كَنون

حكمة اقبال
2019 / 10 / 30

بعد استشهادة يوم 25 تشرين أول 2019 ، علمت ان اسمه في سجل النفوس وهويته الجامعية كان ( مُحارب ) .
حائط من الطابوق يفصل بيتنا عن بيتهم ، نعرف ما يدور في بيتهم ، ويعرفون ما يدور في بيتنا .
كان في السادسة من عمره عندما عدتُ الى البصرة بعد سقوط المقبور .
كَبُرَ كَنون وحين استشهد كان في الثانية والعشرين ، طالبا في كلية الاقتصاد ، جامعة البصرة .

والدته ام حسين ، كانت تجمع له ، تدريجياً ، ما سيحتاجه لاحقاً من مستلزمات النيشان والزواج المحتمل بعد التخرج .
يوم 25 تشرين وهو يغادر للمشاركة في التظاهرات ، حمل معه كمامة زرقاء اللون من قماش خفيف لحمايته من قنابل الغاز المسيلة للدموع ، والمسيلة لكل الجراح والعذابات التي تبحث عن وطن .

حتى منتصف الليل ، كَنون لم يعد
ذهبت مع جارتها ، بعد منتصف الليل ، تبحث عنه في مستشفيات البصرة الثلاث ، ولكنها لم تعثر عليه
كانت تتذكر انه قال لها قبل خروجه مازحاً ومبتسماً :

راح أروووووح استشهههههد

كانت جثته مع الشهداء الآخرين في الطب العدلي .
انتظرت ام حسين عودته طوال الليل ، وعند الفجر أبلغوها انه استشهد
كيف أبلغوكِ ، هل كنت تشعرين بغيابه الأبدي قبل ابلاغك خبر استشهاده ؟

قال الجواهري يوماً :
سينهض من صميم اليأس جيل عنيد البأس جبار عنيد
يقايض ما يكون بما يُرجى ويعطف ما يراد لما يريد

لا أعرف لماذا أسموه محارب ؟ ولكني علمتُ ان جدته لأبيه اطلقت عليه كنية كَنون ، لأنه جاء بعد 13 عشر سنة عن آخر اشقائه ، ولأنه آخر العنقود . لم اسمع احد ، في البيت أو في المحلة يناديه بأسمه الرسمي حتى يوم استشهاده .

في لافتة اعلان خبر استشهاده أتضح لي انه سيد من سلالة محمد ، ولكن لا محمد ولا علي ولا احفادهما المميزين ، ومجموعهم اثنى عشر كانوا قادرين على صد المجرم الذي قتل كَنون ، وهو من ملته وطائفته ، وربما كان المجرم سيد أيضاً ، ومن نفس السلالة المحمدية .

قال صديقي هاشم مطر :
طينٌ في طينٍ حبيبي ، عراقُكَ طين ، حظهُ من طين ، واجزمُ أن قلبَكَ نارٌ ستسجرُ فيها الطينَ
تأكدْ انكَ تبني وطناً تخمّرَ بدمِكَ ودموعِ الناسِ وشقاءِ المحرومينَ .

هل كانت لديك حبيبة ؟ من زميلات الجامعة أو من بنات الجيران ، تتأنق لها عند خروجك من المنزل ، تكتب لها رسائل غرام عبر التلفون ، وترسم احلاماً مستقبليةً معها .
هل أخبرتها لماذا تشترك في تظاهرات ضد السلطة وأجهوتها وميليشياتها ، والتي لم تعودوا انت وزملائك تخافونها ؟

متى سترتوي أرض البصرة والعراق من دماء ابنائه ؟

لتنعم عزيزي كَنون بهدوء الرقدة الأخيرة ، ولتعلم ان دمائكم لن تضيع ، وهي ثمن النصر القادم .
سينتصر الوطن ولو طال الزمن ، وسيتعلم شباب البصرة والعراق من ثمن الاستشهاد درساً قيماً ، درس ان يكون لنا وطن حقاً .
انها انتفاضة الأحرار ضد طغاة أحزاب الاسلام السياسي ونظام المحاصصة والفساد .

ستنتصرون حتماً ، وسيكون لنا وطن .

30 تشرين أول 2019