أنماط التمدد الحضاري: الثقافة ومشروع طريق الحرير نموذجا

حاتم الجوهرى
2019 / 11 / 17

حينما قدمت مؤخرا مبادرة "تبادل المزيج الثقافي" على امتداد طريق الحرير في "ملتقى تطوير العلاقات المصرية الصينية"، الذي عقد بالمركز الثقافي الصيني بالقاهرة في 19 سبتمبر من هذا العام، كانت المبادرة تتويجا لدراسة للحالة الصينية من جهة وللحالة العربية من الجهة الأخرى، ومن جهة ثالثة نتاجا لاهتمام طويل وممتد وقديم بدراسة ما يمكن تسميته بـ"أنماط التمدد الحضاري" والتدافع بين الأمم عبر تاريخ البشر الطويل.

مفهوم "أنماط التمدد الحضاري"
وعلاقته بـ"مستودع هوية" الذات والآخر
ففي مجال تصور السياسات الخارجية للدول والجماعات البشرية؛ يجب أن تنظر بالعقل للوراء أولا قبل أن تمد القدم للأمام، لتعرف ما كان حتى يمكنك ان تدرك ما سيكون ومآلاته، من هنا تطورت فكرة البحث عن "أنماط التمدد الحضاري" والتدافع أو التوسع عبر التاريخ، سواء داخل "مستودع الهوية" الخاص بالذات الواحدة وعبر المكونات الخاصة بها، أو فيما هو بيني يجري بين مجموعة من الذوات تتدافع فيما بينها من خلال "مستودعات الهوية" الخاصة بكل منها، وعادة ما يكون نمط الحياة الذي تفرضه "الحاضنة الجغرافية" على القاطنين بها، والمعتقد، والعرق هم الروافد الأساسية الثلاثة التي تشكل "مستودع الهوية" الخاص بكل جماعة بشرية، بما يضمه من عادات وتقاليد تصاحبه وتتراكم على مر العصور، تتحول من خلالها إلى ثوابت أو مستلزمات يعتقد أهل كل "مستودع الهوية" في الدفاع عنها أمام الوافد عند الانكماش الحضاري، أو محاولة الترويج والدعوة لها عند التمدد الحضاري.
مع ملاحظة أن تطور تجربة كل جماعة بشرية في علاقتها بمستودع هويتها وظروفها الخاصة، تجعل كل "مستودع هوية" عند لحظة تاريخية معينة يتحول لنموذج سائد متفوق ويتحول أيضا لحالة التمدد حينها، بما يجعله يصبح نموذجا عالميا إما من خلال "أنماط التمدد الحضاري" الخشن أو الناعم، وقديما كانت معظم أنماط التمدد الحضاري يغلب عليها الخشونة بنسبة أكبر، لكن حاليا ومع ثورة المعرفة والتواصل الاجتماعي بين أفراد الشعوب وشيوع عدة لغات رئيسية كوسيط بينهم، أصبح من الإمكان أن يسود شكلا ما من أشكال "التمدد الحضاري" في صورة ناعمة.

خصوصية اللقاء الصيني العربي
على طريق الحرير الجديد
أعتقد أن "التمدد الحضاري" الناعم قد ينطبق على مشروع طريق الحرير الجديد، وبوعي أعلى في لقائه مع "التمدد الحضاري" الناعم لنموذج "ثورات الربيع العربي، مع الإشارة إلى الاختلاف بينهما (الذي قد يُنتج التكامل) فالنموذج الصيني في طريق الحرير أقرب للشكل المادي، لأنه يقوم على تدفقات نقدية هائلة تحيي محطات الطريق التاريخية، وتتوسع فيها وتجعلها منصة للتعاون الاقتصادي والسياسي والثقافي، في حين نموذج "ثورات الربيع العربي" هو أقرب للشكل المثالي والأخلاقي والاجتماعي الناعم – حتى اللحظة الحالية – من خلال بحثه عن تمثل جديد لـ "القيم الإنسانية الأعلى" بما يعطيه قوة نفسية وروحية وأخلاقية وكذا ثقافية ناعمة.

نموذج طريق الحرير الجديد
في مواجهة "أنماط التمدد الحضاري التاريخية"
من هنا أري أن طريق الحرير الجديد أمامه فرصة جيدة لتقديم نمط حضاري جديد للعالم، من خلال المزيج العربي والصيني تحديدا (مع احترام فرص كل منهما في التطور والتنمية الذاتية المستقلة التي لا تتعارض مع مسار ومشروع الطريق المشترك)، وهو نمط سيكون أكثر انفتاحا وقدرة على الانتشار الناعم عالميا، إذا اكتسب الزخم والدافعية المطلوبة وطور خطابا فعالا متدفقا معبرا عن طموح النفس البشرية وتطلعاته المشتركة في الإجمال. وذلك بالمقارنة بـ"أنماط التمدد الحضاري" التاريخية الأخرى التي منها: نمط التمدد باسم الدين أو المُعتقد (سماويا كان أو غير سماوي)، ونمط التمدد باسم الأيديولوجيا (النموذج السوفيتي والأمريكي)، ونمط التمدد باسم القومية وتأمين الحدود (الامبراطوريات القديمة مثل الامبراطورية المصرية وغيرها)، ونمط التمدد باسم التوسع الجغرافي وضيق الظروف الطبيعية (النموذج العربي القديم نحو بلاد الشام والعراق، والأوربي الحديث نحو الأمريكتين واستراليا وغيرهما).

أهمية الواجهة الثقافية
لطريق الحرير الجديد
اللافت للنظر في حالة الصين عندما بلغت لحظة "التمدد الحضاري"؛ أنها اختارت نمطا شديد الذكاء بالمقارنة بالأنماط التاريخية الأخرى للتدافع والتمدد الحضاري التي سبق الإشارة لبعضها، جعلت الأمر يرتبط أكثر بالتمدد الناعم صاحب الشكل الثقافي والحضاري، عندما قررت أن تجعل معيار التمدد هو الشراكة عبر المسار القديم لطريق الحرير التجاري، الذي كان يخرج من عندها ويصل لأوربا وأسيا وأفريقيا عبر البر (والبحر أيضا في مرحلة تاريخية لاحقة)، واختارت أن تجعل للأمر صلة بالتبادلات الثقافية والحضارية، مع عملية دمج للمشاريع الاقتصادية والتوجهات السياسية بطبيعة الحال داخل الطريق.

بحثا عن طريق في اتجاهين
في حقيقة الأمر الشكل الحضاري النهائي لمشروع طريق الحرير لم يكتمل الخطاب أو التصور المعبر عنه بعد، وفي تصوري أن الشكل النهائي سيعتمد على قدرة الدول المشاركة في الطريق مع الصين في أن تتفهم المسألة، وترتفع لتكن على مستوى الشراكة الفعلية وتجعل الطريق فعالا في الاتجاهين من الصين وإليها، وليس مجرد مركز يتمدد وأطراف تستقبل، الدول المشاركة في طريق الحرير الجديد تملك الفرصة لتشكيل معادلة حضارية جديدة، تختلف عن أنماط التمدد والتوسع الحضاري التاريخية، حالة فعالة ذات اتجاهين، وأرى أن الشريك العربي هو أبرز المرشحين (في ظرفيته الآنية) لمنح الطريق روحه الحضارية المغايرة، لأن الظرف التاريخي الخاص به جعل مستودع هويته بقدم مخرجا بشريا ناعما (مع ثورات الربيع العربي)، يتمثل في البحث عن "القيم الإنسانية الأعلى"، بما قد يُكمل التمدد المادي الذي وصلت له الصين، ويقدم مزيجا مغايرا وفعالا لمشروع طريق الحرير الجديد.

الثقافة وتبادل المزيج الثقافي
من خلال العناصر المشتركة
هنا ستكون الثقافة هى القاطرة، القاطرة من خلال شقيهما التاريخي والمستقبلي، حيث الثقافة المستقبلية المقصود منها بإيجاز تطوير خطاب معبر عن طموح المستقبل للنموذج البشري السائد في العموم. والثقافة التاريخية (الموروثة) المقصود بها أن تكون نقطة الانطلاق والتأسيس، وأعني بذلك تحول المشروع الثقافي على امتداد طريق الحرير، لنمط ثقافي مغاير ومضاد لفكرة المركزية الثقافية الأوربية، عندما استلمت راية التمدد الحضاري في القرن الماضي، لتتحول الثقافة على امتداد طريق الحرير إلى تبادل "المزيج الثقافي" الخاص بكل بلد، والبحث عن العناصر المشتركة بين بلدان الطريق وعلى طوله، من أجل الوصول لمزيج ثقافي جديد وطبيعي في الوقت نفسه، فيما يمكن أن نطلق عليه في العموم مشروع أو مبادرة "تبادل المزيج الثقافي بطريق الحرير".
لهذا قَرَنتُ عنوان الموضوع بكلمة نموذجا للسعي إليه واعتباره مثالا وغاية، ولم أستخدم كلمة أنموذجا بمعناها الإجرائي الأقرب للتمثيل عن الفكرة وليس المثال لها.

الأطر العامة المحددة
لمبادرة تبادل المزيج الثقافي
ووضعت أطرا واضحة للغاية والهدف من مبادرة "تبادل المزيج الثقافي" بطريق الحرير الجديد، لتصبح واجهة ناعمة للمشروع وفق المحددات التالية:

- تهدف المبادرة باختصار لتطوير شكل العلاقات الثقافية على امتداد طريق الحرير الجديد (ومن ضمنها العلاقة المصرية الصينية) لتتحول إلى فكرة التفاعل بين طرفين، وحركة مزدوجة في الاتجاهين من وإلى الصين، وليس من الصين وفقط.
- بدراسة أشكال وأنماط التدافع الحضاري التاريخية التي ارتبطت بالثقافة عموما تحديدا عبر التاريخ الحديث، نجد النموذج غير الفعال لفكرة المركزية في مشروع الثقافة الأوربي في معظم أبنيته، وبالتالي وجدت الفرصة مناسبة لكي تطور مصر والصين إطار العلاقات الثقافية في القرن الجديد، وتمنحها روحا جديدة تتجاوز التجربة الأوربية بموروثها السيء.
- رأيت أن يكون إطار المبادرة هو مشروع طريق الحرير الجديد ككل، وأن تكون مصر والصين نموذجا للفكرة، بما يجعلها تصلح للتطبيق على كافة الدول المشاركة في الطريق فيما بعد.
- ملخص الفكرة يقوم على أن العناصر الثقافية المختلفة على طول دول الطريق يوجد بينها الكثير من المتشابهات والمشتركات، من ثم يجب الدفع بهذه المشتركات والمتشابهات للواجهة، بحيث تتراجع لحد بعيد فكرة وجود مركز رئيس وأطراف مستقبلة فقط.
- وأسميتها مبادرة "تبادل المزيج الثقافي" لأن كل دولة على امتداد الطريق لها المزيج الثقافي الخاص بها، وستقوم المبادرة على تبادل المزيج الثقافي بين الدول، وليس على تصدير مزيج بعينه للواجهة الثقافية للطريق.. في محاولة لخلق مزيج ثقافي مشترك جديد على طول الطريق، وفق العناصر المشتركة بين دوله.
- وعند التطبيق على مصر والصين كنموذج للمبادرة، اخترت مجموعة من العناصر المشتركة التي يسهل المزج بينها وخلق مزيج جديد في روح جديدة، مثل عنصر الورق التراثي بين مصر والصين، ورق البردي المصري الذي يُصنع من نبات الحلفا، والورق التقليدي الصيني الذي يصنع من البامبو، ثم يمكن استخدام فنون الخط اليدوي بالتبادل، يكتب الخط الصيني على الورق المصري، ويكتب الخط العربي/المصري على الورق الصيني، بالإضافة لإمكانية تطبيق ذلك في مهرجانات للطهي تطرح فكرة استخدام عناصر الغذاء الأساسية، وطرق التعامل معها في الثقافتين، وطرحت العديد من العناصر الأخرى الممكن استخدامها عند التطبيق كتابلوهات فنية تمثيليبة تستعرض طقوس الحصاد مثل بين الثقافتين، والعديد من الأفكار الثقافية الأخرى الممكن وضعها في الإطار نفسه.

خاتمة: الثقافة في محك التمدد الحضاري
في حقيقة الأمر لن يعتمد الشكل النهائي لمشروع طريق الحرير الجديد على الصين وحدها، بقدر ما سيكتب مصير معادلته الحضارية ويعطيها سمتها النهائي مجموعة الدول المشاركة في الطريق، الصين طرقت مسارا وفتحت بابا لكن إلى أين سيمتد المسار وما شكله النهائي؟ ذلك سيقع ثقله الأعظم على الجانب الآخر من الطريق، على عاتق الدول المشاركة مع الصين، لأنه بطبيعة النفس البشرية هي تميل للنزوع للسيطرة والاعتداد بـ"مستودع الهوية" الخاص بها، ولو لم يقدم المشاركون في الطريق ما يحتاجه الأمر بالفعل سيصبح الطريق اتجاه واحد في تكرار لنماط التمدد الحضاري القديمة، ولن يحجز مكانه في التاريخ بأن يصبح الطريق في اتجاهين وليس في اتجاه واحد..!
قد ينتهي الأمر بمشروع طريق الحرير ليصبح مجرد إرهاصة عابرة لتمدد حضاري من طرف واحد (مركز رئيس ومجموعة نهاية طرفية)، أو مجرد شكل إجرائي لم ينل الاهتمام والوعي حتى يحقق مضمونه وروحه النهائية..
من هنا تحملت المسئولية وقدمت تصوري للمساهمة في تطوير نمط "التمدد الحضاري" في الحالة الصينية التي تشارك فيه مصر (التي تملك أفضلية ناعمة بوصفها إحدي دول الربيع العربي)، من خلال مبادرة "تبادل المزيج الثقافي" على امتداد طريق الحرير. وباعتبار الثقافة وعناصرها المشتركة قد تحظي بفرصتها الواضحة هذه المرة، لتختبر قدرتها على قيادة النمط الحضاري الجديد، ومنحه تصورا مغايرا لمعظم "أنماط التمدد الحضاري" التاريخية.