الفقراء يستعيدون وسط مدينة بيروت

سعيد عيسى
2019 / 10 / 29

لأسبوعين خليا من اليوم، كان وسط المدينة مفصومًا عن محيطه، آخر المحال الشعبية من الجهة الجنوبيّة، يتوقّف تمدّدها قبل جسر الرينغ بأمتار قليلة، وهي امتداد حيويّ للمنطقة الشعبيّة المكنّاة "خندق الغميق" وهي كناية عن محال للعصير، والفلافل وبعض المقاهي والمحال وآخرها مقهى شعبيّ، على شكل زاوية، معرّفًا عن نفسه بزاوية العلمانيين، في حين أنّ الجسر المذكور يقطع منطقة "زقاق البلاط"، ويوقفها، ويقف حائلا بينها وبين وسط المدينة، وامّا من الجهة الغربية، فيتوقّف آخر المقاهي فيها قبل فندق "فينيسيا" بقليل؛ من بعدها يأخذ وسط المدينة بعدا اجتماعيّا مختلفا عن محيطه، سواء من ناحية السكن، وهو قليل، أو من ناحية المحال التجاريّة والشركات والمقاهي القابعة فيه، إذ توحي مدلولاتها، أنّها لفئة اجتماعية عليا من المجتمع، وإن تنطّح بعض من الفئات الوسطى وما دون، للولوج إليها، بين الفينة والأخرى، محاولين إرضاء انفسهم، بالتسلّل إليها، محاولين أثناء ذلك، التقاط بعض الصور، ونشرها عبر وسائل التواصل الاجتماعيّ من باب التّشاوف على أقرانهم من الفئات المتماثلة معهم، محاولين رفع مستواهم إلى مستوى الفئات التي انبسط لها وسط المدينة بُعيد التسعينات من القرن الماضي.

قبل اثنا عشر يومًا، كان وسط المدينة على ما تقدّم، وإن يكن كان يئنّ من نتيجة انحسار روّاده، بفعل ضغط الأزمة الاقتصاديّة التي يعاني منها البلد ككلّ، لكنّه اليوم، بات مختلفًا تماما عمّا كان، فقد دخله جمهور المحتجين على الوضع السياسيّ والاقتصاديّ، واستقرّوا فيه، وفرشوا على مساحته خيما، ومنصّات، وبات يعجّ بالمئات، دخولا أو خروجا، في غالب الأوقات، مع استثناءات قليلة، تنحسر فيها الأعداد، مع بداية الهزيع الأخير من الليل.

بات الاحتشاد الشعبيّ، سيّد الوسط المدينيّ، مصحوبا بالأعلام اللبنانيّة، والرايات، والهتافات، والرسومات على الجدران، المتّصلة بالاحتجاجات، التي تحمّل المسؤولين في السّلطة، مسؤوليّة الانحدار الذي باتت فيه النّاس، خصوصًا من النّاحية الاقتصاديّة، محمولا على امتهان كراماتها.

إلى جانب ذلك كلّه، امتدت المقاهي الشعبيّة إلى الوسط، واحتلت مساحاته الجانبيّة، على حوافي ساحتي الشهداء ورياض الصّلح، مترافقة مع العربات المجرورة يدويّا، المحمّلة، بالفول، والذرة، والمرطّبات، والمياه، والعصائر، والصّاج لصناعة المناقيش على أنواعها، بالإضافة إلى النراجيل وغيرها، وبات بإمكان الوافدين، تناول ما يحلو لهم منها، بأسعار زهيدة، مثلها مثل أيّ مكان في الأحياء الشّعبيّة في لبنان.

على غفلة من الزّمن، استعاد فقراء المدينة، ما كان لهم ذات يوم، قبل اندلاع الحرب الأهليّة (١٩٧٥)، وأعادوا هندسة المكان، بناء على وعيهم وذاكرتهم الجمعيّة له، برغم كلّ الترتيبات التي اعدّت، لإبعادهم عنه، منذ بداية التسعينات، ودفعتهم للخروج نهائيّا من فضاء المدينة ككلّ.

إنّ هذه الاستعادة تشي، انّ المكان غير منسيّ بالنسبة لهؤلاء، وانّ العلاقة بينهم وبين أمكنتهم، هي علاقة عاطفيّة بامتياز، فيها حركة ناسهم الاولين، والعلائق المجتمعية المرتبطة بهم، وهم، وإن انتظروا نحو عقدين من الزمان ليستعيدوه، ويعلمون أنّهم بعد فترة سيخرجون منه، لكنّهم سيتحينون الفرص الآتية ليعودوا، ما لم يتمّ تدارك الأمر، ويعاد وصل هذا الوسط معهم، وفي ذلك دلالات، لن تقوَ أعتى الرأسماليّات في العالم، على الوقوف في وجهها، وما يصحّ في وسط بيروت، يصحّ على غيرها من المدن والساحات.