الديون الدولية وتداعياتها

فؤاد النمري
2019 / 11 / 17

تأخر أحدهم ليتحدث عن الديون الدولية وتداعياتها، واستدل على تداعيات لا تستدعيها . لاستهجاني لمثل هذا الهذر في علم الإقتصاد حيث عزا الديون الدولية للتطور الفائق في أدوات الإنتاج (!!) فالعثرة الأصعب التي تتعثر بها الإنسانية حالياً وتعيق بالتالي التطور التاريخي لمختلف المجتمعات هي عدم فهم البنية الحقيقية للنظام الرأسمالي . ما يثير الحنق والسخط معاً هو أن الشيوعيين سابقاً بالأخص الذين خانوا قضية البروليتاريا الشيوعية يشاركون مجندي الفكر البورجوازي في طمس حقائق كبرى في النظام الرأسمالي وما ذلك إلا لتبرير خيانتهم متجاهلين حقيقة أن كارل ماركس ما كان ليكون ذلك البشير الشيوعي قبل أن يشرّح النظام الرأسمالي التشريح العضوي الدقيق كما في كتابه "رأس المال" .
إدّعى أحدهم أن النظام الرأسمالي أخذ يعتمد في عملية الإنتاج على استخدام التكنولوجيا الرفيعة بدل قوى العمل مما خفّض في كلفة الإنتاج وضاعف في فائض القيمة وأرباح الرأسماليين وإفقار العمال بالمقابل وطرد أعداد غفيرة منهم إلى البطالة فلم يعودوا قادرين على شراء واستهلاك الجزء الأكبر من الإنتاج وبذلك دخل المجتمع في تناقض كبير بين الفقراء والأغنياء .
مثل هذا الهذر في علم الإقتصاد من شأنه أن يعكس الفعل السياسي إلى الضد لما يتوجب أن يكون .

ما يجهله هذا المتطفل على علم الإقتصاد، وكثيرون مثله، هو أن علم الإقتصاد بمختلف فصوله وقوانينه يتأسس على قاعدة واحدة تقول أن قيمة السلعة (Commodity Value) تحددها قيمة قوى العمل (Labour Power) المختزنة فيها أو اللازمة لإنتاجها . أدوات الإنتاج مهما كانت سويّتها التقنية لا تعطي السلعة أية قوى عمل إذ لا تفقد من قيمتها التبادلية أو الإستعمالية أدنى مقدار. قيمة السلعة هي دائماً القيمة التبادلية للطاقة المختزنة في السلعة، الطاقة البشرية من العمال والطاقة الصناعية المتمثلة بوقود تشغيل أدوات الإنتاج التي لا تعطي أدنى طاقة للإنتاج . قيمة السلعة لم تكن يوماً محط خلاف بين آباء علم الإقتصاد، سميث وريكاردو وماركس . فالإدعاء بأن التقنيات الحديثة تساعد في مضاعفة الإنتاج مما يضاعف الربح هو منافٍ لما يؤكده ماركس وهو أن تزايد الإعتماد على أدوات الإنتاج المتطورة من شأنه أن يميل معدل الربح إلى الهبوط حيث تحل أدوات الإنتاج المتطورة محل العمال وبذلك تنخفض كمية الطاقة المختزنة في السلعة وتنخفض تالياً القيمة التبادلية لذات السلعة . القيمة التبادلية للسلعة تتناسب تناسباً طردياً مع كمية الطاقة المختزنة في السلعة وقيمتها التبادلية . العمال وحدهم هم من يخلقون فائض القيمة. العمل البشري هو وحده فقط ما يخلق قيمة أعلى من قيمته التبادلية ؛ ينتج العامل قيمة عمله التبادلية في 6 ساعات من العمل المواظب بينما هو يعمل 8 ساعات يومياً ؛ عمله خلال الساعتين الأخيرتين هو ما ينتج فائض القيمة ومنه فقط تتحقق أرباح الرأسمالي .

الإدعاء بأن التكنولوجيا الحديثة أدت إلى تعمق النظام الرأسمالي وزيادة أرباح الرأسماليين أمر يثير السخرية حقاً وليس فقط يعاكس تماماً مبادئ ماركس الأساسية . كيف لأدوات الإنتاج أن تخلق قيمة بذاتها !!؟ - ذلك ليس أقل من هذيان . ثم ألا يلاحظ مثل هذا المهذار أن البلدان الرأسمالية الكلاسيكية والتي تقدمت في حقل التقنية الرفيعة تعاني اليوم من قصور هائل في الإنتاج بالعكس مما يدعي، وتحتل أعلى الدرجات في جدول المديونية العالمية نظراً لعجوزات مستدامة في ميزانها التجاري وهو ما ينفي نفياً قاطعاً استمرار النظام الرأسمالي الذي ميزته الأولى والأخيرة هي إنتاج ما يزيد على قدرة المجتمع بشرائه بسبب فائض القيمة المتحققة بفائض الإنتاج .

صندوق النقد الدولي يؤكد مؤخراً أن العالم يستدين سنوياً أكثر من 3.8 ترليون دولاراً دون أن يسدد منها شيئاً وهو ما يعني أن قوى الإنتاج فيه لا تنتج ما يسدد احتياجات عيشه . أمام هذه الحقيقة الثابتة على مستوى العالم لا بد من الإعتراف بانهيار قوى الإنتاج في العوالم الثلاث الموروثة من الحرب العالمية الثانية .
بدأ الإنهيار في الإتحاد السوفياتي حين استولى العسكر على السلطة في العام 53 وقلبوا الإنتاج المدني إلى الإنتاج الحربي ومعدات الحرب لا قيمة استعمالية لها في الحياة المدنية ولا قيمة تبادلية لها بالتالي .
أما في المعسكر الرأسمالي فقد حدث الإنهيار المروع بعد أن فقدت مراكز الرأسمالية الإمبريالية الأسواق الخارجية حيث كانت تصرف فائض الإنتاج فيها بفعل ثورة التحرر الوطني العالمية وهو ما تسبب بتعطيل الإنتاج الرأسمالي وعماده الوحيد هو فائض القيمة المتحقق بفائض الإنتاج .
أما في العالم الثالث فلم يكن هناك قوى ذات شأن لتنهار باستثناء عمال الصناعات الإستخراجية المعتمدة على الصناعات الرأسمالية في مراكز الرأسمالية وقد انهارت .

الإنهيار في الإتحاد السوفياتي لا يشكل لغزاً بحاجة إلى تفكيك حيث أن السلطات السوفياتية أخذت تعترف بأن معداتها الحربية التي راكمتها منذ الخمسينيات قد باتت زبالة يلزم التخلص منها وبدأت تتخلص منها بتحطيمها اعتماداً على مساعدة مالية من أميركا . ومما يثير السخرية حقاً هو أن الأسلحة التي تم إنتاجها للحماية من عدوان أميركي مزعوم يتم تفكيكها في نهاية المشوار بمساعدة أميركية !!

اللغز الصعب الذي لم ينجح حتى اليوم الباحثون والأخصائيون في علم الإقتصاد في تفكيكه هو لغز الإنهيار الحقيقي لقوى الإنتاج في الولايات المتحدة . الولايات المتحدة وقد باتت الحصن الأخير للنظام الرأسمالي بعد الحرب العالمية الثانية لم تفقد تلك الحصانة بفقدان الأسواق الخارجية بصورة رئيسية بل بسبب إنفاقها المحموم في مقاومة الشيوعية ومنها حربها المكلفة في كوريا وحربها الكارثية في فيتنام بالإضافة إلى إغداق المساعدات المالية على الدول المشاركة في مقاومة الشيوعية مثل مشروع مارشال الذي كلف الولايات المتحدة 12,5 مليار دولار في نهاية الأربعينيات وتعادل اليوم 300 مليار وكان العنوان الرسمي للمشروع هو مقاومة الشيوعية ؛ ووصل الأمر بلوثة مقاومة الشيوعية من تأسيس مجرم الحرب ترومان والسناتور مكارثي ووزير خارجية ايزنهاور دالاس وصولا إلى الرئيس جونسون وخليفته نكسون أن أقام هؤلاء الحمقى ما يشبه النظام الرأسمالي في دول شرق وجنوب شرق آسيا فكان أن بدأ الشعب الأميركي يعيش على البضائع الشرق أسيوية ويتعطل عمال أميركا عن العمل .
في العام 71 وجد الرئيس نكسون نفسه في قاع المنحدر ؛ خزانة الدولة فارغة وعائداتها لا تكفي للإنفاق على الحرب في فيتنام خاصة إثر انكماش ملحوظ في النظام الرأسمالي . إذاك تقررالإنسحاب من معاهدة برتون وودز التي تقضي بغطاء ذهبي مناسب للنقد وهو ما يسمح بطباعة دولارات غير مغطاة تكتسب قيمتها في السوق من الدولارات القديمة . طباعة دولارات جديدة دون غطاء ذهبي أو بضاعي يعني دون لبس أو إبهام السرقة من قيمة الدولارات التي يحملها الآخر المنتشرة في كل أصقاع الأرض . خسر الدولار حوالي 40% من قيمته خلال السنوات الخمس الأولى من السبعينيات وكان ذلك دلالة قاطعة على انهيار النظام الرأسمالي طالما أنه لم يعد ينتج البضائع الكافية لتغطية نقوده ؛ تلك هي الحقيقة الصادمة لأنصار النظام الرأسمالي الذين يبتدعون أوهى الحجج لينكروا هذه الحقيقة الصادمة .

الطغمة الحاكمة في الولايات المتحدة في السبعينيات لم تكن تعلم أن النظام الإشتراكي في الإتحاد السوفياتي كان قد بدأ بالتفكك في الخمسينيات مما جعلها تبحث عن عملية إنقاذ للنظام الرأسمالي وهي لا تعلم أن التاريخ لا يعود إلى الخلف . استدعت الدول الرأسمالية الأربعة الأخرى في قمة رامبوييه 1975 (G 5) الأول ليقرروا محاولة العودة لإنتاج البضاعة عن طريق فتح التجارة مع الكتلة الإشتراكية وإهالة القروض السهلة على الدول المستقلة حديثا كيما تعود هذه الدول أسواقاً لبضائعها مثلما كانت قبل الإستقلال ؛ وفي حالة الفشل في استئناف الإنتاج الرأسمالي البضاعي ستلجأ الدول الخمسة لفرض القيمة الثابتة لعملاتها الصعبة آنذاك وذلك بفصل قيمة نقودها عن قيمتها البضاعية المتمثلة بالذهب فكان أن قررت ثبات القيمة التبادلية لنقودها في أسواق الصرف ساعدها في ذلك سيطرتها آنذاك على التجارة العالمية .
ذلك كان يعني إنتهاء استغلال الرأسماليين للعمال وقوى العمل والإستعاضة عن ذلك ببيع نقودهم المكشوفة والمفرغة من كل قيمة بأسعارها الرأسمالية وهي ليست رأسمالية أي منبتة العلاقة مع القيمة البضاعية .

مائتا مليون عاملاً في مراكز الرأسمالية الخمسة باتوا بلا شغل فكان أن تحول ملايين العمال إلى إنتاج الخدمات وهو إنتاج فردي غير رأسمالي ولا قيمة تبادلية له . ملايين العاملين في القوات المسلحة وفي التعليم والعناية الطبية وفي النقل والبنوك وشركات التأمين وما إلى ذلك من خدمات تكلف المجتمع أموالاً طائلة ولا تعطيه نقيراُ حيث قوى العمل لعامل الخدمات لا تختزن في المنتوج بل تستهلك كاملة ولا تعود ذات قيمة .
مجمل الإنتاج السنوي يصل إلى عشرين ترليون دولار كما يعلنون في الولايات المتحدة منها 16 ترليون هي كلفة إنتاج الخدمات التي لا تضيف دولاراً واحدا إلى الإنتاج الحقيقي المادي لمجمل إنتاج الولايات المتحدة ومع ذلك يترتب على الإدارة الأميركي أن توفر 16 ترليون دولاراً من مصادر أخرى من أجل إعادة إنتاج ذات الخدمات في السنة التالية وهو ما يثبت أن الخدمات لا قيمة تبادلية لها . المصدر الرئيسي لتوفير تلك المبالغ الهائلة هو طباعة دولارات جديدة تأخذ قيمتها من ترليونات الدولارات القديمة المنتشرة في العالم كله وخاصة في الصين التي تمتلك أكثر من خمس ترليونات غير قابلة للصرف، والمصدر الثاني وهو بيع الخدمات للعمال منتجي البضائع، والمصدر الثالث هو الإستدانة فالولايات المتحدة مدينة اليوم بـ 23 ترليون دولار وتستدين كما أكدت رئيسة الكونجرس نانسي بيلوزي كل دقيقة مليون دولار .
ما يلزم التوقف عنده مليّاً في هذا السياق هو تصريح الرئيس الأميركي باراك أوباما بخصوص معالجة "أزمة الرهن العقاري" في خريف العام 2008 التي أسيء تفسيرها على أنها أزمة النظام الرأسمالي رغم أن البنوك هي التي أفلست وليس المصانع، فعندما قررت الإدارة الأميركية معالجة الأزمة بتعويض البنوك المفلسة بسبعمائة مليار دولار، أكد أوباما أن مثل تلك المعالجة لن تجدي، العلاج الوحيد للأزمة هو العودة إلى الإنتاج البضاعي .
الرئيس أوباما هو السياسي الوحيد في العالم الذي عرف طبيعة الأزمة التي تمسك بخناق العام منذ نصف قرن . الجنوح لإنتاج الخدمات بدل البضائع هو علّة مختلف العلل التي تفتك بجسد العالم المعاصر وتسارع بانهياره .
انحراف العالم من إنتاج البضاعة إلى إنتاج الخدمات كان مهرباً من الإنتقال إلى النظام الإشتراكي بعد انهيار النظام الرأسمالي في سبعينيات القرن العشرين . طبعاً لا يمكن العودة إلى الإنتاج البضاعي بغير الإنتظام في النظام الإشتراكي . لم يجرؤ أوباما بالطبع أن يعلن ذلك .
كثيرون من يسألون عن طبيعة النظام القائم اليوم في العالم إذا ما كان النظام الرأسمالي قد انهار فعلاً سابقاً .
النظام الرأسمالي قد انهار فعلاً في سبعينيات القرن الماضي وما "النظام" الماثل اليوم سوى "فوضى الهروب من الإستحقاق الإشتراكي" وليس أدل على ذلك من أن الدولار المكشوف والمفرغ من أية قيمة بضاعية هو الذي يقرر خريطة العالم الجيوسياسية .