رحيل

مظفر النواب
2019 / 10 / 31

رحيل ..
--------------------------- مظفر النواب











يا وَحشةَ الطُرقات
لاخبرٌ يجيءُ
مِن العراق
ولا نديمٌ يُسكِر
الليل الطويل
مَضَت السنون
بدون معنى
تَعصِف الصحراء
وقد تاهَ الدليل
لم يبقَ لي
مِن صَحبِ قافلتي
سوى ظِلّي
وأخشى أن يُفارقني
وإن بقي القليل
هل كان عدلٌ
أن يطول بي السُرى؟
وأراك تنأى
أيها الوطن الرحيل
كأن قصدي المستحيل
جرّبت فيك مسكناتٍ
هُنَّ أحوَج للمُسَكِّن
خمرة صرفاً وصمتاً
أين مِن صَمتي الصهيل
مَن كان خمرته
الوجود بأسرِهِ
ما سُكرهُ من جرعةٍ
إلّا يُلمّح أنه دنيا و آخرة
على ظمأٍ لساقيها الجميل
لي حانةٌ
ذَهَبَت بِلُبِّ الخمر
لا يرتادُها
إلّا المُقَطَّر
مِن رِفاق الليل
موصول الصلاة وجاهِدٌ
إلّا برشفات صغيرات
فَهَمُّ الليل هَمٌّ
دونما خمرٍ ثقيل
ويثيرني أن الكوى فيها
شذى شمس العراق
وإن بنى فيها
الدُجى أعشاشه
وتهبّ أنسام
تعيد طفولتي
أعدو لأسبِقَها
ولو شبراً
وأسقط لاهِثاً فرحاً
بأحضان النخيل
يا أيها الساقي
أدِرها عَشرَ مراتٍ
على مَن يعرِفون مقامَها
بزجاجةٍ نَشوى
كقلبكَ سيدي
وأراك تغفو
لا عليك
أغلِق عليَّ الباب
واتركني وقنيناتك الصهباء
أفتَضّ المعاني البِكر
في خُلُقٍ
فإن العمر يمضي
والذي يأتي من الأيام
يا ساقي قليل
أهَب القبيحة سُكَّرا
من ناظري... تحلو
وتملأ راحتي
عسلاً عراقيا
وإن كانت
شآمياً تميل
مستأنِسَ الروح
أشُقّ الليل
أحداق الذئاب
تُجيلُ فيَّ رِغابها
وأنا أجيل
ويكاد عطش
لُهاث عيونها
يُذكي المدى
فيفيح بُخور السنابل
بالشريف من الشذى
وإلى العراق
يُغرد الظل الظليل
ما وَحشة تُدمي
كوحشة بُعدِه
وأظن داءً لا يُداوى
ماءُ دجلة في الصباح
به كفيل
أرشُف فديتك
ماؤنا قد ذوّبت فيه
السماء نجومها
سُكرا بلا إثمٍ
سوى إن كنت تصحو
من محبَّتِكَ العراق
ولا أظن مُحِبهُ
يوماً يميلُ لغيره
وكذاك هيهات
العراق
لغيرِ عاشِقهِ يميل
هذا ابن هاني (أبو نواس)
يعبر الجسر العتيق
كنورسٍ تَعِبَت به الأيام
مِمّا في
سماوات الكؤوس
مُحَلِّقاً
أو مايُمَزمِزُ
مِن شِفاهٍ
تُنعش القلب العليل
أيُعاقَبُ السَكران
مُرتَجِفاً بباب حَبيبِه
يغفو ولا يغفو
ورغم البُخل يَهتفُ
يا كريم الحُسنِ
يا جودٌ وجودك
إنما الزمن البخيل
كأس ابن هاني
لم يُهادن وقته
ورأى بكأس الخمر
كيف يُؤَدب السلطان
يا سِكّير يا أحلى الصفات
لنا سلاطينٌ
إذا شاهدتهم
في الخمر
يُمسي الخمر
سماً قاتلاً
والصمت سيّافٌ طويل
آه ابن هاني
عشت في زمنٍ
له سَفَّاحه
إنّا بسَفّاحِينَ
من كل الجهات
سيوفهم فوق الرِّقاب
وهم مطايا أجنبي
كلما زَمَّ اللجام ترافسوا
حتى لتَحسَبهم
حوافِر كلهم
والبعض زرزور
صغيرٌ مُخّه
والعجز فيل
أين العراق أبثّه
قبل الجميع غيابه
ويُزَوِّرون حضوره
ولهم خرائط
غير ما رُسِمَت بقلبي
كل شيءٍ قد تَغيّر
إنما يبقى
الذي في مهجتي
أصل الخرائط كلها
ويظل مهما حاولوا التشويه
يستعصي على سرج المروءة
شامخاً جيلاً فجيل
أواه إن طال الفراق
وعاش موتي
غربةً أخرى
بِغَيرِ تُرابه
سأصيح في الليل البهيم
أنا العراق
متى أعود إلى العراق
ليغسل النهران
وعثاء الزمان ووحشَتي
وأعود أمي نخلةٌ
وأنا بجانبها فَسيل
اللُّب أبيض ناصع
ويَبثّ سعفي الخصب
في النسمات
ما من نسمة
إلّا ومِنّي أكأَمت
بدل الربيع اثنين
يا مولاي
لو زرت العراق
قِف لي
بمِحراب الوجود
وقَبِّل العتبات
شَمِّر عن هديل الروح
يعرفك العراق
من الهديل
ستُضاف رغم الجوع
في بلدٍ يُغذي الأرض
بَسِمَت معالمه
ومات الناس
من مرضٍ سياسي وَبِيل
ولقد يكون الحزن
مخلوقاً بنا
مُتوحشاً
لكنه وحش خرافي نبيل
إشرب فَديتُك
أسكِت الأوجاع والمذياع
باعونا خِرافاً
جملةً أو مُفرداً
بل أنزلوا ما لايقال
إلى الحذاء
وأجهشوا :
هذا اضطرار
والظروف عصيبة
ولنا سلاح آخر
-النفط
قالوا معاذَ الله
بل نبكي بباب
الدولة الكبرى
فقد يُجدي العويل
إشرب فديتك
واسقِ الكرامَة حَظَّها
واخرج إلى الطرقات
هَرِّج
بالدموع وبالصياح
وإصبعي الوسطى
كفرنا
كفرنا يا دكاكين ابن آوى
يا حِلاقات الجيوب
بمشطكم والماء والصابون
والكرسي طبعاً
والمرايا
إنما أين العراق؟
أغيبةٌ أخرى
إلى زمنٍ طويل؟.