التعديلات الدستورية

سعد السعيدي
2019 / 10 / 28

ادى طرح مآل مجالس المحافظات الى تجدد طرح امر تعديل الدستور الذي يحتوي على اساس قانون تلك المجالس. ومع طرح امر اي تعديل دستوري يجري معه دائما اثارة موضوع معوقات التعديل. وهو امر المحافظات الثلاث التي تضمنها الدستور لتمكين التعديل من النفاذ. ما الذي يقوله الدستور حول هذه النقطة بالضبط ؟

تقول المادة (142) من الدستور في فصل الاحكام الختامية ما يلي : (يكون الاستفتاء على المواد المعدلة ناجحا بموافقة اغلبية المصوتين ، وإذا لم يرفضه ثلثا المصوتين في ثلاث محافظات او اكثر).

لدي ملاحظات كبيرة على هذه المادة. فعدا عن كونها المادة الوحيدة في الدستور التي طرح فيها امر التعديلات عليه وبهذا الشكل المبتسر ، ما يكون الاساس الذي اجاز فيه مشرع الدستور لاية ثلاث محافظات حق الاعتراض لوحدها على اي تعديل له ؟ فالاستفتاء على التعديل معناه ان الاخير قد مر بالتصويت في مجلس النواب. فلماذا إذن تقييد وتخريب التصويت النيابي باستفتاء المحافظات الثلاث وهي اطراف حائزة كالباقين على تمثيل في مجلس النواب ؟ إذ يكون المشرع في هذه الحالة قد منح اية محافظات حق الاعتراض مرتين على نفس القانون. مرة داخل مجلس النواب ومرة اخرى خارجه ، وهو تجاوز على حقوق باقي البلد في مجانبة لمبدأ العدالة. وتماشيا مع نفس المبدأ فالدستور كأي قانون آخر يجب ان يكون متجانسا بين مواده وان يبتعد عن تمييز اي جزء من شعبه على حساب اي جزء آخر. فالقوانين ومنها الدساتير تشرع للتنظيم ولايجاد الحلول لا الى منح الامتيازات وتعميق الفوارق واثارة الحزازيات. ومنح تمييز لجزء من سكان البلد على حساب جزء آخر هو نقض للمادة (14) من الدستور التي تقول بتساوي العراقيين امام القانون دون تمييز. اود التذكير باني لست اول من طرح هذه الملاحظة. إذ سبقني في طرحها آخرين قبلي من خبراء القانون.

كذلك يلاحظ في هذه المادة بان المشرع قد قفز رأسا الى الاستفتاء في امر تعديل الدستور دون تحديد طريقة التصويت في مجلس النواب ، وهذا تضليل وتلاعب. فبعض المواد في الدستور مثل تلك المتعلقة بتشريع قانون المعاهدات قد ادرجت بعض التفاصيل مثل توافر ثلثي المصوتين في المجلس لتمريره. كذلك في فصل تشكيل الاقاليم ذهب المشرع الى وضع التفاصيل لتوضيح الكيفية !! فلماذا لا نرى مثيلهما هنا في هذه المادة ؟ من الواضح بان الهدف من وضع امر عدد المحافظات في الاستفتاء هو لعرقلة اي تعديل ، وربما ايضا لبث اليأس والاحباط. وهو كأنما يعلن مقدما استحالة اقراره وهو ما لا يجوز في اي دستور وقانون. وهو ما يشير الى ان من شرع الدستور كان يعمل وفق اجندات سرية غير معلنة.

لهذه الاسباب ارى من الضروري انه بدلا من الاتكال على مادة غير واضحة مثل هذه في الدستور ان يصار الى القيام بتأطير امر التعامل مع التعديلات الدستورية بتشريع نيابي يحدد فيه احكام التصويت عليها في مجلس النواب مع احكام الاستفتاء بعده. وكذلك اضافة احكام تحدد تعليق العمل بمواد منه او تجميدها عند اللزوم. ومن الضروري احقاقا للعدالة في هذا التشريع النيابي تجاوز جزء مادة التعديلات الدستورية اعلاه حول المحافظات الثلاث وإهمالها. ويجب ان تكون الجلسات طبعا علنية.

يلاحظ بانه لحد هذه اللحظة لم يلجأ احد بالمبادرة لتوضيح هذا التلاعب الدستوري بطريق تقديم طلب للتفسير من المحكمة الاتحادية بناء على مواد الدستور المذكورة في هذه المقالة. ربما لان هناك من لا يرغب بلفت الانتباه لهذه الامكانية مع احتمال صدور قرار قانوني من هذه المحكمة يمكن ان يقضي على سياسات اشاعة الاحباط والقضاء على احد اهم روافع الابتزاز ضد البلد. وهي سياسة مثلما يستنتج من تجربة السنوات السابقة كانت شديدة الاضرار بالبلد وغير مفيدة.

ان منح فئة او جزء معين من الشعب حق الفيتو على اية تعديلات دستورية هو امر غير منطقي ومخالف لنفس بنود الدستور. واية تعديلات يجب ان تجري بمشاركة الجميع من دون امتيازات خاصة لاية فئة او جزء من الشعب على حساب الباقين.