنساني، فالرواية الكوردستانية (حليم يوسف أنموذجاً) تتحدث عن طبيعة هذا العقد الممزق بين الحاكم والمحكوم ، وكذلك بين المؤيد والمعارض ، وفجوة الخطاب السلطوي الذي تقدمه القوتين المعرقلتين للديمقراطية وبروز نظام تعايشي لصالح مجتمعاتها، رواية( الوحش الذي بداخلي) صالحة للقراءة المركزة على طول حقبة الحرب الأهلية السورية والمسماة زوراً بالثورة، والتي تعرت تماماً بانخراط فصائلها لمشروع أردوغان الإبادي ضد الكورد في قضم غربي كوردستان وسوريا على مراحل ،ووضع النظام البعثي نفسه موضع المتفرج حيال هذه الإبادة الجارية ،مروراً بأزمات الشرق الأوسط على اختلاف مساراتها وتحولاتها السياسية و انتهاء للأزمة على المدى غير المنظور ببروز نظم سياسية استفادت حقاً من الكوارث
. الإنسانية التي نجمت عن تعنت الفاشية القوموية المطعمة بإرث الإسلام السياسي الطائفي
يشير الكاتب أيضاً إلى حقل التعليم وممارسات القائمين عليها والمتقاطعة مع أساليب رجال الأمن مع المشتبه بهم، عبر السخرية من التلاميذ والإنقاص من شأنهم وزجرهم وكذلك استخدام العنف ضدهم ، بتوصية من السلطة السياسية نفسها، إنها التربية النازية والتنشأة العسكرية للجيل ليتشبع بالقسوة والتطرف ، فالطفولة منتهكة ومغلفة بطابع لا ينسجم معها، حيث لا تحفيز بل تطعيم الذهن بمفردات الخشية من تجاوز الخطوط الحمراء، والخضوع لمبادئ الحزب الحاكم والقائد الأوحد، إحياء التحية النازية في نشيد العلم بمسمى طلائع البعث، وكذلك جعل الأطفال في حالة خوف وهلع في المدرسة حيث اقترن التعليم بالتربية وبات كل مشرف أو معلم يمارس سطوته بطريقته دون رادع أو قيد، حيث أو سوري الانتهاكات بحق الطفولة مبررة بحجة تنشأة الجيل على الحزم والصرامة وحب الوطن، ففي ذاكرة كل طفل كوردستاني عايش نظام البعث صور معتمة مليئة بالانتهاكات ضد ذاته وأحلامه ، لاسيما أن العنف بمسمى تربية الطالب استشرى بصورة مفرطة أسوة بأنظمة الجوار التي تتشارك إخصاء شعوبها ، وبرمجتهم بما يتناسب وطبيعة نظامها المبني
. على الخوف وإلزام الخضوع باعتباره شرطاً لوطنية الإنسان

:أثر الإستبداد على تنشئة الفرد *

يورد الكاتب أمثلة عن تأثير الاستبداد على التنشئة الاجتماعية للفرد، حيث أورد حادثة سرقة سالار للدجاجة كي يتمكن من أعطاءها لأحد الأساتذة في المدرسة لكسب رضاه وتلافي غيظه، وكذبه على أمه حينما أخبرها أن أحد الكلاب تمكن من التهام الدجاجة بعد خروجها من القن، الذي كان مفتوحاً في الليل، شعور سالار إثر ذلك بالندم كونه أخفى الحقيقة عن والدته، وبذلك انقطعت أواصر الثقة ما بين الأم وابنها، وساد جو من عدم المصداقية، في إشارة إلى تأثير النظام السياسي على التربية والتعليم، ببروز الخوف وأثره في تكبيل الأذهان منذ الطفولة، فلكسب رضا الأستاذ تم خيانة ثقة الأم، والأستاذ هنا قائم على التربية في المدرسة وممثل عن دور السلطة الإستبدادية في تأليب المجتمع بعضه ببعض ، وإخراج الفرد خارج العملية التربوية ليصبح مجرد ربوت لتنفيذ الأوامر دون نقاش، حيث يقوم الجهاز الإداري للمدرسة بعمل رجل الأمن أو المخابرات وذلك بشل التربية وتفكيك المجتمع منعاً من أن يصبح نظاماً مناهضاً لها، حيث هيمنة الجهاز الإداري على الفرد يعتبر بمثابة سطو على الأخلاق وتآمر على الثقة بين الوالدين والأطفال، حيث عرّف ماكس فيبر التربية بانها “ وسيله من وسائل الهيمنة الاجتماعية” ويبرر هذه بالقول بان التربية هي اداة من ادوات السيطرة الاجتماعية التي يملكها المجتمع ... وقد تكون الهيمنة من اجل التقدم والحركية او قد تكون من اجل المحافظة والركود.، إلا أن النظام البعثي جعل التربية أحد وظائفه الرئيسة في الهيمنة على الفرد ليكونوا نسخاً ميتة مباركة لسعلة الرئيس وقرابين رخيصة في الدفاع عن رجال السلطة والنفوذ، وقد نجحت النظم المستبدة في تعطيل التربية إلى حد كبير فما نراه اليوم في سوريا والعراق وأرجاء الشرق الأوسط من جماعات أصولية مناهضة للنظام وأخرى موالية واقتتالها الوحشي فيما بينها ، نفهم ملياً ممارسات السلطة في تدمير العملية التربوية ونسفها من جذورها مقابل بروز العنف الضاري،لقد تم تربية الأطفال ليصبحوا أشبالاً لصدام حسين في العراق ، وأشبالاً للأسد في سوريا، وكذلك أشبالاً لأسد السنة أردوغان، إنهم في الواقع قرابين لبقاء الظلم ، وبقاء المتحكمين بالبشر والعقول، وقد سقطت الأوطان تباعاً وبقي الاستبداد يُكثر من العبيد والأرقاء ، وبات
معملاً لإنتاج الدمار وغسل الأدمغة وضخ الفساد،لقد نشطت مؤسسات الإسلام السياسي على إنتاج طفولة بائسة مكبلة بالفوضى والكراهية، كامتداد للمؤسسات القومية الأتاتوركية والبعثية في إخصاء العقول وتدمير الملكات الإبداعية عبر بث القهر والاستكانة والخضوع ، والنتيجة حروب أهلية لا تتوقف وصفقات رابحة لبيع لأسلحة ، وإرهاب عابر للقارات لا يسلم منه أحد، وقد أراد حليم يوسف الإشارة لمعامل التوحش الأولى بدء من مراحل الفرد الأول وإيذاناً بعلائم الخطر
. وبدايات الحرب
وجب تعرية التوحش ، وفضحه معرفياً عبر الإشارة إليه وهكذا يسبر المعرفيون في بقاع الشرق الأوسط الأغوار في صناعة الثورة المعرفية المقترنة بالفكر والحضارة والأصالة، دعامتهم في ذلك تعاطف الشعوب وفهمها لمدركات أفرادها المبدعين غير القابلين للصهر أو الإبادة ، إذ كلما تقادم الزمن كلما تضاعفت المهمة الملقاة على عواتف أصحاب الملكات في أن يكونوا مشاعل خلاص لمجتمعاتهم ضد قوى الفاشية العاملة على قتل تلك الروح حيث صراع قوى المعرفة والتنوير ضد قوى التجهيل والكراهية يتجسد في الحرب التركية ضد محاولات الانعتاق الكوردستانية أيما تجسيد، وما تضامن الشعوب كأفراد دون تلك الحكومات إلا دليلاً على حيوية العقل والوجدان الإنساني في إصراره على صناعة القرار المجتمعيإن التفاف الناس حول بعضها بعضاً عبر رابطة الحب الروحية والإدراك العقلي المتصل حتماً بتلك الروح المدركة أحد المهام الجلية التي
. ينفذ بها المبدع والمبدعة لكوامن الأشياء
أجاد الكاتب عرض الملامح النفسية للشخوص عبر توظيفه لعبارة تشير للشحوب والعبوس وفتور القوى إلى جانب انهمار الدموع على التجاعيد وكذلك الحوارات المتقطعة التي تحتفي بالمواقف المؤثرة، حيث مشهد انتظار آلان المعتقل ، وكذلك تردد المخابرات لمنزل سليمو كل ذلك يعكس التعابير الداخلية للشخوص مما يساعد على تفعيل الإحساس وتعريف المتلقي لطبيعة المرحلة وذود الأفراد عن بعضهم رغم حالات الإرهاب المرهصة لنشاطهم وحراكهم الخائف، حتى الكلاب لا تسلم من الأذى إن اقتربت من تمثال القائد، حيث رصد الكاتب تعامل حارس التمثال مع الكلب الذي تبول أسفل تمثال الرئيس ليعكس استماتة السلطة في كتم كل حراك أو شيء ملتبس يقترب منها ، وتكبيل الفكر عبر لجمه، حيث يشكل الاستبداد الفكري أحد أعمدة النظام الشمولي، للحد من تدفق الفكر الحر والمناهض، وكي يغرق المجتمع في سبات المقدس التاريخي، تحسباً لنهوضه ، فحينما يثب منتفضاً، سيعود ليسقط أرضاً لكون قدماه مكبلاتان بإرث الإسلام السياسي المشبع بالتطرف والتسلط، لهذا لن تجد سلطة البعث عائقاً في سحقه عسكرياً ، لكن حتماً ستعتني السلطة السياسية تلك بهذه الجنازير المقدسة والمحبطة لكل حركة تقف ضدها، فبمجرد أن يتم إطلاق المعتقلين الإسلاميين خارج السجون ، حتى يتمنى المجتمع عودة السلطة العلمانية رغم فسادها واستبدادها، كون الجماهير تتيقن مدى خطورة أي حراك مخصي مسبقاً، هذا ماحاول حليم يوسف قوله في كل سطر من أسطر الرواية المتوحشة ، إنه توحش اتفق العالم المتمدن على الاعتناء به، بدليل رفضهم لإجراء محاكمة دولية لمعتقلي تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) ، مما نجد رغبة مبطنة في إعادة استخدامهم كورقة ضغط اقليمية لتحقيق أجندات غير معلنة عبرهم،فالوحشية بارزة في انسحاب الأمريكيين المفاجئ من غربي كوردستان وشمال سوريا ، وكذلك عبر تواطئ الروس ، والأمريكان مع تركيا في عدوانها على الكورد، ومحاولة اقتلاعهم من جذورهم واستبدالهم باللاجئين السوريين المرتبطين بها ، حيث يمثل التغيير الديمغرافي بمثابة تطهير عرقي، ناهيك عن السلب والنهب الذي تم من قبل الجماعات الإسلاموية الوليدة عن داعش في عفرين وآخرها سري كانيه (رأس العين) وكري سبي (تل أبيض) ، نجح حليم يوسف في استنباط رواية مقترنة بالحدث المتعلق بأحدث ما قبل 2011 ومروراً ببدايات ثورة شعوب غربي كوردستان، وانتهاء بالوحشية اللامتناهية التي أخذ يتقاسم
. كباراللاعبين وصغارهم أدوار ممارستها في رقعة الشرق الأوسط وتحديداً في غربي كوردستان وسوريا




يركز الكاتب على جملة مشاهد دقيقة تصف لنا عوالم الطفولة وخيالاتها الغضة كمشهد خوف الأطفال من قلم الأستاذ الأحمر ، حيث يرمز اللون إلى كثرة الأخطاء، على عكس شعورهم بالفرح حينما تكون ورقتهم خالية من اللون الأحمر،وكذلك حادثة الدجاجة المختنقة في حقيبة سالار، طريقة عرض القصة تمتاز بسلاستها وميلها إلى الظرف والفكاهة إلى جانب بروز الحزن في تأنيب الضمير الذي أحسه سالار تجاه أمه، ثمة ومضات جميلة استمدها الكاتب من عوالم الطفولة بما تحمل من لحظات بريئة ووادعة حولت الرواية لفضاء تخييلي رحب يسعف المتلقي على أن يشارك بخياله الخاص طارقاً أبواب تلك العوالم الملامسة لذاكرته، إذ نلحظ أن الطفولة موجودة في كل رواية للكاتب، بدء من سوبارتو الذي رصد شقاوة الطفولة وشجونها وكذلك خوف بلا أسنان ومعرض ذيول الحمير المبتورة التي كان الأطفال يقومون بها، كذلك رواية تسع وتسعون خرزة مبعثرة والتي رصد حليم يوسف فيها حالة اليتم لبطل روايته، وهكذا نجد أن تحفيز الذاكرة الطفولية مهم جداً لتنشيط السرد ، ذلك يتعلق أيضاً بالتفاسير النفسية لحالة الشخوص وانعكاساتها على طبيعة المشهد الفني والرؤية الخاصة بمواقف الأديب السياسية والاجتماعية، فيرى الناقد والفيلسوف (جان مري شيفر) أن الخيال والفنتازيا حقائق مهمة تدخل في التركيبة الذهنية الطبيعية للطفل حيث تساعده على التعامل مع محيطه وعلى
. ترجمة الواقع بشكل يسهل عليه تقبله والتأقلم معه
حيث يسهب المرء في الحديث وبشجون عن المواقف المعترضة طفولته وهذا إلى حد كبير متصل بعملية القص والسرد الذي لا ينعزل بطبيعته عن جملة المواقف الداخلية لعوالم الفرد لاسيما وإن كان مبدعاً ، فتجسيد الطفولة في الرواية يحقق متعة فنية تخييلية وكذلك تحفيزاً لعوالم القارئ وتحسيناً لذائقته ونظرته للحياة ويدخل في إطار العلوم الإنسانية في طريقة تخاطبها وطرقها للذات ومحاكاتها ، حيث استعادة الزمن ومحاولة إعادته في الذهن روائياً ، يفتح المسارات العديدة للمبدع ويجعله يوغل أكثر في حقول الوجدان والإدراك، حيث ترصد الرواية التفاصيل الدقيقة لمعاناة الإنسان في ظل الحروب وجور السلطات القمعية، وتتدخل الطفولة في رسم المشهد المؤثر ، يوظفه الكاتب على نحو محكم ونسيج لغوي يفضي لمزيد من التمعن في حقيقة النفس الإنسانية ومراحل تصدعات المجتمع ، وحالات الموت والفقد التي يشهدها، حيث رصد المكان يجسد الهوية ويدخل في متاهة الصراع بين أنصار الأرض وأنصار نظرية القوة المؤمنون بحيازة الجغرافيا بالقوة ، بينما يستخدم حليم يوسف قوة الذاكرة وبعث الطفولة بوصفها مقاومة مضادة لكل قوة تسعى للسطو على الجغرفيا والذاكرة والأرض، من هنا تتأتى ضرورة الحديث عن النشأة والمراحل الأولى كون الذات تستمد قوتها من طفولتها
. وبداية نشوءها في ظل المجتمع
تحريض الذاكرة بالاستفادة من خصوبة الخيال ، تقنية بارزة في عالم الرواية، بإمكانها أن تغني السرد والحوار معاً، وكذلك تجعل العبارات قادرة على إيجاد علاج للنفس من خلال زج الصور والتعابير ببعضها لخلق عالم حواري مركزه النص ، يتلقفه الذهن بيسر كون تلك الهالات النصية تلامس الروح وتنشط الذائقة المعنوية للمتلقي، استفاد الكاتب منها ليحيط بعوالم الفرد وأحاسيسه ورغباته، ليغدو الحديث هنا متصلاً بوعي الأمة وحاجاتها للتحرر والإنطلاق وخوض تجربة الحرية والمعاناة للوصول لعالم أفضل خال من العبودية والاستبداد، فتقوم الرواية بأرشفة الحوادث النفسية وضخ الإحساس بها عبر اللغة المؤثرة لتدون سجالات النفس الإنسانية ولتعبر عن فجائع المجتمع وصراعاته ضد هيمنة السلطة وقمعها للفرد، إذ أن الكاتب يجند أحاسيسه وذاكرته وخياله خدمة للإنسان، وسعياً لعقد جسور بين الحدث الفني والواقعي في ذائقة القارئ، وبذلك يعمد لتسليط الضوء على جملة القضايا الجوهرية المتصلة برغبة الفرد في التغيير وتحسين الواقع ، وإيجاد مسارات جديدة لفهم الحياة، فللذاكرة دوراً في صناعة السرد العميق، ومواكبة تجارب الفرد بدقة بخاصة ما يتعلق بالجانب الاجتماعي الذي هو خليط مفاهيم ومواقف ساعدت على فهم الفكرة وجذبت المتلقي عبر ملامستها لإحساسه وتجاربه أيضاً، فلا تخلو الذاكرة الفردية أو الجمعية من صور معتمة ترصد حادثاً وقع، وجرماً في مكان معين، وأشخاص ينحدرون من بيئة واحدة، وتركيبة متشابهة تصفها الرواية اعتماداً على ذاكرة المؤلف في تجواله بين الأماكن ومواكبته للشخوص وأعمالهم، فالرواية هو تحدٍ صارخ للنسيان في محاولة لإجهاضه، وفهم حساس للتفاصيل المستعصية على العقل فهمها، لكنها تبدو ماثلة في الذاكرة ومرتبطة بالأماكن، لهذا فالكاتب يبذل جهداً في فهم ما يعتري النفس عبر عملية السرد لما تتضمنه من خلجات نفسية متصلة بعالم الطفولة، والشغب، في سعي لفهم تصرفات الفرد وردود أفعاله، وطرق معالجة المشكلات وحالة الصدمة المرافقة للمرء ساعة اصطدامه بحرب الهيمنة السلطوية ولجم دوافع الأفراد في تعبيرهم عن ذواتهم واستهجانهم للقمع الممارس، كذلك سلوك الفنان مسلكاً وقائياً في مقاومة السلطة عبر اضطراره في مسايرتها والتعامل معها أحياناً، بين الكاتب تحرك المجتمع وخوفه وعلاقة الحب العميقة الجامعة بين سالار ومريم في فهم متوغل للحب والتمسك بالبقاء وكذلك النأي بالنفس عن الصدامات المحتملة، كل ذلك مهمة ملقاة على عاتق
. الشباب ، في إدارة الحياة معطوبة البوصلة، رغم أن ذلك لا يساعدهم في اتقاء الكارثة القادمة المتمثلة بانفجار السلطة


الحب في المقبرة، حديث ساكن وذو شجون قوامه القبلات والهمسات الخائفة بين سالار ومريم، وتلك اللعلعة الدائرة ما بين خليلو وسليمو ، نذير وصبري ، وحوار الثورات والصمت الذي ينتصف المشهد ، لنتأمل هنا ص54 - صبري وبشغف حاد وجه ناصية كلامه نحو نفسه وقال : من هنا سنبدأ بتغيير العالم، تغيير صغير هنا، سيكون نور ثورة تعم أرجاء الوطن كافة، وهذا بدوره سيصبح تغييراً للشرق الأوسط، ومن ثم للعالم بأسره
نذير الحلاق أجابه : الحل فقط هو أن تبيع بيتك وتسافر إلى أوروبا
المعلم آلان قال بحرقة : حينما كنت بعمرك لم تكن أفكاري بعيدة عن أفكارك، كان شعارنا الخبز ومن ثم الحرية
.أجاب صبري بكبرياء : لهذا وصلتم لنتيجة أنكم ولأجل الخبز بدأتم بصنع تماثيل القائد، حيث طارت الحرية
تلك الحوارات الشبابية تمثل في صميمها رغبة مشتركة في التغيير والانتفاضة من مؤمن بها إلى متشاءم بصددها وهكذا،انه حديث الثورات لدك حصون الاستبداد يتم وراء الكواليس في بلاد ساكنة يقشعر بدنها من مرور الأشخاص المتشابهين في الملامح ، وهي معطيات عن تأهب حقيقي ينتظر إشارة الوقت المناسب للبروز بقوة بغية إزاحة القتام عن المشهد المعتم هذه الأحاديث تمثل مقدمة لبروز حالات العصيان والتأهب فيما بعد، فالتفكير منصب على كيفية التخلص من هذه القيود ، وهي عوائق تحول دون بلوغ الأمن والطمأنينة ، حيث الحرب القادمة المغيرة لمعادلات الخوف والنكوص، وكذلك التغيير بوجهيه السلبي والإيجابي قادم لاقتلاع هذا الورم السلطوي الناشب مخالبه في كل مكان، حيث الضغط الاقتصادي والفقر المدقع قاد إلى جهل وتوحش أميل للانتقام والفوضى منها إلى التفكير والتدبر ، فالمجتمعات الشرق أوسطية مجتمعات قبلية التفكير بغالبها تميل إلى التوحش والانتقام والجهل أكثر منها إلى التحضر والقانون والوعي، لهذا فلا ينجم عنها إلا ميل عشوائي لاستبدال الأشخاص القائمين على السلطة بأشخاص آخرين يختارونهم ليلبوا ما بداخلهم من غلٍ طائفي أو عرقي ، أو إيديولوجي ، حيث يعتبر المجتمع التركي مجتمعاً مثالاً للعنف فالسلطة التي تحظى بدعم جماهيرها ينبغي أن تكون فاشية قومية عنصرية تنادي بالتعالي التركي ومحاربة الكورد عملاء الداخل وتصفيتهم، خطاب الكراهية يحظى بإجماع الغالبية ، والحاكم الباقي في السلطة هو الذي يلبي الدوافع العنفية لتلك الجماهير، وبالتأكيد فالمجتمعات العربية والفارسية لديها ثقافة السلطة وتؤمن بنظرية المستبد العادل، فتتقاسم كراهية بشار الأسد وهي في الآن ذاته مولعة بصدام حسين، وتتمترس بالإسلام السياسي وترى في أبو بكر البغدادي شهيداً ، وفي أمريكا وإسرائيل عدواً، وفي أردوغان خليفة للمسلمين، إن ثقافة السلطة متجذرة في هذه الشعوب ونجم العلمانية والديمقراطية يكاد يخبو في ظل
. هذه المعمعة من الفوضى وتقديس العنف والكراهية
لهذا نرى هذه المجتمعات أبعد ما تكون عن الديمقراطية وخلق مشاريع تعايشية ، بسبب هذا العبء الثقيل الذي تحمله والذي يثقل كاهلها ويمنعها من التفكير بالمستقبل، لهذا فإن الثورة المضادة هي الحل الوقائي لنسف فكر السلطة داخل الجماهير أولاً، والدعوة لعقد تجمع كبير تديره المؤسسات المدنية المستقلة بدعم دولي أممي، للوقوف على هذه الأزمات وتطوير برامج تربوية للوقوف على إشكالية التطرف الديني والقومي وإرساء فكر التسامح والمحبة بين الشعوب من بوابة
. قبول الآخر والمساواة في الحقوق والواجبات ، أي دمقرطة الفكر وتعبئته بأسباب العيش المشترك
الحب والاستبداد ، يطرحان نفسيهما في الرواية بشدة، حيث يرمز الحب للتحفيز ورباطة الجأش في التغلب على الخوف ، ويرمز الإستبداد هنا إلى ضراوة الواقع وصعوبة معايشته ، رحلة سالار إلى بيروت تجربة صعبة المراس يعانيها، هذه المرة يبتعد عن حبيبته مريم، وعن مدينته الحبيبة، وهنا يعيش على طول الطريق محنة التأمل وترك مدينته خلفه، بالتزامن مع هدير محرك الباص الذي كان يبتعد به باتجاه بيروت وحواجز رجال الأمن النزقين، ففي لحظات الإبتعاد عن الوطن ، يدرك المرء حقيقتين مرتبطتين ببعضيهما أيما ارتباط، وهو حلم وطن حر ومعافى، وحلم العيش مع امرأة تختزل الفرح والطمأنينة لأبعد حدود، وتعمد الرواية لفهم الاغتراب النفسي المتعلق بالفرد والجماعة أكثر بالتزامن مع التمعن بإرث السلطة القمعية الثقيل والذي تحتمله المجتمعات وتنوء بحمله ، إن الرواية لها جانب إيديولوجي مرتبط بالوعي التحرري الكوردستاني بضرورة التشبث بالأرض، المرأة، ومقاومة الاستبداد، لحين بزوغ الحرية ومحاربة التوحش، وفيما لاشك فيه فإن الترابط الإيديولوجي ما بين الكاتب والناقد ، هدفه تشكيل نسق منتظم من الأفكار النابغة من روح الرواية وإدراك الناقد الجلي لمرميزها ومساعيها، وعليه تتشكل ذاكرة الأدب وتصبح معالم لرؤى نقدية حديثة أكثر لصوقاً بقضايا المجتمعات وسبل تحررها من نير العبودية، حيث في الواقع ليس ثمة أدب محايد عن الذاتيانية ، وكذلك لا نقد بإمكانه أن يكون حيادياً، فالثقافة منحازة لشعوبها، والأدب لسان حال المجموع، فما التلميح لبروز الوحش إلا بديل عن هذا النظام البعثي القائم، الوحش الذي أطلق العنان له حين بدأت الأصوات تعلو بإسقاط النظام القائم، الوحش يرمز للإسلام السياسي الذي كان على صدام دامٍ مع النظام السوري في حقبة الثمانينات والتي تم اختتامها بمجزرة حماة الشهيرة، ليعود من جديد بمظهر أكثر قسوة ، برداء تنظيم الدولة الإسلامية أو ما يعرف بداعش، وكذلك بالجيش الحر الذي يعرف راهناً بالجيش الوطني، إلا أن هذا الجيش بدأ يشغل وظيفة محاربة الكورد بدلاً من النظام، وبأوامر مباشرة من أردوغان، قائد مشروع الإسلام
. السياسي العثماني في المنطقة
عدم الانصياع لحياة الخضوع ، مثّل نقطة جامعة لشخوص الرواية على مختلف أدوراهم ، القمع على أشده، رجال الأمن نشبوا أظفارهم في كل مناحي الحياة، العوز والألم اليومي يدفع المرء للكآبة والاحتقان في آن ، مناخ من الوجع يخيم على رواية تحشد الكلمات الأكثر تأثيراً للإحاطة بمشهد مأساوي يدفع المرء للتدبر بواقع أرعن خلف المزيد من الضحايا والعاهات النفسية، سجون كبيرة، وعقول سجينة، وأحلام مكبلة بالمرارة والحنق، ينقل لنا الكاتب بسلاسة ذلك، مهتماً بأدق التفاصيل الداخلية للإنسان الكوردستاني المحارب على كل الصعد، من قبل وحش السلطة القمعية ، إذ تحول حليم يوسف في النصف الثاني من الرواية للحديث عن آثار الاستبداد على المجتمع، فأشار برمزية الوحش، ليخلص إلى قول تفشي الوحشية داخل تلك المجتمعات وتحول أفرادها لمجموعات إسلاموية أو مضادة لها، تقتتل بضراوة بدلاً من أن تصوب بندقيتها ضد تلك السلطة، ليحدثنا هنا عن العنف والعنف المضاد، الذي خلق فوضى أهلية دمرت الكثير من المكتسبات والبنى التحتية وأفسدت قيم التعايش وإمكانية التعاون والتلاحم الطبيعي، حيث ارتهان القوى السورية للخارج بسلطتها ومعارضتها ، جعلت البلد ساحة لتصفية الحسابات المختلفة، وخلق جيلاً أمياً يفتح عينيه على الحرب والتنازع دون حلول تلوح في الأفق،حيث حمل مشروع الإسلام السياسي للمعارضة المسلحة بين دفيته خطاب الكراهية والانتقام، بعد توجيه تركيا لها أمراً بمحاربة الكورد وهدر دمهم عبر فتاوٍ تحرض على محاربتهم ليعمد بذلك على خنق المجتمعات وتضليلها بغية قضم أراض كوردستان الغربية وضمها لخارطتها، السلطة البعثية عبّئت المجتمع بالمفاسد الناجمة عن الرهبة والقمع اللا محدود، وبذلك فالمكبلون بالمفاسد لا يمكنهم إقامة ثورة، كونهم محاصرون بردود الفعل الاعتباطية غير الواعية وعقلهم الباطن مستعد للإنتقام والمناطحة كالثيران الهائجة دون خطا جلية تضع سبل الخلاص من ذهنية الاستبداد التي ورثها الأفراد هدفاً لابد منه ، لهذا فشلت الثورات في ما يسمى بالربيع العربي وإن حالف الحظ بعض من الدول كتونس ومصر من إجراء تبديل لرموز النظام والإبقاء على الهيكلية والذهنية كما هي ،حيث توزعت الشعوب على طبقة متسلطة وأخرى خلقت لتكون وقوداً لمعارك السلطتين القائمة والمعارضة، ان السلطة ترى نفسها خاصية أعلى وأبقى من شعوب دنيا أقل قدراً تحكمها بالدم والحديد، هذه الفجوة سرعان ما تتنامى لتكون مؤشرات لبروز صراعات يدفع ثمنها المجتمع دون سواه، إذ أنه متشبث بالجغرافيا وشغف بعيشه، يبحث بحذر عن حياة أكثر جودة، لكن سرعان ما يكتشف أن لكل خطوة باتجاه مناهضة السلطة لها ثمن غالٍ تدفعه من دماء أبناءها قرابيناً لحلم الديمقراطية والنظام العادل، إن الشعور بالتعالي متأتٍ من السلطوة كفعل ممارس، وهذا ما يوغر من صدر السلطوي ليكون كائناً حاقداً كارهاً للأضغف منه وحاسداً للأعنف والأكثر قوة منه، فما بين الحقد والحسد رغبة في استثمار جهود التابعين لمعارك عنيفة ضد الجماهير الناقمة وبتواطؤ مع رجالات السلطة الآخرين ممن يتشاركون ذات المصالح والمنافع في الإبقاء على المجتمع
. دنيِّاً مقهوراً لا يتمتع الفرد فيه بأدنى امتياز، إما بإلهاءه في الأعمال أو اعتقاله ، أو نفيه للبلاد البعيدة أو للسماء (الموت)
المناخ الكئيب الذي أورده الكاتب بمنحى تصوير حالات الاعتقال واشتباه رجال الأمن بأسماء مشاهير كسلفادور دالي، وجان بول سارتر وأحمدي خاني، ينم عن إبراز لحالة الجهل إثر تحولهم عن التفكير إلى الآلية التي تجعلهم أشبه بربوتات تنفذ ولا تدرك شيئاً سوى التعذيب والبطش فلم يدركوا إلى متأخراً أن تلك الأسماء ليست موجودة على قيد الحياة وإنما أسماء خالدة باقية في ذاكرة الناس، ليضعنا الكاتب في هذا المشهد إلى استنتاج مهم وهو نبذ السلطويين للتفكير المعرفي وكذلك الارتقاء الذهني، محاربتهم لروح الفكر والإبداع، وكذلك استماتتهم في بتر صلات الأفراد بالقراءة، كي ينعزلوا ويخافوا دون عمل شيء آخر، باستبدال الفكر بالأمثال التي تحض على الطاعة نبرز بعضاً منها (من الحيط للحيط وياربي السترة) وكذلك (ابعد عن الشر وغنيلو) وكذلك إشادة رجال الدين السلطويين بكلام مفاده أن الملك لله يعطي من يشاء ينزع الملك عمن يشاء وعليه فإن محاربة الحاكم ومناهضته هو مخالفة لإرادة الله وقدره، تلك الإشارات متعددة الرسائل للكاتب في معرض روايته هي بمثابة تشخيص لأزمة السلطة الشمولية ، وكيفية خنقها لذاتها بالتزامن مع قمعها ومحاولتها لتكوين مجتمع العزلة والقهر، لهذا فببياننا لذلك فإننا نشيد جسوراً متينة ما بين الأدب والفكر، تبياناً لتكامل الرسالتين ودورهما في
. فهم الإنسان ومشكلاته والإحاطة بها بغية فهمها ووضعها على دفة الاحتكام المنطقي النقدي
حيث تتحلق الجماهير مقفلة أذهانها ومطفئة عقولها حول رمزية القائد الخالد وابنه البار، كون لا عقل إلا داخل رأس القائد، هي الخطة الأولى من خطط السلطة للإيقاع بعقول الجماهير وجرها مخصية لمقصلة القائد المفكّر،من ثم فلسان حال السلطة دائماً يكرر إما بقاءي أو الفوضى، ما إن فكرت الناس أن مناهضتها وإسقاطها كنظام مسألة وقت، حتى استيقظت أحقاد المجتمع المحتقن وبدأت الحروب الأهلية تفتك بها مما زال ذلك الشعار البائس وسقطت أقنعة الأغرار بانقيادهم لمعارضة مرتزقة مرتهنة تعتدي وتجيز قتل الشعب الكوردي بفتاوٍ دينية يخرجها حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا، وهكذا تتساقط الشعوب بزوال أخلاقها ومحبتها لبعضها بعضاً، إن السلطة كونت داخل أروقتها سلطات ينفرد روادها بطريقة قمع وبطش تختلف وتتمايز عن الأخرى، هذا بدوره تدريب للمجتمع على الإيذاء، أشبه بطريقة تجويع الكلب ليصبح الأكثر شراسة وعنف، تماماً أنتجت سلطة القمع مجتمعاً غوغاء، مفاهيمه مضطربة وأميل للانتقام منها إلى الوعي في مناهضة النظام ذهنية وسلوكاً ، حيث نجد دولاً تمارس إرهابها المنظم على الجماهير في الشرق الأوسط كما تفعل تركيا وإيران، لكن ينظر دوماً في إرهاب التنظيم أو الحزب كجناية لا تمر في الغالب دون عقاب، أما إرهاب الدولة فنجد أنه مشرعن بل وواجب من قبلها لدرء الخطر عنها، هذه الإزدواجية عززت بؤس المجتمع وانعدام ثقتها بالمستقبل، كون الحقيقة السوداء تتمثل في إيمان دولتي عالمي مطلق وهو أن الحق بيد القوي الباطش، مهما على صراخ المقموع وتجسدت
. آلامه ودماؤه أمام الأعين، فلا صوت يعلو على صوت المصالح بين الدول(تركيا وألمانيا)
فشل نظرية الدولة في الشرق الأوسط لا يعني بطلان الدولة كمفهوم ومؤسسة وفكر، بل يعود لفساد الذهنية والانقياد الأعمى للمناصب كتجسيد لشهوة السلطة وقداستها التاريخية المغلفة بالدين في الحقيقة، سعى الإنسان الطويل لينوب عن الله أو النبي أو المسيح في إدارة شؤون الناس ، بمعنى أن تكلس العقل الدولتي في الشرق الأوسط هو نتاج انغلاق في متاهة الإسلام السياسي، فبمراجعتنا لسير القادة الدينيين، وكذلك طريقة إبرازهم لحكم الحقبة الدينية ، وتحديداً فترة الحروب المقدسة، نجد أن المشكلة كامنة في تخلف المسلك الذهني للفرد بانعزاله في دوامة التاريخ واجتراره للماضي، لم يمت القيصر في الحقيقة ولم ينطوي العهد الإقطاعي أيضاً، بل نجد إحياء مستتباً ومحدثناً لطرق حكم الناس، إرث السلطة تراث عميق متين الجذور، ومن الصعب اقتلاعه، بل من سيقتلعه؟!، عادة وهو ما يجري في العهد المعاصر أن غالب الحركات الثورية التي تحولت فيما بعد لسلطوية، نجدها ترفع شعارات رفع المظالم عن الأمة وتخليصها من براثن الإستعمار ، وفي الآن ذاته تقع في فخ اجترار أصول التحكم بالمجتمع بغية البقاء لأطول أمد ، وتحقيق ما أمكن من نفوذ
. مادي واقتصادي يصب في مصلحة الفئة الحاكمة دون غيرها
عدم المقدرة على انتظار تغيير النظام السياسي ونتيجة ذلك فإن عين الأفراد المضطهدين تتجه للهجرة وتأمين الحياة، هذا الاغتراب هو حديث الرواية، ويعطي لمحة عامة عن حياة الإنسان النفسية ، حالات الخوف التي تتلبسه ، انعدام الثقة ممن حوله، واستشعاره لإمكانية حدوث الخطر في أي لحظة، ففي ظل سلطة البعث، عمَّ القلق داخل النخبة الشابة، فمن خوف على الذات إثر اعتقال وشيك إلى نقص اقتصادي عوز متفاقم ، هذا يقود بطبيعة الحال للخروج من البلد، والصراع السياسي، الكبت والاعتقال ، يقود إلى حريق قادم ومرحلة اقتتال ونيران مستعرة تشق الحدود، يعم الاضطراب في رقعة الشرق الأوسط، وأخصها في مناطق تركة سايكس بيكو، والتقسيم الجائر الذي يعد ركيزة لاستقرار، وباعثاً للقلق المستمر، ذلك يخلق انعدام الأمن وغموض المستقبل ، حيث عانت شعوب سوريا في ظل نظام البعث توقاً فظيعاً لحرية ما غير محدودة بحدود، وما إن سنحت له الفرصة، حتى تراءى أن الحرية التي أرادها الناس مضطربة راكبة عدة موجات ما بين الإسلام السياسي واليسارية الديمقراطية أو التشبث بالنظام القائم تحت يافطة الأمان والسلامة والتصدي للمؤامرة الكونية، وبانت لعبة الأمم في الهرولة نحو آبار النفط والمراكز الاستراتيجية الحيوية، دون أن تلقي أدنى بال على معاناة الناس الهاربة والمدفونة تحت أنقاض بيوت مهدمة أو مقيمة في خيم متراصة لا تقي الناس من البرد وشبح الحاجة،إنها مشاهد رسمها الوحشيون في محاولة معينة في الاستحواذ على المشهد العام وإدارة البوصلة المعطوبة، فقد فهم أنصار الإسلام السياسي الحرية بأنها محاربة لما تصفهم بالمرتدين والكفار ونهب وسلب أموالهم وممتلكاتهم كغنيمة واغتصاب نساءهم كونهم سبايا، إذ أطلقوا العنان لتصوراتهم في امتلاك الحرية المطلقة المؤلهة والمشرعنة بفتاوِ دينية مستمدة من التراث الديني للغزوات، أما اليسار الديمقراطي فقد أخذ ينظر للحرية بوصفها نظام ديمقراطي لا مركزي ، يقر بحقوق الكورد ومكونات المنطقة في شمال شرقي سوريا (غربي كوردستان) دستورياً ضمن حكم ذاتي ، هكذا نجد أن فهم الحدث السوري ما بعد 2011 ، يتمايز بعدة مشاريع بالتزامن مع التواجد الروسي والأمريكي الإيراني التركي ، ناهيك عن مناطق مستعرة في جنوب العراق ولبنان وعقوبات على إيران بغية ردعها من التوسع،حيث طبيعة الحروب بالوكالة باتت واقعاً في عموم الشرق الأوسط، ولاسيما أن ورقة داعش (تنظيم الدولة الإسلامية) ما تزال صالحة على الرغم من هزيمتها العسكرية الأخيرة والتي توجت بمقتل زعيمها، فالنقطة التي نتحلق حولها هو التوحش، صناعة الوحشية لتحقيق أجندات اقليمية تعد عملاً يمتهنه أنصار العدالة والتنمية في المنطقة ،ممن باتوا ممثلين عن الإسلام السياسي الذي لا يقل خطراً عن تمدد وتوسع إيران في المنطقة ، كل ذلك نتيجة عن إطلاق العنان للوحوش المستوطنة العقول والأذهان الجمعية التي كانت
. لسنوات راقدة في سجون الإرهاب الدولي المنظم لأنظمة الحكم الشمولية
سالار يفكر بالخروج من البلد، لفرنسا، عرض لمريم ذلك في لقاءه بها عند المقبرة، رفضت ذلك وفي المنام رأى تمثال القائد يدنو منه ليفج رأسه ، ليجد الدم عليه، ليرى نفسه في الصباح في قبضة المخابرات ، لتبدأ حياته القاتمة بعد ذلك وبتسارع، الأحداث تتسارع هنا ، لم يعد هناك من مسار آخر ينجو من خلاله البطل، بدأ الكابوس الثقيل، وذاك التمثال لا يزال يدنو، محاولاً تدمير التوثب في داخل البطل، فرص العيش على نحو أفضل مسدودة في ظل القمع الكبير، سلطة الأمن لا تعلوها أي سلطة أو نظرة توسل، هنا يدخل الكاتب لمسار الحدث التراجيدي، ليفصح عن نتائج المخاوف والهواجس فقد باتت حقيقة ، وتفعل فعلها في النفوس والأحوال، حيث قال نيتشه نحن لا نتحرر إلا حين نتذكر، وقد سلط الكاتب الضوء فيهما بعد على ذلك الوقت الطويل الذي قضاه سالار منفرداً في السجن، فأفسح المجال لأن يتذكر كل شاردة أو واردة من حياته، مطلقاً العنان لأحاسيسه وآماله و آلامه في صياغة رؤى جديدة لم تكد تخطر في باله مسبقاً،عن الحياة والإنسان وتلك الحركة المكبلة بالرغبات الكثيرة والأحداث الجسام، فيدخل في حالة من صراع ليذكرنا بمقولة ميلان كونديرا حين قال : أن صراع الإنسان في الحياة هو صراع الذاكرة ضد النسيان ، حيث ذلك الفراغ الزمني هو ساحة للنقد الذاتي وتذكر ما مضى ومحاكمة شفافة للنفس، حيث أمكن أن نعتبر أن النظام الاستبدادي هو معمل لصناعة الوحوش البشرية ، وإرجاع المجتمع لعهود البداوة والوحشية، بالتزامن مع قمعه وزيادة عزلته، ليقابل ذلك الانحطاط سعي لتجهيل الأفراد وتغييبهم عن الحياة السياسية والثقافية والاجتماعية، ليكونوا عبيداً حقيقيين، أومنبوذين عن تلك السلطة ليلقوا
. مصيرهم المتجسد بالموت أو الاعتقال
فيميل حليم يوسف هنا إلى نظرة الفيلسوف الإنكليزي توماس هوبز ، في سبر ذئبية السلطة والذي يرجح أنها نتيجة وحش كامن داخل الإنسان ذاته، فالإنسان لدى هوبز متوحش وشرير حيث يقول :” أن الإنسان كائن غير اجتماعي، و فكرة الاجتماع الإنساني لديه هي مدعاة للتقابل البشري العنيف، وبالتالي ليست أنثروبولوجيا النوع الإنساني سوى حرب الكل ضد
“. الكل،
نجد أن الكاتب قد سلط الضوء على انطوائية سالار فاختار المقبرة مكاناً للقاءه مع حبيبته مريم، ومكاناً لحفظ الأوراق والمواثيق العاطفية، فتكرار كابوس عراكه مع التمثال ينم عن استعداد تلقائي للعنف والمواجهة، فالوحش كامن داخل الفرد مهما كان مسالماً ونائماً، وكذلك الإنسان عند هوبز ذئب لأخيه الإنسان، بيد أن الكاتب هنا يرى السلطة عائقاً ومنبعاً لتوحش الفرد بخلاف هوبز الذي رأى بوجوب وجود قانون متمثل بالنظام الملكي، وهو وحده القادر على إنهاء حالة
. الصراع بين أفراد المجتمع، من خلال خضوع الكل تحت حكم شخص واحد
ومما لاشك فيه فإن الظروف النفسية والاجتماعية وكذلك السياسة المتعلقة بطبيعة نظام الحكم تقوم بتكوين أفكار المرء فيلسوفاً أم روائياً، وشدة تلك الظروف وسوء الأحوال يدفع المرء لتبني وجهات نظر تتصل حتماً بالبيئة وتأثيراتها على الفرد، فبخلاف أرسطو الذي رأى أن الإنسان كائن اجتماعي وحيوان سياسي، يرى هوبز أن الإنسان لا ينخرط في المجتمع إلا بدافع المصلحة، وبالتالي فحسب وجهتي فإني أرى أن ثمة توأمية بين الأدب والفلسفة، فليس الأديب في نهاية الأمر إلا فيلسوفاً وجدانياً، يخاطب الأرواح والألباب بمنطق وسطي يسوس الداخل الإنساني المفعم بالأفكار والخيالات وصراع
. الرغبات المحتدم
إذ يرصد حليم يوسف إحساس من ينتظر التحقيق ، حصر البول في المثانة والرغبة القصوى في إخراج هذا الطوفان ، والحديث عن هذه اللحظة وقيمة أن يتخلص المرء المحصور من بوله حين يطول الانتظار، ويتلاشى الخوف كله وحتى رهبة الموت ، أمام تلك الرغبة في إراحة المثانة، ذلك الشعور أكبر وأهم من أي شيء قد ينتظر المعتقل، إبان طولة مدة انتظاره للتحقيق، عالم آخر، ويرصد حقيقة سوداء من حقائق الحياة المستترة، عالم معتم يشبه الموت في دنوه ، وكذلك انعكاس لوجع غفير يقضج المضاجع ويمنع المرء من الفرح ، يوقظ في الإنسان علّات السلوك، ويضع السلطة الاستبدادية أمام تساؤلات تفرضها حالات القهر ، إنها محاولة المنظومة السياسية تجريد الإنسان من كل قيمة أو هدف،وجعله مهمشاً، غير قادر على المطالبة بشيئ أو تغيير شيء، سوى انتظار حتفه أو لحظة خروجه من السجن،يعاين الكاتب حالة الانتظار تلك ليراها تجسد وجع المرء مع الزمن، وصراعه ليثبت ويصمد أمام كم الأفكار والرغبات وحالات الألم والانفعال التي تكابدها النفس، حيث هناك جانب ثمين من داخل الإنسان يتداعى كل دقيقة ، الزمن بطيء جداً، وثقيل وعلى المرء أن
. يكون عتيداً صلداً، للتغلب على حالات الموت المتكررة المارة عليه
حرب السلطة البعثية هو لتحويل الفرد المنتج إلى مفلس، والمبدع إلى محبط، والثائر إلى جثة، تتركز حرب الإستبداد على تدمير المعرفة داخل الأفراد، وكذلك الرغبة في الارتقاء، لهذا أشرنا من البداية لضراوة هذا الصراع التاريخي القديم والمتجدد بين قوى المعرفة وقوى التجهيل، على الرغم من فداحة هذا الصراع ومعاناة الجماهير الجسيمة من حماقات السلطات الشمولية وإجرامها بحق جماهيرها، فإن تلك الحرب المستهدفة إرادة الإبداع لدى الإنسان بالدرجة الأولى ، محتدمة ومستمرة، على الرغم من المخاضات العظيمة ، تلك الحرب تهدف لكبح الفكر الحر، والرقي النفسي، إذ يحارب المعرفيون ، والمعرفيات معاً طغمة الفساد المتصدرة المشهد السلطوي، والطغمة المناهضة التي تتاجر بدماء وطاقات الثائرين وتهدف لتحوير البوصلة لصالحها بغية إقامة سلطة أسوأ وأكثر تدميراً وإجراماً ترث تلك السلطة القائمة وتعمل على استعداء الحرية والفكر الحر، لهذا فأعباء المعرفيين تزداد مع الوقت، ولا سيما في الشرق الأوسط ، والنموذج المثال سوريا، وحالة التخبط التي تعانيها كبلد مصطنع الهوية ، والمعرفي يحارب بالفكر والسلاح معاً، يدين بعشق الأرض ، أكثر ، ولا يلقي بالاً على الإيديولوجية التي تسيّره، كونه مدفوع بولاء روحي منبعه الوطن، تلك الحالة الراقية واعدة بكل خير على الرغم من المعاناة والهيمنة السلطوية التركية أو الإيرانية على تلك الهبات العفوية الصادرة عن معاناة شعبية، إلا أن تلك الإرهاصات تليها حتماً بروز وعي معرفي ملح وضرورة للإرتقاء الفكري لإدارة البلد وحمايتها من التوهان في معمعة المصالح والإرادات الدولية والإقليمية
ليس غريباً أن تضع السلطة في مخافرها الأمنية وأقبيتها المخابراتية بشراً مجردين من المعرفة والإحساس، حيث أشار حليم يوسف لريادة أسوأ الجهّال وتسلمهم مراكز وأفرع الأمن وإشرافهم على التعذيب واقتياد المعتقلين لجهات مجهولة، في إشارة مهمة لعداء قوى السلطة مع المعرفيين المدركين لحجم المعضلة التي تكابدها الجماهير في ظل بقاء هكذا سلطات تعسفية تتحكم في صيرورة الحياة والزمن، وتجعل المجتمع غارقاً في متاهة الضياع والانزواء عن ركب الحاضر، يشير أيضاً لسحنات المحققين الأشبه بالذئاب والفئران ، وعقولها المتلبسة لجماجم الحمير والبغال، كل ذلك من صفات الحيوانات المنطبقة على سلوكياتهم الفجة وإمعانهم في قهر الناس، وإلزامهم أن يعيشوا حياة المشقة والضنك، وكذلك ليغوصوا أكثر في متاهة الخوف، وسراديب الضياع، حيث قطع صلات المجتمع بعضه بعضاً من أولى ركائز تفتيت الطاقات وزج الأفراد في صدامات نفسية تدفعهم لمزيد من العزلة والتقوقع في متاهات الإنغلاق، هذه الأنظمة هي حصيلة تلاقح شاذ بين العروبة الصحراوية والفاشية الأوروبية التي برزت في مرحلة الحربين العالميتين بصعود وتنامي دور الدول القومية، لهذا تتسم بكونها عابرة للبيئات، وتسهم في غزو المجتمع بالخوف، إينما كان يقطن في أماكن الخصوبة أو في أماكن اليباب، أنظمة متعطشة للجهل وتخريب العقول والملكات، لا تهتم بالخدمات ولا بالمرافق، وآخر همها تطوير وتنمية الدولة والمجتمع، وإنما استثمار موارد الأرض خدمة لأصحاب الجيوب المتحكمين بمفاصل الدولة ، وهم أصحاب الثروة والنفوذ المادي والسطوة العسكرية، لقد قبض نظام البعث على التنمية والموارد الاقتصادية وكذلك طوّع الجيش لأهدافه في البقاء، فبات الجيش والاقتصاد بيد عائلة الأسد ومن والاهم ، أما هدف المعارضة البائسة فتتمثل في رحيل العائلة وطبقتها العلوية الطائفية وجلوسها كبديل في حكم سوريا وترى نفسها ممثلة عن الطائفة السنية التي يتزعمها الأخوان المسلمون الموتورين منذ أيام أحداث حماة سنة 1982، مما لاشك فيه فإن الرواية لا تحتمل ثقلاً تنوء به ولا تنشغل بالتفاصيل المسترعية ذهن الناقد الإيديولوجي، وإن عقد المقاربة فيما بين الناقد والمؤلف في سياق الإيديولوجية يعد عملاً ناجعاً، إذ تبين الرواية كل مسارات وفكر المؤلف واتجاهه السياسي بطريقة فنية تتسم بالتضمين والتلميح وكذلك تحييد الأفكار المباشرة، واستبدال ذلك بالدراما الجاذبة المؤثرة والماتعة، تلك مقومات تتفرد بها الرواية دون النقد أو الفلسفة، والناقد
. الإيديولوجي يعمل على بيان المسارات المتصلة بين الأدب والفلسفة ، أو الأدب والسياسة ، أو التاريخ ، وهكذا
حيث يستند حليم يوسف على مزج الوجدان الجمعي بحقائق واقعية تمارس في أقبية المخابرات السورية،، لتسليط الضوء على الإجرام الممارس خلف الكواليس، وليبين قدرة الأدب على الإفصاح بنوازع الوجدان بلغة الأدب التي تتوسط الشعر والسرد القصصي، لتعطي تأثيراً للحدث وتعمد على فهم دلالته في سياقات إنسانية تجسد معضلات السلطة في إيغالها فتكاً
. وبطشاً بالناس ، لأجل سد ثغرات خوفها من كابوس التغيير


: الخلاصة *

يركز الكاتب حول قضية الصراع الوحشية، بين السلطة البعثية وأنصار التغيير، وحول عدم التكافؤ بين القوتين، في بدايات هذا الصراع، من ثم مروراً بالتغير الذي بات يصعد تدريجياً في نفوس وقسمات السجانين والمسجونين على حد سواء، القابعين في السجون الصغيرة والكبيرة، المنتظرين شرارة البدء بقيام بعمل ما، سياسي، أو عسكري ، أو انقلابي، حيث يبين الكاتب أن الدولة البعثية هي دولة حيوانات لاحمة، جائعة على الدوام، وتستمتع بأكل اللحم البشري نيئاً كالحيوانات ولعل ذلك دأب كل الأنظمة المخابراتية المعتمدة على العنف كمادة أولية أساسية في ترهيبها للناس وحثهم على أن يكونوا تماثيل ساكنة، تكرار الكاتب لمفردتي الوحش والتمثال،بيان لحالة الترابط التاريخي ، إذ أن تمجيد التمثال واعتباره كائناً أبداً، ليكون بمثابة وثنية للخوف والنظام الشمولي يستدعي على المدى غير المنظور لقيام حركات تتخذ العنف طابعاً عاماً وقد يكون
. ردة فعل هدامة ووحشية مضادة لوحشية ممنهجة وقائمة
إذ أحسن حليم يوسف فهم الانتحار وعزا ذلك لفساد السلطة وانتشار الظلم ، حينما رصد يأس المعلم آرام ، إزا عجزه عن مساعدة سالار وإخراجه من السجن، فوضع حداً لحياته شنقاً عبر ربط أحد التماثيل الكبيرة بحبل ، في ظل استبداد النظام الاستبدادي ترتفع معدلات الانتحار، وتصبح الحياة أكثر صعوبة ويستطيع الأدب وفق تلك الصعوبات النفسية أن يسهب في الحديث عن دوافع إنهاء الحياة ومآلاتها على الآخرين، فالإعدامات والأحكام المؤبدة من ناحية وحالات الانتحار من ناحية أخرى دليل على استحالة بقاء النظام على ماهو عليه لأمد طويل، وهي مؤشرات عظيمة للانفجار الشعبوي ، وفهمنا لتلك الحقيقة يعود للأدب وأخصها الرواية ، فهي القادرة على قراءة النفس الإنسانية ومعاناتها بصورة سلسة مؤثرة وكذلك فأن الرواية الراصدة للموت بأشكاله انتحار أم قتال أو قتل الضحية، تعمد لصياغة التاريخ عبر فهم مغاير للحقبة الزمنية ، وكيفية مواجهتها، إنها توثيق وجداني للزمن، ففي بحثنا لتلابيب الرواية وفحواها، لا نجد اللامعقول هنا سائداً بالمقارنة مع سوبارتو وعندما تعطش الأسماك أو 99 خرزة مبعثرة، حيث ختم الكاتب رواياته السابقة بطريقة خيالية لا
. معقولة ، بعكس هذه الرواية الجادة والتي لا تحيد عن الواقع قيد أنملة،