المنفى السياسي ورَقْش صورة الدولة الإستبدادية كاملة الرتوش

إيمان بوقردغة
2019 / 10 / 21

إن المنفى السياسي هو آلية للاستبعاد المؤسسي تهدف إلى إلغاء حقوق المواطنة وإبعاد الأفراد عن المشاركة الكاملة في الساحتين السياسية والعامة للدولة.
وبسبب طابعه الاستثنائي ، يميل الأدب السياسي إلى افتراض وجود علاقة بين الاستبداد والمنفى حيث يحدث الاستبداد عندما تمنح السلطة المطلقة للحاكم, وتحت قباب دولة استبدادية يصبح الحاكم فاسدا ويستغل سلطته لتعزيز مصالحه الخاصة بدلا من العمل من أجل الصالح العام.
فالمنفى إذن هو آلية للإقصاء المؤسسي من خلال طرد الضحية من الأراضي الوطنية بعد تصويب أسنة التشنيع إليها قصد التغريب و الترحيل خارج الأراضي الوطنية.
واستبعاد المجتمع السياسي من الدولة ينشّط سلسلة من القضايا ذات الأهمية الشخصية والجماعية
وفي المقام الأول يقذف الحرمان الأساسي من حقوق الإنسان الفرد على ساحل فرات الحرمان من مكان في العالم يجعل آراءه ذات معنى و أفعاله فعالة حيث أن الوطن
هو موئل التساؤلات حول المغزى من الحياة التي تنشأ وتتشكل في إطار سياقات متنوعة : عندما نكافح من أجل البقاء في أرض انتشبت عروقها فينا ,عندما نصبح محاصرين في أعمالنا عندما نشعر بصغر الطارقة ونحن نرقب سماء الوطن الليلية.
وفي هذا المنزل خلص عالم النفس و المفكر والمؤلف الذي قضى معظم حياته المهنية الأكاديمية والسريرية في الولايات المتحدة Bruno Bettelheim إلى : "إن أعظم احتياجنا وأصعب إنجازنا يتلخص في العثور على المغزى في حياتنا"
“our greatest need and most difficult achievement is to find meaning in our lives”
وفي نفس المثوى قال أحد الناجين من الهولوكوست والطبيب النفسي فيكتور فرانكل إن الإرادة البشرية للمعنى تأتي قبل إرادتنا في الاستمتاع أو الرغبة في الوصول إلى السلطة .
وحين تتهدّل علينا أغصان التساؤلات الوجودية حول المعنى في قدرتنا على الخروج من أنفسنا، فإننا نتقن النظر إلى حياتنا من منظور أوسع، وهي زاوية نستطيع أن نفهم منها بيئة حياتنا ونتساءل عن "لماذا؟ " ماذا نفعل فنتحول من مجرد المشاركة التلقائية إلى المراقبة والتقييم فنحن كأناسيّ نقوم بما هو أكثر من مجرد الاستجابة لتدفقات المنبهات فنحن نتساءل باستمرار من نحن وماذا نفعل؟ و كيف يمكن لهذه المخلوقات الصغيرة والبعيدة مثل أنفسنا أن تتلاءم مع المخطط الكبير للأشياء، في مساحة الوطن.
و بإبعاد شخص ما أو طرده من الإقليم الوطني أو إجباره على الهجرة خشية التعرض لسلامته الجسدية أو لسلامة أبنائه أو جهادا للنفس تحصيلا لخلاصها من العسف فإننا نمنع مقل عيون المعنى بليلها أن تهجع فتنزل البليّة و تحل الرزيّة وتحاك المكائد فلا تنقدع و تفتك الأدواء فلا تندفع فالنفي يمنع حيفا و ضيما تمتع المواطنين بحقوقهم المدنية و السياسية المرتبطة بالجنسية فيصبحون طرداء الموت فإن أقاموا بالوطن أخذهم
و إن فرّوا منه أدركهم فهو معقود بالنواصي فإن تقزّعت سحب الحتف لحين تلبّد ت حنطريرة التهميش والغربة لأحايين.
و تستخدم الأستاذة الجامعية و الكاتبة الأرجنتينية Pilar Gonzáles Bernaldo de Quirós مصطلح "الهجرة السياسية القسرية" للتعبير عن النفي الذي يعد من أقسى العقوبات التي تسلطها الأنظمة الدكتاتورية و أكثرها ظلما .
فمن يعارضون التوتاليتارية يمكنهم الاختيار القسري بين السجن أو النفي أوالوأد ،فضلا عن تعرض أطفالهم للمضايقة والإذلال في المدارس فينتفي الإختيار بالفعل لينتصب القسر حقيقة فلا يمكنك المقاومة أو الاحتجاج أو حتى الانتقاد.
واستمطارا لسحائب المعنى قوت الوجود ينبغي أ ن نتساءل عما يجب القيام به للسير في مناكب بساط تجلي سلطان دولة القانون التي لا تتسامح مع النفي و الإقصاء فننظر في الحق بعين وامقة ونسلك المقامات وننازل الأحوال لحمل أنفسنا على نمارقة العدالة وهي النور في أصلاب الأرض المطهَّرة من الأنظمة القمعية الإستبدادية التي تحد من التعددية السياسية و تنعدم فيها الحدود الواضحة لسلطة القائد فالاستبداد هو في الأساس آلية لاستبعاد التعددية السياسية والحد منها وهو يمثل نفيًا لمعايير ما أطلق عليه المنظر السياسي وأستاذ العلوم السياسية في جامعة ييل الذي أسس النظرية التعددية للديمقراطية Robert Dahl تسمية "تعدد الملكيات"
وترتيبا على هذه المقدمات فإن تسنمّ ذروة فهم المعنى والضرب في مدن الفضل بالقدح الأفضل و القسط الأجزل ينبغي أن يحصل عبر تعقب مقام العدل المحمود ليسكن المواطنون صوامع ملكوت دولة القانون
وفي المعسكر المقابل يجد مطمح تحصيل كمالات الروح الإنسانية عقبة كأداء وهي دولة الإستبداد و القمع المهدِّمة لصروح المعنى و الراسمة لصورة الظلم كاملة الرتوش فإن كان كظم الغيظ أمرا مأمولا في ساحة الفضائل فإن ميزان العدالة السماوية هو وِتر الله الموتور في السماوات و على الأرض.