لا حاجة للحوار لدى السّلطة اللبنانيّة: هي تُضمر عكس ما تُبدي

سعيد عيسى
2019 / 10 / 26

د. سعيد عيسى

الحوار ليست حاجة للسّلطة في لبنان، وإن ضمرت على عكس ما تقول، وكذا الأمر بالنسبة للثائرين في شوارع لبنان، فالأولى (أي السلطة) هي أدرى بما يعتمل في صدور الناس، تعرفه جيّدا، وتعلم أنّ نظامها المصرّة فيه من المأزوميّة (نسبة لأزمة) ما فيه، وعبثًا تكدّ لترميمه، في حين أنّ ثائري الشوارع لا حاجة لهم للحوار مع السلطة، وهم على ذلك غير مصرين، رغم محاولات البعض منهم ركوب موجة الشارع وإن كانوا قلّة، التسلّق على اكتافه وادّعاء النّق باسمه.
يتنازع الشارع الثائر ثلاثة أنواع من الخطابات، وإن تكن مفردة "تنازع" هي هنا على غير معناها من الخلاف والخصام، إنّما دلالة تعبيريّة على وجهات نظر مختلفة، لكنّها ملتقية مع بعضها في نهاية المطاف، تتغيّر أولوياتها كلّما اتجهنا من الخطاب الشعبي تدرّجا نحو الخطاب النّخبويّ،

الخطابات الثلاث تتراوح بين الخطاب المعيشيّ، ويبرز في عبارات تحسين الأجور، والبطالة والسكن والصحة والاستشفاء، والدواء وغيرها من العبارات، وهذا يعبّر عنه المواطنين في الشارع، بينما الخطاب الثاني هو سياسيّ راديكاليّ، ينطلق من الخطاب الأوّل ولكنّه يضفي عليه مسحة من الإيديولوجيا اليساريّة، مع استنتاج مسبَق مفاده إنّ العلّة في النّظام الرأسماليّ المشوّه، ولّاد الأزمات، المغلّف بالطائفيّة وتتجلّى تعبيراته بإسقاط النّظام الطائفيّ، من رئاسة الجمهوريّة وصولا إلى مجلس النوّاب، وما بينهما، وإعادة بناء السلطة من جديد، وأمّا الخطاب الثالث فيدعو إلى إسقاط الحكومة، والإبقاء على رئاسة الجمهوريّة وتشكيل بديل موثوق منها (الحكومة)، وإجراء انتخابات نيابيّة مُبكرة، تعيد تشكيل النّظام الحالي في محاولة لتعديل موازين القوى الطائفيّة داخل النّظام نفسه، وتتراوح تعبيراته ما بين المطالب المعيشيّة وإسقاط الحكومة.

الجامع المشترك بين الخطابات الثلاث هو الوضع الاقتصاديّ السيّْ الذي أوصلت إليه النّاس، القوى السياسيّة الطائفيّة، الممسكة بزمام السلطة، والمتمحورة حولها، المتنازعة فيما بينها، والمستغلّة لها، وهو نزاع وإن يكن خفّف الثائرون في الشارع من حدّته، واستدعى بعضهم بعضا للدّفاع عنه، وعن مكتسباتهم منه، ولكنّه، لن يلبث ان يعود من جديد، عندما تنقضي المعضلة التي اوقعوا أنفسهم فيها، إذا ما استمرّوا في الحكم - وهم مستمرّون – وإن يكن مع بعض التنازلات التي لن تكون حلّا على المدى الطويل، طالما الحكم بالنسبة إليهم هو غنيمة ومكتسبات، وليس وطنًا لجميع أبنائه، وهذا له حلّ من نوع آخر.