مشروع طريق الحرير الجديد

حاتم الجوهرى
2019 / 11 / 3


وجه الجانب الصيني الدعوة لي ممثلا عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، لحضور ملتقى خاص نظمته السفارة الصينية في المركز الثقافي الصيني بالجيزة مساء يوم الخميس الماضي، وذلك ضمن عدد محدود للغاية من الدعوات وجهتها السفارة نيابة عن الأكاديمية المركزية للإدارة الثقافية بالعاصمة بكين

حيث أبدى معظم المشاركين المصريين ملاحظاتهم عن البرامج الثقافية السابقة التي قدمها الجانب الصيني وسبل تطويرها مستقبلا، في حين قدمت مبادرة مكتوبة أعددتها خصيصا للقاء بعنوان: "مبادرة تبادل المزيج الثقافي بطريق الحرير".

وهذا هو نص المبادرة المكتوبة التي طرحتها على الجانب الصيني المشارك في اللقاء

"يأتي دخول مشروع طريق الحرير الجديد للنور في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، عقب ثلاث تحولات كبري على الصعيد الدولي والثقافي، وهى سقوط الاتحاد السوفيتي في أوائل تسعينيات القرن الماضي، ثم ظهور حركة العولمة الثقافية وسيادة النمط الأمريكي ثقافيا، وأخيرا ظهور حركة ثورات الربيع العربي بحثا عن الذات، لتكتمل التحولات وتصل لذروتها في القرن الجديد بظهور مشروع طريق الحرير الجديد وظهور الصين كمركز ثقل دولي صاعد، يمد أواصر التعاون نحو وأفريقيا وآسيا وأوربا أيضا وغيرهم رافعا شعارات التعاون والصداقة والمحبة، وقد شرفت مصر والدول العربية بالمشاركة في العديد من الفعاليات الاقتصادية والثقافية لطريق الحرير الصيني، ومنها الزيارة التي تمت لدراسة التجربة الصينية الجديدة ومن خلال الثقافة وموقعها في الحلم الصيني الجديد، واستضافة مبعوثين مصريين للدراسة في "الإكاديمية المركزية للإدارة الثقافية" في العاصمة بكين خاصة فيما يتعلق بـ"اتفاقية صون التراث الثقافي غير المادي" والتجربة الصينية الرائدة في هذا المجال، والأهم مد أواصر التعاون المشترك لأن الثقافة هى ما يمكن أن تضفي على طريق الحرير الجديد روحه الحضارية المشتركة والآملة.

خاصة في مواجهة التوظيف سيء السمعة للثقافة في المشروع الغربي خلال القرن العشرين، حيث تقف الثقافة في طريق الحرير الجديد بين مصر والصين وباقي دول الطريق أقرب لمفهوم دبلوماسية "تبادل المزيج الثقافي" عن فكرة الاحتواء والغزو الثقافي التي مارستها المدرسة الغربية، وأعتقد أن هذا المفهوم الأوروبي يجب تجاوزه والمبادرة منا برؤية حضارية جديدة لا تتبنى الهيمنة، وتحترم المساحات الخاصة بكل الثقافات البشرية وتقبل تجاورها كسمة طبيعية لمجموعة الدول المشاركة في مشروع طريق الحرير، وفي إطار التفاعل والتعارف والبحث عن المشترك قدر الإمكان، لا فرض النمط وهيمنته، وهذا لب تصوري لمفهوم جديد لـ"دبلوماسية ثقافية" تحتضنه مبادرة طريق الحرير في جانبها الثقافي وتروج له وتتبناه تحت مسمى: "مبادرة تبادل المزيج الثقافي".

فقد اعتبرت العديد من الدول الغربية مفهوم "الدبلوماسية الثقافية" أحد منصات فرض النفوذ والهيمنة الناعمة، في حين حاولت اليونسكو كمنظمة أقرب للاستقلالية تقديم مفهومها الخاص عن "الثقافة العالمية" في تصور مضاد له، مخصصة الموارد لكيفية حفاظ كل دولة على تراثها الثقافي اللامادي أو ما يمكن أن نسميه "المزيج الثقافي" المتفرد لكل دولة وفق "مستودع هويتها" الخاص، حيث لكل دولة مزيجها وظروفها الخاصة التي تمنحها هويتها الثقافية المتفردة.

في هذا السياق يجب أن تقوم مبادرة طريق الحرير والدول المشاركة فيها على خلق مركز عالمي جديد وبديل جاد للمركز الأوربي/ الأمريكي بشكل ما، وخلق مراكز مجاورة ومتحاورة ومتفاعلة مع المركز الصيني الجديد قلب طريق الحرير والدول المشاركة به، وهو ما أرى أنه يتلخص في فكرة "دبلوماسية تبادل المزيج الثقافي"، التي تقوم على التعامل مع الآخر وفق فهم "المزيج الثقافي" الخاص به واحترامه والتعلم منه، أى الفهم والفهم المتبادل وبناء مساحة التواصل الإنساني المشترك من خلال "المشترك الثقافي"، كأرضية لتطوير معظم جوانب العلاقات الإنسانية المتعددة الأخرى على طول طريق الحرير.

ويجب هنا التوقف كثيرا عند تصور فهم الآخر في "ميادرة تبادل المزيج الثقافي" تلك على امتداد طريق الحرير الجديد، ففهم الآخر كفيل بتجاوز العديد من مساحات سوء النية او افتراض نية السيطرة، ويقدم أهم أساسيات علم الاجتماع الإنساني وهو: احترام الآخر، احترام الآخر لا ابتلاعه والهيمنة عليه، ففي ظل العلاقات الدولية عندما تتعامل مع طرف ما فإن فهمك لتاريخه الثقافي و"مستودع هويته" كفيل بإعطائك معظم مفاتيح التعامل معه أيضا، وفق المشتركات والمحتملات الثقافية الممكنة، هو بالأساس يجب أن يكون ألف باء العلاقات الإنسانية والثقافية الجديدة في القرن الحادي والعشرين، هو مفتاح النجاح والفشل على المدى الطويل وليس على المدى القصير.

ومجالات هذا التبادل الثقافي تعمل في نطاق المقارنة والبحث عن مسار "العناصر الثقافية" المتعدد فيما بين دول طريق الحرير وكل دول العالم في مرحلة لاحقة، عن طريق البحث في وسائل دمج العناصر الثقافية بين دول طريق الحرير، مثلا يمكن القول أن عنصر "الورق وصناعته" يصلح كأساس في "دبلوماسية تبادل المزيج الثقافي" القائمة على احترام الآخر وفهمه بين مصر والصين، فسنجد أن مصر تملك تاريخها الخاص وما يوجد حوله من عناصر التراث الثقافي اللامادي في صناعة ورق البردي، كما تملك الصين تاريخا مماثلا في صناعة ورق الكتابة المماثل من سيقان البامبو وبعض المواد الأخرى، هنا يمكن المقابلة بين الورق ومنتجاته تاريخيا كعنصر ثقافي تقابلي بين مصر والصين، والبحث في فنون دمج كل منهما واستعراض تاريخ كل منهما وعمل المعارض لذلك وتحويله إلى صناعة إبداعية تحافظ على ذلك العنصر الثقافي بين البلدين.. ويمكن أن يتم ممارسة فن الخط الصيني على ورق البردي المصري، ويتم ممارسة فن الخط العربي والمصري القديم على الورق الصيني كنوع من تبادل المحبة والمزج الثقافي.

المثال نفسه ينطبق على الطب الشعبي الصيني والمصري وعادات وطرق كل منهما، فيمكن استعراض الطرق المتوازية في كل موروث وتبادل اختبار كل وصفة وأثرها في الموضوع نفسه، يمكن أن ينطلق ذلك لمجال فنون الأداء في مهرجانات لإعادة تمثيل التصور الشعبي لعنصر ثقافي ما في مجموعة من الثقافات، فيمكن مثلا إقامة مهرجان بين دول الطريق لعرض التصور الشعبي في شكل تمثيلي لفكرة "الغول" أو "العفريت" أو "الروح الشريرة" وتمثلاتها في ثقافة الصين وأفريقيا ومصر.

على مستوى الغناء في عناصر مبادرة تبادل المزيج الثقافي ، يمكن عقد مهرجان لأغاني أعياد الميلاد القديمة وما يصاحبها من طقوس واحتفالات راقصة بين مجموعة دول طريق الحرير في احتفالية خاصة بالغناء وفنون الحركة ، و يمكن تطبيق التقابل والمزج الثقافي في العديد من العناصر الثقافية الأخرى في فنون الأداء المهرجاني مثل: طقوس الحرب والتصالح في المجموعات القبلية المصرية والصينية.

في السياق نفسه يمكن عمل مهرجانات للطهي عن عادات الطبخ لدى مصر والصين ودول طريق الحرير، باستخدام المكونات الأساسية للحياة مثل اللبن ومنتجاته في كل ثقافة، أو اللحوم وطرق حفظها وطهيها التراثية في كل ثقافة، أو التمور وطرق حفظها والمنتجات المرتبطة بها في كل ثقافة، أو البحر وعادات الصيد وتمليح وحفظ الأسماك في كل ثقافة، ويمكن التنويع بين مهرجانات البيئة الصحراوية وعناصرها، ومهرجانات للبيئة الزراعية وعناصرها، ومهرجانات البيئة البحرية أو النهرية وعناصرها، ومهرجانات البيئة الجبلية وعناصرها.

وفي كل ما سبق يجب حضور المرونة والتعدد في: عرض، وحفظ، واستدامة تلك العناصر الثقافية بين مصر والصين والدول المشاركة في مبادرة طريق الحرير، و تحديد "الجمهور المستهدف" عند العرض.

وفي النهاية تبقى مبادرة طريق الحرير الجديد والدول المشاركة بها حلما طموحا وتحديا ثقافيا حضاريا بالأساس، وذلك لكي تنجح المبادرة في تجاوز مفاهيم الصراع الحضاري التي سبق وقدمها النموذج الغرب في القرن العشرين تجاه الآخر، وتبقى مصر والصين شريكان فاعلان أساسيان في المبادرة، لمنحها روحها الحضارية والثقافية المستمدة من ثقلهما التاريخي وتجربتهما الإنسانية الطويلة، نحو عالم اكثر عدلا ومحبة وتسامحا وتعاونا تجاه الآخر."