كيف تتحقق ديمقراطية المجتمع فى ظل ديكتاتورية الأسرة؟

نوال السعداوي
2019 / 10 / 21

فى الآونة الأخيرة كثر الحديث عن حقوق المرأة فى القانون والتشريعات، والآن يشتد الجدل حول هذا الموضوع، نتيجة الوعى المتزايد بين النساء والرجال، الذين يتوخون العدالة، ويرغبون فى تغيير قوانين الأحوال الشخصية. كان القلم، والاحتجاج عن طريقة الكتابة فى الصحف والكلمة المطبوعة، هما طريقى لإثارة الوعى الشعبى بين أفراد الشعب المصرى. المشكلة أن الكتابة وحدها لا تكفى لتعريف النساء والرجال بالوعى المطلوب. فالمعرفة لها جناحان لا ينفصلان، هما الوعى النظرى بالحقوق، والوعى العملى لنقل النظريات من فوق الورق، على أرض الحياة المعيشة، داخل كل بيت، فى كل أسرة.

إن مصطلح «الأحوال الشخصية»، كما أعتقد خاطئ أو قاصر، لأن الأحوال الشخصية فى حياة الناس لا تنفصل عن الأحوال العامة. فالأسرة وحدة اجتماعية سياسية ثقافية، والأسرة هى نواة المجتمع الأولى الرئيسية، وهى دعامته، فكيف يمكن فصل الدعامة عن الشىء المدعوم ذاته؟. ولهذا السبب نلاحظ الصراع الذى بدأ منذ فترة ومازال محتدما، وشمل المجتمع بأسره. وقد انعكست عليه جميع الصراعات السياسية، والاجتماعية، والثقافية، والدينية، والنفسية، والأخلاقية. إنه قانون سياسى وشخصى فى آن واحد، ويمس صميم حياة البشر، نساء ورجالا وأطفالا. وليس بإمكاننا الإحاطة بالتحديات التى تواجه التعديلات والتغيير فى هذا القانون، دون الإحاطة بمشكلات المجتمع عامة ومشكلات الإنسان خاصة.

لهذه الأسباب، أختلف مع بعض الكاتبات والكُتاب والشخصيات العامة، التى حمّلت المرأة المصرية وحدها مسؤولية تعديل وتغيير قانون الأحوال الشخصية. إنها مسؤولية الجميع، الأفراد، والجماعات، والمؤسسات، والجمعيات، والمراكز.

وهناك نساء ورجال ساهموا بأقلامهم فى رفض قانون الأحوال الشخصية الراهن، وفى رفض تيار المزايدة الدينية على حساب القيم الحضارية العريقة لمجتمعنا المصرى، وعلى حساب جوهر الأديان الذى يسعى إلى العدل بين الناس دون تفرقة.

على هذا الأساس الجوهرى المنطقى والعادل، للدين الإسلامى، استطاعت بلاد إسلامية كثيرة أن تجعل الطلاق أمام القاضى، وأن يكون حقا للرجل والمرأة على حد سواء، وليس للرجل بمفرده. من هذه البلاد تونس والعراق وسوريا والصومال وغيرها.

وفى مصر 1928، وضع شيخ الأزهر «محمد مصطفى المراغى» مشروع قانون يمنع تعدد الزوجات إلا بإذن من القاضى. وقد هاجم الشيخ «محمد عبده» تعدد الزوجات، ورفض الطلاق كحق مطلق للرجل، فى أوائل القرن الماضى. وقد تعرض نتيجة لذلك لهجوم كثير من رجال الدين فى ذلك الوقت. لكنه لم يتردد فى الاستمرار فى دعوته العادلة المتمشية مع جوهر الدين، والتى كانت أكثر تقدما، وفهما للاسلام، وأيضا أكثر احتراما للمرأة.

إن السلطة المطلقة للرجل داخل الأسرة تجعل الرجل هو الآمر الناهى، والمرأة هى المطيعة المتلقية للأوامر والنواهى. وفى هذا الجو الديكتاتورى، يتربى الأطفال ويكبرون.

يقلد الأبناء الآباء. وتقلد البنات الأمهات. هل يمكن تحقيق الديمقراطية فى المجتمع، فى ظل البيوت الديكتاتورية التى تكوّن هذا المجتمع؟!. الديمقراطية ليست عضوا ينبت فجأة تحت قبة البرلمان بواسطة قرار. ولكنها سلوك ينتهجه الإنسان منذ الطفولة، وفى جميع مراحل العمر. إذا كانت بيوتنا ومدارسنا وجامعاتنا ومؤسساتنا المختلفة، غير ديمقراطية، فهل يمكن للبرلمان أن يكون ديمقراطيا؟.

كما أن السلطة المطلقة تفسد الإنسان، لأنها تفصل بين المسؤولية والقوة. إن سلطة الرجل المطلقة فى الطلاق وتعدد الزوجات، تشجعه على عدم الإحساس بالمسؤولية تجاه زوجته، وأطفاله. كيف يتولد لديه الإحساس بالمسؤولية، وهو قادر بالشرع وبالقانون، على إنهاء الزواج كما يشاء، فى لحظة غضب، أو نزوة جنسية؟. فى رأى بعض الناس، أن الحقوق التى تأتى من أعلى، لا تبقى، وليست أهلا للثقة، وتكون دائما متأرجحة، غير مستقرة، وفى أغلب الظن أنها ستتعرض لنكسات، أو عودة إلى ما كان عليه الوضع القديم. لكننى أتساءل: هل قانون الأحوال الشخصية هو القانون الوحيد الذى ينطبق عليه هذا القول؟. ولماذا على المرأة دائما، أن تدفع ثمن الصراع بين القوى السياسة فى المجتمع، وتكون أول منْ يتضرر بهذا الصراع، وتقلباته؟. الإجابة هى أن النساء لسن مثلا الفئات والشرائح المقهورة، التى لها قوة سياسية لها صوت مؤثر. فالعمال مثلا لهم نقابات عمالية منظمة، تتكلم باسمهم، ويمكنها لو صدقت وزاد وعيها، أن تنتزع حقوق الطبقة العمالية، وتحافظ عليها من النقصان، أو التراجع. والكٌتاب لديهم اتحاد الكتاب، وغيرها من الجماعات التى تتنظم فى رابطة، أو اتحادات، أو نقابات، أو أحزاب.

يقول البعض إن المرأة الأوروبية والأمريكية قد نالت حقوقها بعد كفاح مرير لعدة قرون. أما المرأة المصرية فإن حقوقها لم تكن ثمرة كفاح حقيقى على مر السنين.

كتب صدرت فى أوائل القرن الماضى، ألفها رجال، ودعمها نشاط بعض النساء من زوجات الأكابر. ولكن هذا ليس صحيحا. فقراءة جديدة عادلة للتاريخ القديم والحديث تكشف عن أن المرأة المصرية كافحت داخل ثورات العبيد، وداخل الثورات التحريرية ضد الاستعمار القديم والجديد. مثلا فى ثورة 1919، خرجت المرأة المصرية من كل الفئات والطبقات والشرائح فى المظاهرات الشعبية، خرجت فلاحات مع الرجال إلى الطرق الزراعية يقطعون أسلاك التليفون، ويتنزعون قضبان السكك الحديدية ليحجزوا قطارات سلطات الإنجليز، وسقط منهن، النساء، قتلى ومصابات وجرحى، برصاص الإنجليز، وتم اعتقال بعضهن. ومن التاريخ الحديث، هل نغفل وجود النساء المصريات من جميع الاتجاهات والطبقات والأعمار والمهن، والانتماءات الدينية والسياسية، والمستقلات، والمحجبات والسافرات، عاملات وربات بيوت فى ثورتى 25 يناير 2011، و30 يونيو 13؟.

الآن فى هذه اللحظة التاريخية الفارقة، التى تمر بها بلادنا، والمنطقة، بل العالم، يكون الوقت مناسبا لإجراء التعديلات والتغييرات فى قانون الأسرة، وقوانين الزواج والطلاق، وتشريعات كل ما يخص الأحوال الشخصية، إذا كنا حقا نريد الخطوات الأولى فى التقدم الحضارى، وفى رفع كرامة المرأة، وفى تغيير عقول الرجال، وفى تجديد الفكر الدينى.