سفيان رجب السائر وراء الجنازات أم قناص جوائز ؟!

نائلة الشقراوي
2019 / 11 / 12

من القرد الليبيرالي الى الساعة الأخيرة تتواصل رحلة سفيان رجب الإبداعية والتي جعلت البعض يطلق عليه لقب رجل الجوائز .الساعة الأخيرة الصادرة عن ميارة للنشر هي برأيي هوامش لرواية القرد الليبيرالي فما سقط هناك ولم يجد له الكاتب ضرورة في السرد جمعه هنا وصنع منه عقارب ساعته تلك ،وكلنا يذكر ساعة شارع الحبيب بورقيبة التي جعلها الكاتب بمثابة العضو الذكري الذي يتبول على المكان في عملية استمناء تكشف زيف الرموز والعورات .وليس ما فعله سفيان رجب بخطيئة وانما بنظري هو ميزة للكاتب تظهر قدرته على التطرق لنفس المواضيع بأسلوب وزوايا نظر مختلفة تبرز ما لم يقع الإشارة اليه من قبل أو الحديث عنه من جديد للتأكيد ونحت الفكرة في الأذهان ، لكننا لا نجد اثرا للتكرار أو للاستنساخ وهذا ما نطلق عليه ببراعة السرد .
عند سفيان رجب الكلمة هي السر والفكرة السر الأعظم .( من الفكرة الصغيرة تولد فكرة أكبر ومنها تولد فكرة أكبر ص40) والافكار التي بثها الكاتب في صفحات مجموعته 110 تغلب عليها الفانتزازيا حيث يتناول الكاتب هذه المرة الواقع من زوايا نظر غير مألوفة ويستعين بشخصيات تاريخية أو أسطورية كإشارات رمزية منه مثل أهل الكهف في نساج القصص والتي فيها إشارة الى ان الثلاث الاف سنة عمر حضارتنا هي بالواقع ليست سوى قرون من الركود والوهم.او ان يستعين بحدث يغلب عليه الخيال في اقصوصته الساعة الأخيرة حين يفترض الكاتب وقوع القيامة بعد ساعة لتبدأ رحلة الركض داخله محاولا ادراك نفسه قبل ان يدركه الموت.الجسد عند سفيان رجب دائما مرتبط بالأفكار المجنونة أو الثائرة او المشوهة والجسد عنده دائما سفلي اذ ينسج من خلال الرغبات الجنسية لأبطاله خرائط طيبوغرافية يعري من خلالها كل فكرة عرجاء لشخصيات قد تبدو لا سوية لكنها هي الشخصيات الموجودة في الواقع والتي يعمد سفيان رجب الى تعريتها وكشف خباياها كاشفا بنفس الوقت حيرة وجودية متصلة به اساسا وتطفو من خلال كتاباته .الانسان هو المشكلة عند الكاتب أو العقدة اذ من خلال شخصيات المجموعة نقف على عينات مختلفة لشخوص سيسيولوجيا ، فكريا ونفسيا تعيش واقعا مركبا ومتأزما فتجنح الى الخيال الذي يتحول واقع وحقيقة يتحرك الأبطال داخلها وفقا لما يقتضيه هذا الوجود المتناقض وحتى في اهداء المجموعة كانت هناك إشارة لذلك اذ يهدي الكاتب عمله لضحايا الحرب الثانية ولضحايا الحرب الثالثة التي اندلعت فعلا في داخل الذات الإنسانية رغم سعيهم المتواصل الى منع نشوبها في الظاهر ،وهنا الفكرة الأهم التي تقول أن حربنا الحقيقية قائمة ودائمة مع عدم انسجام الجسد مع الفكرة ومع تنافر الانسان بتطلعاته وسعيه مع وجوده القهري .لكن ما يؤلم حقا ان في سعي سفيان رجب الى نقل الصورة من زاويته الابداعية الخاصة تأكد لنا ان الوجود قائم على تقديس الجسد قبل الفكرة ،والمجنون الذي وهبه بطل الساعة الأخيرة كل مايملك من ليلة القيامة قالها وهو ينظر الى الكنز الذي ما بين ساقيه (المهم ان هذا موجود )هنا يمكن إشارة لسيطرة الليبيدو على الفرد كضرورة لتواصل النسل أو للحياة عامة بأوهامها و واقعها ولكنها ايضا إشارة الى انه في اللحظة الأخيرة قبل التغيير (البعث )تتواصل عمليات السرقة لانسانيتنا أو لممتلكاتنا لينطق مجنون بالحكمة ان الأمل مازال قائما مادامت اسباب الصيرورة (اللذة ) مازلت موجودة .
سفيان رجب يبحث جيدا في الشوارع الخلفية للنفس البشرية ويعيد رسمها وفقا لفكرته اولا وتناغما مع مواقفه معها وربما هو كما جورج ارويل في 1984 يكتب الحقيقة من زاوية نظر معكوسة تقلب الواقع لتتضح الصورة ، وزارة السلام في رواية جورج ارويل هي وزارة الحرب والحرية هي العبودية والجهل هو القوة ، تماما كما تكون الضحكة في مجموعة الساعة الأخيرة سببا في جريمة قتل لم يرتكبها صاحبها (اقصوصة الجريمة الكوميدية) ومثل ما يتحول صياد السمك الى صياد جثث الغرقى (اقصوصة صياد الجثث) أو كأن يتحول القطار الذي لا تتوقف رحلاته الى موطن واستقرار تنسج فيه الروايات ومن رحمها نتزوج و ننجب ليكون الاشيء هو الشيء والفراغ المرسوم على الضباب هو الواقع الجدير بنا .