الشباب المنتفض : موقوفون بين الليبيراليّة والراديكاليّة.. وبين المحافظة والحداثة

سعيد عيسى
2019 / 11 / 5

يمكن للوافد إلى ساحات تجمّع المنتفضين في الشارع اللبنانيّ على السّلطة الحاكمة أن يلحظ بسرعة ملفتة، عشرات الآلاف من الشباب، يفوقون غيرهم من الفئات العمريّة بأعداد مضاعفة، كما يمكن أن يلحظ أنّ المنتفضين في المناطق اللبنانيّة يتجمّعون في ساحة واحدة، او عدة ساحات أو على تقاطع طرقات رئيسة تصل بين منطقة وأخرى أو بين لبنان والخارج عبر البرّ، ويمكنه الملاحظة أيضا اختلافا وتنوّعا بين الهتافات والأهازيج والأغاني، يتراوح بين الغربيّ الليبيراليّ والحديث، وبين الثوريّ التقليديّ المحافظ، العائد إلى زمن نضال يسار الستينيّات وصولا إلى الثمانينيّات من القرن الماضي، ما يولّد انطباعًا اوّليّا، مفاده انّ الشباب اللبنانيّ واقع بين فاصلين زمنيين، حداثة وليبيراليّة من جهة، ومحافظ تقليديّ من جهة أخرى، لكنّ الجامع المشترك بينهما هو التغيير، تغيير في السّلطة ونظام الحكم في لبنان، لكن كلّ على طريقته ونشيده وأغنيته وأهزوجته.

والسّاحة، قد تكون تقاطع طرقات (كما في حاصبيا، وظهر الأحمر، وكفرّمان، وقب الياس، وشتورا وغيرها)، تفضي إلى أكثر من بلدة، أو في ساحة مدينة أو بلدة كبيرة نسبيّا (كما في زحلة وطرابلس، والنبطية وصيدا، وصور والهرمل)، أو على طريق على طريق عام دوليّة (كما في خلدة، والناعمة، وجديتا، والشفروليه، وجل الديب، وادونيس، وغزير، وجبيل، وعاليه، وبحمدون والعبدة والمصنع وبعلبك).

تقف العاصمة بيروت استثناء بين السّاحات، فالمنتفضين فيها، يتجمّعون في ثلاث ساحات رئيسة، واحدة في الأشرفية (ساحة ساسين) والثانية في وسط المدينة من الجهة الجنوبيّة الغربيّة (رياض الصّلح)، على تماس مع المجلس النيابيّ اللبنانيّ والسراي الحكومي مقرّ الحكومة اللبنانيّة، والثالثة في وسط المدينة من الجهة الشماليّة الشرقيّة للمدينة (ساحة الشهداء)، والتجمّعين الأخيرين في وسط المدينة يتّصلان بعضهما ببعض عبر شارع عريض يودي من واحدة إلى أخرى.

كلّما اتجهنا نحو الجنوب اللبنانيّ ودواخله، كما في صيدا والنبطية وكفرّمان وصور والنبطية وحاصبيا، جاءت الهتافات تقليدية وراديكاليّة، غارفة من الموروث النضالي المنقول عن ستينيّات وسبعينيّات وثمانينيّات القرن الماضي، وكذا الأمر بالنسبة للأهازيج والأغاني المتّصلة بها اتّصالا وثيقا، وعلى وجه الخصوص منها، الأغاني التي طبعت مرحلة الثمانينات كأغاني زياد الرّحباني، وخالد الهبر، وأحمد قعبور ومارسيل خليفة والشيخ إمام وغيرهم، مطعّمة ببعض الأغاني ذات الطابع الوطنيّ العام، في غياب شبه تام لكلّ ما يتّصل بالحديث والمتّصل اتّصالا وثيقا بالشباب.

في حين كلّما اتّجهنا بقاعا أو شمالا، تتغيّر طبيعة الأهازيج والأغاني والهتافات، وراحت تتّصل بالحداثة والليبيراليّة، مع انّها بقيت متّصلة أحيانًا بالتقليد والتّراث من ناحية الموسيقى، وبالحداثة من ناحية الكلمات، تتداخل معها هتافات الشّتم والسباب للطبقة الحاكمة أو لطرف منها، بعضها منشَد وبعضها الآخر مغنّى خصوصا في البقاع بشكل عام، باستثناء ساحة مدينة زحلة التي جمعت ما بين التقليد والحداثة والوطنيّة من الأغاني والأناشيد.

وأمّا في مدينة بيروت، فإنّنا نجد في الساحات اختلافًا بينًا وواضحًا بين ساحاتها الثلاث، ففي حين يطغى على ساحة ساسين الهتافات والأغاني والأناشيد الحماسيّة ذات الطّابع الوطني والشبابيّ، الغارفة من الليبيراليّة ونمطها الغنائيّ والموسيقى ذات الطّابع الغربيّ، مطعّمة بالأغاني الوطنية وبالسباب والشتائم، وهي نماذج مستقاة من الغرب، فإنّ ساحة الشهداء تجاريها في ذلك مع سيادة الأغاني ذات الطّابع الوطني المطعّمة بين حين وآخر بالسباب والشتائم، وكلّما ازداد ابتعاد المرء عن ساحة الشهداء نحو رياض الصّلح تتغيّر نبرة الهتافات والأغاني لتعود كما وصفناها في ساحات الجنوب وباتت راديكاليّة محافظة تستقي من التقليد وتطلقه في السّاحة، شعارات كانت أم أغاني وأناشيد.