الوحي التقدمي في البهائية

رسلان جادالله عامر
2019 / 11 / 16

ترجمة عن ويكيبيديا

*

الوحي التقدمي -أو التصاعدي- (Progressive revelation) هو تعليم أساسي في العقيدة البهائية، ويرى أن الله قد كشف الحقيقة الدينية بشكل تدريجي ودوري عبر الزمن من خلال سلسلة من الرسل الإلهيين، وأن التعاليم مصممة لتناسب احتياجات زمان ومكان ظهورها، وهكذا، فإن تعاليم البهائيين تعترف بالأصل الإلهي للعديد من الديانات العالمية على أنها مراحل مختلفة من تاريخ دين واحد، مع الاعتقاد بأن الوحي البهائي هو الأحدث (على الرغم من أنه ليس الأخير، فلن يكون هناك وحي أخير)، وبالتالي فالوحي البهائي هو الأكثر صلة بالمجتمع الحديث.
هذا التعليم هو تفاعل بين أبسط التعاليم ومضامينها، ويرتبط المفهوم الأساسي فيه ارتباطًا وثيقًا بآراء البهائيين حول وحدة الله الجوهرية، وطبيعة الأنبياء، الذين يطلق عليهم تسمية "مظاهر -أو تجليات- الله" (Manifestations of God)، كما" يرتبط أيضًا بوجهات النظر البهائية حول غرض وطبيعة الدين والقوانين والمعتقدات والثقافة والتاريخ، ومن ثم ينظر إلى الوحي على أنه تقدمي -أو تصاعدي- ومستمر، وبالتالي لا يتوقف أبدًا.


1-الدورات التقدمية:

1,1- الشرائع:
يؤمن البهائيون بأن الله بشكل عام يكشف بشكل دوري ومنظم عن إرادته للبشرية من خلال الرسل أو الأنبياء الذين يطلق عليهم اسم "مظاهر الله"، وكل رسول بدوره يؤسس العهد ويؤسس الدين، وعملية الوحي هذه، وفقًا للكتابات البهائية، لا تتوقف أبدًا، وهذا ما يتعارض مع العديد من المعتقدات الأخرى التي تؤمن بختامية نبيهما أو رسولهما؛ والفكرة الرئيسة في مسألة الأديان المتعاقبة والمستمرة التي يؤسسها مظاهر الله هو أن هناك توجها تطوريًا في ذلك، وأن كل مظهر من مظاهر الله يجلب قدرًا أكبر من الوحي (أو الدين) للبشرية أكثر من الديانة السابقة؛ أما الاختلافات في الوحي الآتي عبر مظاهر الله، فيعتبر أنها ليست متأصلة في خصائص تجلي الله، ولكنها تعزى بدلاً من ذلك إلى العوامل الدنيوية والاجتماعية والبشرية المختلفة؛ وهذه الاختلافات تتفق مع"الظروف" و"المتطلبات المختلفة للعصر" و"القدرة الروحية" للإنسانية؛ وهذه الاختلافات يُنظر إليها على أنها ضرورية، لأن المجتمع البشري قد تطور ببطء وبشكل تدريجي عبر المراحل الأعلى من الاتحاد من الأسر إلى القبائل ثم الأمم.
وهكذا، فإن الحقيقة الدينية تعتبر نسبية إلى متلقيها وليست مطلقة، فبينما يعلن الرسل عن حقائق أخلاقية وروحية أبدية ويجددها كل رسول، إلا أنهم يغيّرون رسالاتهم لتعكس التطور الروحي والمادي للإنسانية في وقت ظهور الرسول، ومن وجهة النظر البهائية، نظرًا لزيادة القدرة والقابلية الروحية للإنسانية مع مرور الوقت، فالدرجة التي تُفسر فيها هذه الحقائق الروحية تتغير أيضا.
أوضح حضرة بهاءالله، مؤسس الدين البهائي، أن ظهور الرسل المتعاقبين يشبه المجيء السنوي للربيع، الذي يجلب حياة جديدة إلى العالم الذي أصبح يهمل تعاليم الرسول السابق، كما شبه أيضا العالم بجسم بشري، والوحي بثوب من "العدالة والحكمة".
وكلما حقق هذا الثوب هدفه، فإن الله سوف يجدده بالتأكيد، فكل عصر يتطلب مقياسا جديدا من نور الله، وكل وحي إلهي قد تم إرساله بطريقة تليق بظروف العصر الذي ظهر فيه.
ذكر حضرة بهاءالله في "كتاب الإيقان" أن الله سوف يجدد "مدينة الله" كل ألف عام تقريبًا، وذكر على وجه التحديد أن ظهور الله الجديد لن يتم خلال 1000 عام من ظهور الرسالة البهائية.
تم تسمية كل من محمد ويسوع وموسى وزرادشت من قبل حضرة بهاءالله على أنهم من بين مؤسسي الأديان، الذين تطلق عليهم تسمية "مظاهر الله"، وكذلك بهاء الله هو نفسه، وسابقه "الباب"، وقد أشار حضرة بهاءالله أيضًا صراحةً أو ضمنيًا إلى آدم، نوح، صالح، هود، ورسول لم يُذكر اسمه من الصابئة كرسل الله، ولم تذكر أعمال بهاءالله الموجودة اليوم بوذا أو كريشنا أبدًا كمظاهر إلهية، لكن ابنه عبد البهاء ذكر في أعماله الخاصة أن بوذا وكريشنا كانا من مظاهر الله بالفعل.

2,1- الدورات الكونية:
بالإضافة إلى فكرة الكشف التدريجي عن الدين من قبل الله نفسه عبر الأنبياء والرسل المختلفين، توجد أيضًا في الكتب البهائية، فكرة "الدورة الكونية" (universal cycle)، التي تمثل سلسلة من الشرائع (dispensations)، وتستخدم في تصنيف التاريخ البشري والتطور الاجتماعي بعدة طرق، ويُنظر إليها على أنها مجموعة فرعية من تسلسل الكشف التدريجي، وتشتمل حاليًا على دورتين.
تم الإعلان عن أن الدورة الآدمية (Adamic cycle)، والمعروفة أيضًا باسم الدورة النبوية (Prophetic cycle)، قد بدأت منذ حوالي 6000 عام مع ظهور مظهر من مظاهر الله يشار إليه في مختلف الكتب المقدسة باسم "آدم"، وانتهت مع شريعة محمد]، وفي هذه الدورة، يعتقد البهائيون أن مظاهر الله استمرت في تطوير الحضارة الإنسانية على فترات منتظمة من خلال الوحي التدريجي، فالأديان الإبراهيمية (Abrahamic religions) والأديان الدهارمية (Dharmic religions) هي اعترافات جزئية بهذه الدورة، من وجهة النظر البهائية.
في الاعتقاد البهائي، بدأت الدورة البهائية، أو دورة الإنجاز (Cycle of Fulfillment) بـالباب (Bab) وتشمل حضرة بهاءالله، وستستمر على الأقل خمسمئة ألف سنة مع ظهور العديد من مظاهر الله على امتداد تلك الفترة، وقد جاء في الكتب البهائية أن مظاهر الله في الدورة الآدمية، بالإضافة إلى ما جلبوه من تعاليمهم الخاصة، قد تنبؤوا أيضا عن دورة الإنجاز.


2-المجازات:

تم توضيح مفهوم الوحي التدريجي في الكتب البهائية في العديد من المجازات، وتشمل هذه المجازات الدورة اليومية والموسمية (daily and seasonal cycle) والتقدم من خلال المدرسة (the progression through a school).

1,2- الدورة اليومية والموسمية:
تتم مقارنة مجيء كل رسول جديد والتعاليم التي يجلبها مع مجيء الربيع، حيث أن التعاليم تجلب حياة جديدة للعالم الذي أصبح ميتا وباردا روحيا بسبب إهمال تعاليم الرسول السابق، كما يشبّه مجيء الرسول أيضًا بالدورة الشمسية اليومية، حيث يشبه هنا ظهور مظهر من مظاهر الله شروق الشمس الروحية، ثم تمتد تعاليم هذا الرسول وتتعمق في الظهيرة، ولكن بعد الظهر ومع غروب الشمس، لا تعود هذه التعاليم مرئية.

2,2- الديانة كمدرسة:
ينظر إلى الأشكال الأولى للدين في العديد من الكتب البهائية مثل المدرسة المبكرة، ومن وجهة النظر هذه، كانت الإنسانية مثل الطفل تنضج بينما تكتسب قدرة أكبر على استيعاب الأفكار المعقدة وهي تنمو في السنوات وتتقدم في المدرسة، وفي كل مرة يظهر رسول إلهي تكون الرسالة المقدمة مناسبة لدرجة النضج للإنسانية، وفي هذا الرأي، قد يفسر كل دين الحقيقة بشكل مختلف وفقًا لاحتياجات المستفيدين من التعاليم، وقد سئل حضرة بهاءالله عدة أسئلة حول طبيعة الاختلافات في الأديان ورسل الله والقوانين الدينية، فكان رده إشارة إلى الوحي التدريجي: الطبيب الذي يعرف كل شيء واضعا إصبعه على نبض البشرية يدرك مرضها، ويصف بحكمته المعصومة العلاج، فكل عصر له مشكلته الخاصة، ولكل روح طموحه الخاص، ولذا فالعلاج الذي يحتاجه العالم في آلامه الحالية لا يمكن أن يكون هو نفسه الذي قد يتطلبه عصر لاحق. كن قلقًا إزاء احتياجات العصر الذي تعيش فيه، وركز مداولاتك على مقتضياتها ومتطلباتها.


3- الحقيقة الدينية هي ثنائية النوع:

يعتقد البهائيون أن التعاليم الدينية هي من نوعين: الحقيقة الروحية الجوهرية، والتراكيب الاجتماعية السريعة الزوال، قد تشمل الأخيرة قوانين السلوك والنظام الغذائي والمؤسسات والاحتفالات ومعاملة المجرمين، وهذه قد تتغير بشكل كبير من رسول إلى رسول، أما الحقيقة الروحية الجوهرية، فمع ذلك فلا تتغير، ربما باستثناء عرضها الثقافي، لذلك يظهر مظهر الله وكأنه في الحقيقة يستعيد الحقيقة الأساسية، ويعيد المؤمنين إلى الممارسة الصحيحة، وفي نفس الوقت، يلغي الوحي الهياكل الاجتماعية الزائدة أو الفاسدة ويخلق ذلك التنظيم الاجتماعي الذي سيدعم تحسين الجنس البشري.


4-نماذج الأديان ومؤسسي الديانات:

يقبل البهائيون مؤسسي "ديانات العالم الكبرى" باعتبارهم "مظاهر الله"، وتشير القائمة المعتادة عند البهائيين عادة إلى كريشنا وبوذا وزرادشت وإبراهيم وموسى ويسوع ومحمد والباب وبهاء الله، وبالإضافة إلى مظاهر الله تشمل الكتابات البهائية فئة من الأنبياء الصغار الذين يعكسون ضوء المظاهر، لكنهم ليسوا وسطاء إلهيين مستقلين، ولا توجد قائمة نهائية من الأنبياء الأقل درجة.
كما تشير كتابات البهائيين أيضًا إلى بعض الشخصيات الأخرى غير المعروفة جيدًا، أو التي اختفت دياناتها جميعًا، علاوة على ذلك، أكد شوقي أفندي وجود أديان سابقة غير محصاة ليس لدينا معرفة حديثة بها:
"هذه الديانات ليست هي الديانات الحقيقية الوحيدة التي ظهرت في العالم، ولكنها الديانات الوحيدة التي ما زالت قائمة. كان هناك دائمًا أنبياء ورسل إلهيون، يشير القرآن إلى العديد منهم، لكن الديانات الوحيدة الموجودة هي تلك المذكورة أعلاه".


5-وضع النصوص:

كتاب حضرة بهاءالله التأسيسي هو كتاب الإيقان، وربما هو أفضل وصف أصلي للرأي البهائي للوحي التدريجي يصف فيه حضرة بهاءالله العلاقات بين العديد من الأنبياء الإبراهيميين وكيف قبل كل منهم السابق، لكن تم رفضه من قبل أتباع النبي السابق، ويستخدم هذه الأمثلة لتسليط الضوء على شرعية الباب(Bab) للقارئ، وعلى أية حال، هذا العمل يحدد التعليم الأساسي للعقيدة البهائية وينظر إليه على أنه أكثر قابلية للتطبيق بشكل عام.