حالة عشق لاوجاع آدم حاتم

مظفر النواب
2019 / 10 / 18







** عن الشاعر العراقي المرحوم آدم حاتم **




مقدمة:
كان حزن آدم يتغير مع تغير المدن، يتألق كالأحجار الكريمة في ليل بغداد، يغدو نداءات طير وحشي في سماء مدينة افريقية، يستجدي كفقير بوذي ثمن تذكرة في شوارع أثينا، ولم يبخل بخيوط حبره الرقيقة على كوفية فلسطيني مقاتل، وحين استقر به المقام في الشام زارته كل الخمارات والمقاهي والصيدليات، وكان له تاريخ من الحزن، في مقهى الروضة عاش غربته بالطول خمراً وبالعرض دخاناً، وانحنى عوده في الثلاثين تحت وطأة الهم، وأخيراً فقد الأمل...سحب خيوطه من الدنيا ووضع حداً لحياته ليبقى حياً.




إهدأ
لا يطرق بابك في الليل سواك
لا شيء سوى الريح
الريح المجنونة
تعبث بالأوراق هناك
ضع معطفك الصوفي على كاهل حزنك
تأنق بالصمت سنخرج للتشييع الأزلي
فآدم مات
وبقيت وحيدا
تذهب للمقهى بعد الآن بلا ثقة بالدنيا
تضج بعينيك خفافيش السنوات
تنعى آدم أم تنعى نفسك أم تنعاهم؟
ما دمت كبيراً يا قلبي ندفنهم فيك بأحلى الظلمات
شربوا الحانات وآدم غادرها
حشد فراشات يتبع حشد فراشات
كان يدبه أحياناً كان عليه تدب الطرقات
ذهبوا الآن الى الماضي
لم يبق سوى الشرفة والشارع
يذرف آخر موتى هذا الليل
وجو الشام مطير
وبقايا طائرة من ورق
تشبه أحلام المرحوم ممزقة
رغم الوحل تكاد تطير
آدم..كان إذا اجتاز ثلاثة أرباع القنينة
يصبح مثل دمى الأطفال صغير
ويمارس بالوهم هوايته
ينزل سحاب السروال ويركض خلف الدوريات
يحيي الممنوعات خوات الليل
وقد يحلم بامرأة ساخنة
خرجت للتو من التنور الكوني
ويهمس في خجل..
سيدتي لا أملك غير الأرض سرير
سيدتي ان سرير الأرض مريح
ولقد يمضي الليل يفتش عن قن دجاج
ليمارس عادته السرية للدفء
كفانا وطناً
نهق الوحشة تتوهمهم

تركوا الأيام وجاؤوك من الأمس
تخادع نفسك أنهم الآن وراء الباب
يصيخون السمع لدمعك
الخدعة واضحة والعالم يمطر
والموت مريح وصريح
أوراق النعوة تركض في الشارع
والحبر المرحوم على المرحومين يسيح
ما من أحد في مقهى الروضة
غبر كراسي الأمس و مخلوقات الأمس وأشياء الأمس
ولم يتغير شيء حتى آدم لم يتغير بالموت كثير
"خذ جرعة مازوت"
بدأ التشييع..جحافل صمت خلف النعش
وأمن مراقبة النشطين من الأموات
وثمة من يسأل: ماذا ترك المرحوم؟
جرائد بعض الأحزاب
لتسجية الوقت بحل الألغاز
هنالك حزب يشبه لغز الموت
وآدم كان إذا جاشت غربته
لا يطلب إلا بضعة ليرات
فالبرد عريض والحزن طويل
حاول أن يتطلع من شق التابوت
غطاء التابوت ثقيل
ولقد كاد يشف به التابوت
لكثرة ما فيه من الرقة
صار الموت للطف محياه جميل
والآن هو الشفاف الأزلي
يسير بكل شوارع بغداد
ويكتب ما شاء على الحيطان
وليس تراه الحشرات الليلية
يخرج برقيات الهجرة يلصقها للزينة
يضحك لا يقصد إلا والله اللهو
فإن السلطة لا تسقط
بعض الأحزاب يكافح من أجل
سقوط الشعب وتوزيع التركات
ثم تعاوده الوحشة
يهتف من مقهى "حسن العجمي"
ويطلب آدم...آدم يطلب آدم
صمتٌ...
ويقال له ترك المقهى قبل قليل
وسيبتدأ التشييع الهزلي فآدم مات
قيل له استلقى في التابوت
ولم يتغير شيء
قهقه...حتى غادر شفافيته لثوان
رصدته الأنواء الجوية
آن لآدم أن يتوحد
أن يرتاح
استأجر إحدى سيارات الأجرة
كي يصل الشام قبيل الدفن
سيحتاج لبعض الوقت لتوديع "فريدي"
وكبار السكيرين ومخلوقات المرجة في الليل
لقد كان يحب خصوصية هذه المخلوقات
يبحث في طيات الكفن الشاحب عن ربعية خمر
خبأها لليوم الأول في مملكة الظلمات
قبل الرحلة لا بد يهاتف بغداد
ولكن ما من أحد
همهم..سيدتي كتب الحزن على كل عراقي
ودنا الموكب من حفرة آدم
شاهد حفرته..تفحصها
لا بأس
لقد بات أخيراً يملك حجرة نوم
وطناً.. حجراً يتوسده
وغطاءاً من برد الشارع
يطعم عينيه الدود ولا يطعمها أجهزة الأمن
يحدق فيمن جاء من الصحب يشيعه
ينزل في القبر بكل هدوء
يسحب عدة جرعات
للنوم لآلاف السنوات
ويوارب آخر دمعة حزن
يمسحها بالكفن المتهريء
غادر آدم دنياه
وحد لها عدة مرات
وتسيل الدمعة خضراء
هي الماضي..
هي الأم...
هي الحب..
هي العائلة المشغولة والصحب..
هي الحرمان..
هي الشعب..
يهال تراب الشام على أجمل
وجه يحمل أوجاع بلاد النهرين
ويغفو...
آدم يغفو بعد سنين
الوجه جميل القسمات حزين
والشرفة فارغة
سمار الأيام المرة
ما عاد هنالك من يجمعهم
والليل طويل
فالليل طويل جداً يا آدم
جد طويل
الهاتف عاد يرن بمقهى الروضة
ما من أحد يرفعه
بغداد على الطرف الآخر
لم تلق سوى الروضة
عنواناً للميت آدم
في أي دليل
سيدتي...
صار لنا أكثر من مقبرة في الغربة
والسلطة من أفضال الله علينا باقية
والحزن جميل