النظام الطائفي في العراق .. مفاهيم وإرهاصات

جعفر المظفر
2019 / 11 / 8

إن واحدا من أعظم المشاهد التي حققتها إنتفاضة شعبنا التشرينية ضد النظام الطائفي الفاسد هو خروج الشيعة أنفسهم ضد النظام المحسوب عمليا عليهم وفق نظام الأغلبيات الطائفية, وعن هذا دائما كنت أردد أن النظام الطائفي, من حيث شكل الإدعاء, هو نظام لطائفة كبيرة, ولأخريات وفق قواعد المحاصصة, لكنه من حيث الجوهر والبنية نظاما لفئة معينة في كل طائفة, تعيش سياسيا على إدعاء تمثيل طائفتها, ولذلك فهو في النهاية نظام لطائِفيين من كل طائفة وليس نظاما لطوائف.
وما كان الإدعاء أن النظام الطائفي هو نظام لاوطني يستند إلى شعارات وخطب وأناشيد ضدية بل كان شعارا يستند, وخاصة في العراق المتعدد المكونات, إلى الحقيقة التي تقول أن النظام الطائفي هو نظام تجزيئي وليس نظاما توحيدي, وإن ما سمي سياسيا بنظام الشراكة يتناقض مع القاعدة الوطنية التي تبحث عن (المشترك) وليس عن (الشراكة).
إن الباحث عن بعض المفردات الأساسية لثقافة النظام الطائفي سواء في لبنان أو العراق بإمكانه أن يعثر عليها بسهولة بين الجمل التي ظل هذا النظام يتمشدق بها ويعتبرها الأسس التي تقوم عليها الثقافة الديمقراطية ذاتها, بل ويفتخر بها دون خجل أو مواربة, وذلك خلافا للديمقراطيات الحقيقية التي تأخذ بها باقي بلدان العالم والتي هي ديمقراطية أحزاب وطنية وليست ديمقراطية طوائف.
وفي تلك البلدان التي تحترم إستقلالها الوطني مثلما تحترم شعوبها وإنسانها ليس من الصعوبة العثور على صياغات دستورية تحرم العمل السياسي الطائفي وتحضر قيام أحزاب على أساس الدين أو الطائفة, وذلك لأن هذه البلدان لم تكن بحاجة إلى من ينبهها إلى حقيقة كون الثقافة الطائفية الإجتماعية والسياسية هي ثقافة تدميرية للبلد الذي تحكمه.
وفي بلدان كهذه لا يوجد مكان سياسي لمفردة (المكونات الدينية أو الطائفية أو القومية) كما هي في ثقافة النظام العراقي الحالي , وهذا لن يعني بأن الطوائف والأديان والقوميات هي ذائبة في مكون واحد بل يعني أن الإشارة إليها بشكل مستقل إنما تجري في مساحة التبويب الثقاقي والإجتماعي للبلد المعين ولا يجري في الخانة السياسية على الإطلاق, وحينما يكون هناك حديث سياسي فإن هناك إقرار لوجود مكون واحد هو حاصل لتفاعل تلك المكونات وليس حاصلا لجمعها ألا وهو المكون الوطني.
كما أن هذه البلدان, وخلافا للعراق أو لبنان لا تعتمد مفردة (الشراكة) كتعبير عن شكل النظام الطائفي بل تعتمد على مفردة (المشترك).
وهنا فليس صعبا العثور على مكمن الضعف الذي تخلقه هاتان المفردتان أو مكمن القوة.
ففي حين أن (الشراكة) هي أقرب إلى المفهوم التجاري التقاسمي التي تحمل في طياتها وبنيتها عوامل التجزئة والتفتيت فإن مفردة (المُشترك) تعبرعلى العكس من ذلك تماما عن الثقافة التي تذيب (المكونات) المتفرقة في (مكون) وطني واحد, بادئة عملها من إيمان لا يتزعزع بحقيقة أن الوصول إلى هذا المشترك إنما يقتضي تحريم الطائفية وتحريم قيام الأحزاب على أساس ديني أو قومي عنصري أو طائفي.
إن واحدا من أهم الأمور التي دعونا إلى إدراكها هي تلك التي تؤكد على أن هناك وحدة عضوية ولا جدال عليها بين ثقافة (المشترك الوطني) من جهة وبين إستقلال البلد وسيادته من جهة أخرى, فالشراكة التي تخفي في طياتها وبنيتها صيغ الصراعات الطائفية غالبا ما تؤدي إلى الإستنجاد بالجار على الآخرين من أصحاب الدار. وإن عودة إلى مفهوم الطائفة العراقية الأكبر وهي الطائفة الشيعية التي سيتاح لها حق الحكم وفق مبدأ الأغلبيات الطائفية سوف يجعلنا نتقبل حقيقة أن هذه الطائفة سوف تتحمل بالنتيجة مسؤولية إلقاء البلد في أحضان إيران التي سوف لن تمانع بفعل سياستها الإمبراطوية ونهجها الإقليمي على وضع العراق برمته تحت إبطها وليس في أحضانها.
وأجزم أن هناك فَرقا بين ما تعنية أو تشيعه كل مفردة على حدة, فالأحضان هنا تعني من جملة ما تعنيه المحبة والرعاية والعطف في حين أن (تحت الإبط) تشيع إلى حالة إعتصار البلد الموضوع تحت الإبط وعصره وكبسه وجعله يعيش في بيئة تخنقها الروائح الكريهة, ولذلك كله وجدتني أحبذ هنا إستعمال جملة (تحت الإبط) بدلا من جملة (في الأحضان) كلما تحدثت عن حالة (الإستعمار أو الإستحمار) الإيراني للعراق.
وقد يظن البعض, ونظرا للمفاهيم التقليدية لمعنى الإستعمار, أن الحديث عن وجودٍ إستعماري إيراني للعراق إنما هو حديث مبالغ فيه, بإدعاء أن المشترك الفقهي المذهبي هو الذي يصلح في ظنهم لتفسير صلة القربى ما بين البلدين. لكن ظنا بهذا المعنى, حتى ولو كان تأسس على النيات الحسنة, سوف يضع المُشترك المذهبي, وهو هنا الشيعي, في لائحة الإتهام كأحد أهم العوامل التي تتناقض وتتضاد مع مفهوم وحاجات ومقومات الدولة الوطينة.
ولا تقف طبيعة التصريف السياسي لهذه القربى على تدمير الإستقلال الوطني للدولة العراقية ومنح العراق مجانا للدولة الإيرانية وإنما نراها تساهم أيضا بشكل أكيد وفاعل على شفط العراق من محيطه العربي, بل وفي جعله مُعاديا لهذا المحيط وغير قادرٍ حكما على الإلتزام بمصالحه وهيئاته وقراراته.
وعن هذا الأمر بالذات سوف تكون المقالة القادمة.