المجالات الهوياتية: الشباب يعيد تعريف المُشتَرَكات

سعيد عيسى
2019 / 11 / 17

تتعرّض ثوابت الهويّات في العالم كافة للزعزعة، والتفكّك، بفعل التأثيرات المعولمة، التي تذيب الفرد وخصوصياته، وتؤدي إلى انبثاق هويّات كان حتى الأمس القريب يُعتقد أنّها قد تلاشت، وتحوّل خطاب الخصوصيّة الثقافيّة، والهويّة، مدخلا أيديولوجيا تحتمي به الجماعات المهمّشة، لتحصين نفسها والدّفاع عن مصالحها، في مواجهة الآخر، وفي احايين كثيرة وسيلة تدافع بها عن ذواتها، خوفًا من التغيير، الذي قد يصيبها، وهي دَرَجَت على ما اعتادت عليه، عائشة ضمن مَعزِلها، راضية به وراضٍ هو بها.

أتاحت الانتفاضة اللبنانيّة، لجموع وافرة من اللبنانيين، التعبير عن خروج عام - وإن يكن متباطئا – من الهويّات الفرعية، الطّائفية، والمذهبيّة، والمناطقيّة، مترادفًا مع الخروج من الهويّات الإيديولوجيّة، ذات الطابع القوميّ، أو العروبي، نحو الهويّات الوطنيّة، في كسر للمعازل، التي تحكّمت طويلا في البنى المجتمعيّة والسياسيّة والاقتصاديّة للجماعات اللبنانيّة؛ والخروج هذا، وإن كانت دوافعه موجودة، وكامنة، لكن محفّزاته وظروفه، لم تكن بعد متوافرة، وإن كانت تباشيره تلوح، بين فينة وأخرى، او حدث وآخر.

نجحت الهويّات المؤدلجة حينا، والمتمذهبة أحيانًا أخرى، لحقبات زمنيّة واسعة، من احتلال مساحات واسعة في وعي اللبنانيين، فاستطاعت تفكيك مساحة المُشترَكات، وشظّت الهوية الوطنيّة، ومعها الدّولة كمؤسّسة جامعة، وبنتها وفق منطقها، مستعينة بالمصالح الدوليّة، وتجاذباتها، وصراعاتها، موظّفة بكثافة عالية، المعطيات الدينيّة، والثقافيّة، والإيديولوجيّة، ومنطق الأقليّات، وخوفها من الآخر، لكنّها، رغم ذلك، لم تستطِع أن تقفز فوق بنية المصالح الاقتصاديّة للجماعات، الذي بقي مُشتَرَكًا أساسيًّا وحاكمًا لكلّ تلك الهويّات، في ظلّ تسيّد جيل من الشباب للاجتماع اللبنانيّ، منفضّ عن الهويّات الكلاسيكيّة، المتناقضة، والمتناحرة، ولديه هويته الخاصّة المتعدّية لكلّ سابق من الهويّات.

لن تقوَ الهويّات الجاهدة على إبقاء لبنان، على ما هو عليه، أو تلك السّاعية للتغيير عبر أدوات لم تألُ جهدا على اعتبارها صالحة لكلّ زمان ومكان، ويجب ان تعترف بضعف واضمحلال قدرتها على استيعاب جيل جديد من الشباب، وعيه متشكّل، ويتشكّل، على غير ما دَرَجت عليه الهويّات التي سبق ذكرها، السّاعية لضبطه، والسّاعي هو لنقضها، فنفيها؛ الوقت قد حان، للاعتراف بالشباب كقوّة تغيير لعالمه، الذي يراه على هيئته، وشكله، ومثاله، حان وقت استراحة الإيديولوجيّات، الزمن الآن للعقل الرّقميّ.