المنشقون Dissidents

فؤاد النمري
2019 / 11 / 10

المنشقون Dissedents

ردّ عليّ أحدهم يقول .. "أنت ترى القشة في عيني ولكنك لا ترى الخشبة في عينك" . القشة التي يزعم أنني أراها في عينه هي ليست قشة فقط بل هي أكبر من خشبة بكثير، إنها إنشقاق عن الماركسية اللينينية المتمثل جلياً بنبذ دولة دكتاتورية البروليتاريا وهي الدولة الوحيدة التي في ظلها فقط يمكن عبور الإشتراكية كما أكد ماركس في نقده لبرنامج غوتا.
المبدأ العام الذي تستند إليه الإشتراكية ويجهله سائر المنشقين هو الإنكار التام لمصفوفة الحقوق بكل أجناسها لمختلف مواطني الدولة ومنهم العمال أنفسهم وطلائعهم في قيادة الدولة . مختلف أجناس الدول تقوم أساساً على الحق البورجوازي لمختلف الأفراد والطبقات في توزيع الثروة والسلطة باستثناء دولة دكتاتورية البروليتاريا التي تنكر كل الحقوق لكل المواطنين ولذلك هي الدولة الإشتراكية الوحيدة في التاريخ . لما كان عبور الإشتراكية إلى الشيوعية لا بدّ أن يتم خلال فترة قصيرة نسبياً فإنكار كل مصفوفات الحقوق يتأتى تمهيدا لاندثار كل الحقوق في الشيوعية المتمثل باندثار السلطة بمختلف مؤسساتها واندثار الحق البورجوازي في الإنتاج المشاعي فينال المواطن مختلف احتياجاته دون مقابل .

الخشبة التي ادّعى هذا المنشق رؤيتها في عيني هي وفق تفسيره "عبادة ستالين" . يفوت هذا المنشق أن العبادة ليست في قاموس الماركسية التي قامت على أساس "المادية الديالكتيكية" وهي القانون العام للحركة في الطبيعة والذي يؤكد أن الشيء ليس هو ذاته في نفس اللحظة، الأمر الذي ينفي نفياً قاطعاً وباتاً أي ميل للعبادة وللأدلجة . كان بإمكان مثل هذا المنشق أن يبرهن على أنني منشق مثله بناء على تفوهات صدرت مني وما عدا ذلك فليس بإمكانه أن يعزو إليّ كماركسي حقيقي أي صنف من صنوف العبادة .
إعجابي الشديد بالرفيق ستالين كونه المثال الأمثل للإنسان الشيوعي لا يجاريه أحد آخر في هذا المضمار أمر أؤكده بفخار ولا أخفيه . أنا كشيوعي من واجبي دائماً أن أتمثل بطهارة ستالين الشيوعية دون أن أرضَ حتى اليوم بما تمثلت . ثمة أناس كثيرون يشاركونني الإعجاب بشخص ستالين ومنهم كارهون للشيوعية . يُقرأ خطاب تشيرتشل في مجلس اللوردات محتفلاً بذكرى ميلاد ستالين الثمانيني في 23 ديسمبر 59 مؤكداً على أن ستالين هو أعظم القادة في كل العصور "وقد قاتلنا ستالين كاستعماريين بأدواتنا وانتصر علينا"، وكان موسوعة علمية، وحب الإنسانية يعمر قلبه، وقد وصل الأمر بتشيرتشل لأن يتشكك أن ستالين ليس من خلائق البشرية (!!) ؛ وقال كان من حظ روسيا الكبير أن يقودها ستالين في العام 22 وكل اعتمادها على المحراث الخشبي ويتركها دولة نووية . خطاب تشيرتشل هذا يطمسه الإنكليز والروس أعداء الشيوعية، أعداء ستالين .
لقد أكد تشيرتشل شخصياً لمولوتوف مرة في مؤتمر طهران 43 وأخرى في مؤتمر يالطا 45 أن أول عمل يقوم به كل صباح حال نهوضه من النوم هو الصلاة للرب ليحفظ ستالين لأنه الوحيد القادر على صيانة السلام في العالم ؛ كان يؤكد ذلك وعيناه تفيضان بالدموع !!
وعلى الغداء في 10 داوننغ ستريت في 19 بيسان 56 نهر تشيرتشل خروشتشوف قائلاً .. " كيف لك أن تهاجم ستالين فأنتم لولا ستالين لما كنتم شيئاً ما !؟"
وكان ستالين أيضاً مثار اعجاب الرئيس روزفلت الشديد . ففي مؤتمر طهران ديسمبر 43 كسر روزفلت كل البروتوكولات الرسمية ورفض الإستضافة بغير السفارة السوفياتية رفيقاً لستالين . وآخر ما كتب في مفكرته هو إيمانه بأن ستالين وليس تشيرتشل هو من سيبني عالماً يسوده السلام والديموقراطية.
وأخيراً لست إلا واحداً من ملايين المعجبين بستالين . ففي كل ذكرى لميلاد ستالين في 21 ديسمبر يهرع آلاف المسكوبيين ليغمروا تمثال ستالين النصفي بالورود الحمراء .
لعل تشيرتشل أحب ستالين لأنه لولا ستالين لتمكن النازيون من إبادة كامل جيوش بريطانيا المحاصرة في جبال الجاردنز شرق فرنسا في مطالع يناير 45 .
ولعل روزفلت أحب ستالين لأنه بدون ستالين لما استطاعت أميركا أن تنتصر في الحرب على اليابان.
لكن الملايين أحبوا ستالين لأنه بدون ستالين لما عرفت البشرية الإشتراكية ولما عُرفت الماركسية اللينينية. تلكم الإنجازات التاريخية الجليلة في مسيرة تطور الإنسانية مرتبطة باسم ستالين شاء من شاء وكره من كره الأمر الذي يفت في عضد المنشقين فلا يروا أدنى خشبة في عيني .

يخادع المنشقون بادعائهم أنهم إنما انشقوا لأن النظام السوفياتي لم يحترم الحرية والديموقراطية واعتمد أساساً على البيروقراطية ولذلك انهار . لا يحسن المنشقون في تبرير انشقاقهم الخياني بغير الخداع . فكيف يمكن اتهام النظام السوفياتي بتغييب الحرية والديموقراطية وهو الذي حقق مأثرة كانت قد أدهشت أمم الأرض قاطبة بالمجهودات الحربية التي بذلها النظام السوفياتي في تحطيم النازية دون أن تأتي بعشر معشارها الدول الغربي الكبرى الثلاث مجتمعة والتي استظلت بالمظلة السوفياتية الجبارة للإحتماء من النازية . فكيف يجرؤ المنشقون الخونة على مقارنة الحرية والديموقراطية في النظام السوفياتي بتلكم في الدول الغربية الثلاث !؟
أنا أتحدى المنشقين الخونة وأمثالهم من متثاقفي البورجوازية الوضيعة أن يعرّفوا معنى الديموقراطية في الجوهر . دعاواهم تؤكد أن أحداً منهم لا يعرف معنى الديموقراطية في الجوهر . الديموقراطية بالجوهر لا تعني غير توزيع السلطة والثروة على المواطنين بصورة مقبولة . توزيعهما في الدول الرأسمالية لا تحوز مقارنته بتوزيعهما في النظام السوفياتي نظراً لاختلاف النوع .
توزيع الثروة في الإتحاد السوفياتي كان يتم بالتساوي بين المواطنين بما في ذلك توزيع الخدمات بصورة مجانية أو شبه مجانية بينما توزيع الخدمات في الدول الرأسمالية يتم بما هو أسوأ من توزيع الثروة الذي يتم حكراً على الرأسماليين .
أما توزيع السلطة الذي كان يتم حكراً على الرأسماليين وهم طبقة محدودة في قمة الهرم الإجتماعي في الدول الرأسمالية كان يتم في الدولة السوفياتية حكراً على العمال وعددهم آلاف أمثال عدد الرأسماليين .
ما لا يفقهه المنشقون الخونة هو أن الحرية والديموقراطية في الدولة السوفياتية، دولة دكتاتورية البروليتاريا، هما أرقى نوعاً منهما في المجتمع الرأسمالي بحيث تنتفي مقارنتهما . ففي الدولة السوفياتية حيث يصف المنشقون الخونة ستالين بالدكتاتور الدموي والبيروقراطي لم يكن ستالين أكثر من موظف مراقب لدى البروليتاريا السوفياتية، ولم يحدث قط أن اتخذ قراراً بمفرده وصار إلى تنفيذه .
كان ستالين على رأس قيادة الحزب مسئولا عن تنفيذ الخطة الخمسية بكامل بنودها وأصغر تفاصيلها دون زيادة أو نقصان وهي الخطة التي يقررها الشغيلة في مختلف مؤسسات الإنتاج . تتم محاكمة قيادة الحزب أمام المؤتمر العام للحزب عن أي اعتوار في تطبيق كامل الخطة . وبمثل هذا النظام يكون ستالين تابعاً وليس متبوعاً . بالرغم من أن ستالين كان القائد العام للجيش والقوى المسلحة لكنه مع ذلك لم يكن يأخذ القرارات الخطيرة في الحرب كما تقتضي أمور الحروب بل يشترك المكتب السياسي للحزب في اتخاذ القرار .
من شارات رسوخ الديموقراطية في الإتحاد السوفياتي وفي الجزب الشيوعي بقيادة ستالين هو أن ستالين بكل قواه الأدبية والمعنوية في الحزب والدولة ألَحّ على مندوبي المؤتمر العام التاسع عشر للحزب في نوفمبر 1952 ألا ينتخبوا أي عضو في المكتب السياسي من جديد بما في ذلك ستالين نفسه مؤكداً أن ذلك يتعلق بأمن وسلامة الثورة الإشتراكية، إلا أن أحداً من المندوبين لم يصغِ إليه وأعادوا انتخاب نفس الأعضاء دون نقصان مما أصاب ستالين بالإحباط الشديد .
من تجليات عبقرية ستالين هو أن ذلك الإنتخاب هو ما أدى إلى انهيار الثورة الإشتراكية ووقوع العالم كل العالم في الفوضى غير الخلاقة .
وهل من تجليات الديموقراطية في المجتمع السوفياتي هو أن كتائب الجيش لم تكن تنفذ أوامر القيادة في الأعمال الحربية قبل التصويت عليها بالرغم من تحذيرات ستالين المتكررة بالإمتناع عن ذلك !؟
المجد للينينية التي لم يتسامح بها ستالين .