الرحلات القصية

مظفر النواب
2019 / 10 / 22


الرحلات القصية..
--------------------------------مظفر النواب


مقدمة :
أنا فَرِحٌ أن يهوذا الإسخريوطي قد طرح مشروعه ، وأراقب كل الوجوه
وأضحك.
لقد كشف يهوذا الإسخريوطي وجوهاً كثيرة.
سأغني الآن غزلاً ، أدوزن نفسي به
ثم آتي على قصيدة كُتِبت لهذه الأيام.


*****



لِكُلٍّ نديمٌ يُؤرِّقُ
والقلبُ مَلَّ نَديمَه
كأنيَ عِشقٌ
تَقَوَّقَ طَعمَ الهَزيمة
دخَلتُ وراءَ السِّياجِ
فآهٍ مِن الذُلِّ
في نَفحة الياسمين
ذَكِيٌّ ويَعرفُ
كلَّ الدروبِ القديمة
وآهٍ مِن العُمرِ
بين الفنادقِ لا يَستريح
أرِحني قليلاً
فإني بِدَهري جَريح
لَكَم نَضَجَ العِنَبُ المُتأخِّرُ
وانفرَطَت بعضُ حبّاتِهِ
كُن يداً أيها الحزنُ
واقطِف
ولا تَكُ ريح
رَمَتني الرياحُ
بَعيداً عنِ النهرِ
فاكتَشَفَت بَذرَتي نَهرَها
غَطَّتِ الدَّربَ
والفِتيَةَ المُنتَمينَ
إلى اللّعبِ
والخَطرِ البُرتقاليِّ
في حَدَقاتِ الزُّقاقِ
وتَدخلُ غُرفةَ نومي
وهذي رُسومي
وهذا صِبايَ الحَزين
وتِلكَ مُراهَقَتي في شَبابيكِها
ولُهاثُ السَفرجلِ
والشّوقُ
قَد كَبُرَ الشوقُ
عِشرينَ عام
وصارَ اشتياق
وما مِن دُموعٍ أُداوي بِها
حَضَراتِ الهُمومِ الجَليلةِ
إلّا قَميصي وقلبي
وكلمةِ حُزنٍ
نَساها الرفاق
تَفَتَّحَ حُزنٌ كثيرٌ
غَداةَ افتَرَقنا
ولستُ على أحدٍ نادماً
غَيرَ قَلبي
فقد عاشَ حُباً مُعاق
أُحَلِّقُ وحدي بطائرةٍ
كلُّ ركابِها نَزَلوا
في مطارٍ غريب
وأغطَسُ في البَردِ
لا طاقِماً...لا مُضَيِّفَةً
لا مطاراتِ حُبٍّ
سأنزلُ فيها
ولا بلداً عربياً
يكونُ تبرأ مِني
الزمانُ الحَبيب؟
لَكَم كانَ يَكفي
قليلٌ مِن الورقِ
الناعِمِ البالي
أصنعُ طائرتي
وأهيمُ بِها في الطُفولةِ
والناسُ مثلُ الطُفولةِ
صَحوٌ يُغنّي بهِ عَندليب
وتلكَ النوايا الصغيرةُ جِداً
تَمُرُّ البساتينُ فيها
وتَبني قَناطِرَها
والكلابُ الصغيرةُ
تركضُ في ثَوبِها الليلكي
وراءَ نُحاسِ المَغيب
وبُستانُ نونٍ
على شَفتَيّ مُراهِقَةٍ
قَبَّلَتني لأنّيَ طِفلٌ
ولا أفهم الرحلاتِ القَصِيَّةَ
ما زِلتُ طِفلاً تَهَجَأتُ
أو يَتَهجأُ قَلبيَ طِيب
وأتقَنتُ أقرأُ
مِثلَ الكَفيفِ
بهذي الأصابِعِ
خِصراً وكَسراتِهِ
فإذا ضَمّني مثلَهُ
لم أعُد مُعرَباً
بل بِناءٌ رهيب
لقد خَتَّموني الحروفَ
إلى النونِ ثم اكتَفوا
فَبَقيتُ رَضيعاً
وعيني على الواوِ والياءِ
أيتُها الأحرُفُ العربيةُ
فالهاءُ حَرفٌ عَجيب
وأمُدُّ الخُيوطَ
وطائِرتي تَسمَعُ النَّبضَ
عَبرَ خُيوطي
وفي اللّازَوَردِ السماويِّ
في طَرَبٍ تَستجيب
وقد يَعلَقُ الخَيطُ بِمَدخَنَةٍ
لِرفيقٍ قَديمٍ
فَيجفَلُ مِن رِقَّةِ الخَيطِ
هذا زَمانٌ دَنيءٌ كَئيب
وأخجَلُ أسحَبُ
خَيطي الوَفِيَّ
أراهُ لقد فَحَصَ الخَيطَ
حَدَّ الهزيمة
كَفى تَنفُخينَ رَمادي
تَقَصَّدتُ أن أحرِقَ القلبَ
مُستَعجِلاً
أصِفاتُ الحِريقِ السَّريعِ
ذَميمة؟
لذاكَ احتَرَقتُ
وأعطَيتُ ما يَعجَزُ النّورُ عَنهُ
فإني على النّورِ
بَعضُ النَّميمَة
لَكَم كُنتُ
كالورقِ الناعمِ البالي
حَدَّ الجَريمة
لقد خَربَشَ الحُبُّ أمسي
وقد خَرَجَت
خَربشاتُ الهوى لِغَدي
والتَقَت عِندَ تلكَ المصاطِبِ
والسَروِ والحانَةِ المُستَديمة
هنالِكَ مصطَبةٌ في النُّواسِيّ
يَغمُرُها القِشُّ والليلُ
كُنتُ أحِبُّ عَليها
وأنسى عَليها
وأربطُ طيّارَتي
والسياسةَ والعِشقَ
واقتَلَعَتها الجُذورُ الأثيمة
أُعيدُ المصاطبُ
قاطِبةً بِيَديَّ
إذا انتَصرَ النَّهرُ والناسُ
أدهَنُها غيرَ مَصطَبَتي
سوفَ أترُكُها
مِثلَما هِيَ
كانَت قَديمة
كما وسَّخَتها العصافيرُ
والنَّسنَسات
التي يتركُ العِشقُ والسُّكرُ
والصيفُ قَبلَ نهايتِه
والقوارِبُ بيضاءُ
في آخرِ النهرِ
في مَسحَةً
مِن ضبابِ رَحيمة
وأغفو عليها
وزِرَّانِ قَد قُطعا
مِن قميصي
ليَخرُجَ قلبي
متى ما أرادَ إلى دِجلةٍ
يَتَبرَّدُ ثُمَّ يَعودُ
يُمارِسُ نَفسَ الهوى
الخطيئةِ
بل والجَريمة
وأغسِلُ عَنّي
الذي زَوَّرَ المُلحَقونَ
بِكلِّ الدوائرِ
إذ وجَدوا القلبَ
دائِرتي وَحدَهُ
وبهِ أتحَدّى
ومِنهُ العَزيمة
وأقرأُ ثانِيةً بالأصابِعِ
خِصراً تَعَشَّقتُهُ
والقراءَةُ تأتي
وإن كَثُرَ الكَسرُ
والتأتآت سَليمة.