حق الشعوب في الثورة مكفول إذا حصُل القصد منه و المأمول

إيمان بوقردغة
2019 / 10 / 29

قد يثور الناس بصورة مشروعة ضد ما اعتادوا أن يطلقوا عليه اسم "الطغيان"، وكثيرا ما يطلق عليه الآن اسم القمع السياسي حيث ان طغيان
الأنظمة القائمة يثير حق الشعوب في الثورة .
و "حق" الثورة من أجل الحرية و الكرامة هو تكليف للناس بالدرجات العلية والمراتب السنية و صرف للهمة في كل أوان لجميع الأرواح التي تحمل داخلها
العالم الفكري فالفعل العقلاني الأسمى هو الذي يحتضن داخله الأفكار و"الحكمة المتعالية" التي تقود الأشرعة التائهة في الدأماء و "القافلة الضالة في البيداء "إلى موانئ دولة القانون.
حيث تنص المادة 2 من إعلان حقوق الإنسان والمواطن الذي يعدّ من وثائق الثورة الفرنسية الأساسية التي تُعرَّف فيها الحقوق الفردية والجماعية للأمة على أن :
"غرض كل اجتماع سياسي حفظ الحقوق الطبيعة التي للإنسان والتي لا يجوز مسها. وهذه الحقوق هي: حق الملك وحق الأمن وحق مقاومة الظلم والاستبداد"
فهو حق يتطأطأ عند عظمته تليع عنق الدهر قد سلكت مسلك تحصيله شعوب أجالت في حقائق الاِهْتِمَاط خواطرها وأحالت عن العوائق نواظرها و لاطت بالبلّة تربة الأرض حتى
لَزَبت فجبلت منها صورة المقاومة كاملة الرتوش لتستِوي على المهيع القويم والصراط المستقيم .
و الإهتداء إلى سواء السبيل يسلك نيسب تبرير الثورة ليس فقط بقمع الظلم بل بإتاحة العدالة.
و تسنّما لعلياء مقصد العدالة فإن الفعل الثوري قد وتّد بأوطان ميدان أرضها جبال الفضيلة الراسيات فإن التخلي عن حقوق الإنسان بدلاً من شن الحرب لإبقاء
أعلام الكرامة الإنسانية على مسالك الأوطان مرفوعة يفترض وجود وهن أخلاقي حيث إن الأسباب التي تُجبرنا على دخول المجتمع المدني تُلزمنا أيضًا بشن الحرب عندما تكون
الوسيلة الوحيدة للحصول على العدالة المنتصبة فلكا مزينة بالنيرات منجية من مهلكات العَسف.
فالعمل الثوري إذن هو عمل أخلاقي ، بل هو واجب ، يهدف إلى منع استمرار الظلم عندما يبدو أفق الحرية مشوبا بعرّاص الإستبداد في عهود قاتمة نُفخت فيها
جمرات الضيم فالأخلاق تدين أي دولة تنتهك حقوق الإنسان وترفض الاعتراف بها .
وعلى جُدّ آخر فإن العمل الثوري يمثل ذروة إرادة الشعب من حيث إنه وعي سياسي متحرك يحدد ويعلن في وجه العالم: "نحن الشعب! لإضفاء الشرعية على أفعاله
وترتيبا على ذلك فإن حق الشعب في الثورة هو حق غير قابل للتصرف باعتباره الملاذ الأخير للتعبير عن السيادة حين تقتفل كل الأبواب فلم تكتحل حدقة التاريخ له بمثيل
فمثلما تغرّد الطيور في الوكنات ترتفع الأصوات في الساحات رافعة للإشكالات من معضلات المسائل بواضحات الشواهد و محكمات الدلائل على سيادة الشعب.
ويميل الحق في ثورة الشعب إلى الوصول إلى أفق بروميثي مرتبط بفكرة معينة من تقدم البشرية قاطبة وهو حق مكفول لكل إنسان سقف السماء فوقه مرفوع
ومهاد الأرض تحته موضوع فهو ليس مقتصرا على من يطلق عليهم هيجل اسم "الرجال العظماء" بل إنه مقصد متاح تحصيله و مندوب تبجيله للجميع بمن فيهم الأناسيّ
الأكثر تواضعًا فقد ألقت الجماهير نظرة على "سحر الحرية" فراقها زبرجها السنيّ و صولجانها العليّ.
لكن يجب أن يكون العمل الثوري كعمل سياسي متناسباً مع الأهداف التي حددتها الشعوب منذ البداية فينبغي أن تكون على بيّنة بالمقاصد ووسائلها فتُجري في الأوطان ماء الحرية
و الكرامة متراكما زخّاره قد حملته على متن الزعزع القاصفة ورشّ الرصاص من فوقها دفيق قد عصف بها في الأزقّة يردّ أولها على آخرها و ساجيها على مائرها حتى إذا
عبّ المُهْرُقان عبابه, رمى بجثث الشهداء ركامه بغير عمد يعمدها ولا حامل أعلام عدل بدثار الحق يُدثِّرها فيجري فيها سراجا مستطيرا في "فلك دائر و رقيم مائر"
فإن لم ترفع الشعوب بَيَارِق الكرامة و الحرية فإنها لعمري تحتفر ولا تميه وتعرّج عن صراط الحق فتتيه وتضطرب "اضطراب الأرشية في الطويّ البعيدة" فيركب بها الزلل
و يزيَّن لها الخطل وينتكث عليها فتلها وتمسي غرضا للنصال وفريسة لصائد نذل في مياه النضال فتُشرب تُرْبات الأوطان ماء زُعاقا " كجؤجؤ سفينة أو نعامة جاثمة"