سد أثيوبيا.. وأسطورة الدولة حارسة التناقضات مجددا

حاتم الجوهرى
2019 / 10 / 17

عاد خطاب السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي مجددا للمقارنة بين دولة ما قبل 2011م ودولة ما بعد 2011م، واصفا دولة ما بعد 2011م بأنها السبب في الواضع الراهن لمصر على المستوى الأمني والاقتصادي والاجتماعي في العموم، والأبرز أنها السبب في اختراق الأمن القومي المائي لمصر وسبب بناء سد النهضة الأثيوبي بمواصفات لا تتفق مع مصلحة مصر، وأنه في ظل دولة ما قبل 2011م كان يمكن بناء السد وفق مواصفات لا تضر بمصالح مصر وأمنها المائي.

الأمن القومي المصري كعلاقة بين التاريخ والحاضر
ربما في هذا الخطاب نظر وحاجة لعرض وجهة نظر أخري؛ دولة ما قبل 2011م لم تكن تمثل مصدر قوة في علاقتها بـ "مستودع هوية" مصر والالتزامات تجاهه، قياس قوة أى دولة او جماعة بشرية هو علاقة بين حضورها وبين تاريخها ومستوجع قيمه، دولة ما قبل 2011م تخلت عن معظم قيم "مستودع الهوية" المصري بطبقاته، أو فككت ما يمكن تسميته الأمن القومي وثوابته على معظم الدوائر، وتحولت إلى دولة "حارسة للتناقضات" يحافظ على وجودها النظام الدولي السائد وعلى رأسه أمريكا وإسرئيل، يحافظ على وجودها وفق الحد الأدني والحركة داخل نطاق السيطرة المسموح به، فكانت المعادلة أن تُبقى مصر عناصر "مستودع الهوية" العربي في حالة سكون وتفكيك وميوعة، في مقابل أن يحافظ على وجودها العام واشتراطاته عند الحد الأدني.
من هنا لم تكن المعادلة الوجودية لدولة ما قبل 2011م تحت حكم مبارك سوى معادلة صفرية على مستوى الداخل، حوالي ثلاثين عاما من اللا شيء والحركة محلك سر والدوران حول النفس، وعلى المستوى الواقعي في السياسة الخارجية خسرت مصر كافة مناطق النفوذ المعنوي والروحي، التي ارتبطت بها تاريخيا وأعاد إنتاجها عبد الناصر باعتبار مصر أحد الرعاة والنماذج الأساسية لدولة ما بعد الاستقلال عن الاحتلال الأوربي في أفريقيا وأمريكا اللاتينية وآسيا، وانحسرت القوة المعنوية والرمزية لمصر وتآكلت تماما.

أزمة دولة ما قبل 2011م مع "مستودع الهوية"
دولة ما قبل 2011م هي الدولة التي كسرت حاجز القطيعة السياسية مع الاحتلال الصهيوني ومنحته الشرعية في دول العالم كله، وانهارت بعدها معنوية القضية الفلسطينية ورمزيتها وتحولت لمفاوضات عبثية لا تراوح مكانها ولا طائل من ورائها، ومع ميارك تحولت "دولة ما بعد الاستقلال" بقلبها العسكري التي ظهرت كنموذج في عهد عبد الناصر، إلى دولة التكلس والجمود وغياب الكفاءات وحضور المحسوبية والفساد في كل أبنية الدولة، وتحولت سلطة "الدمج والتسكين" الاجتماعي في يد الدولة إلى التشوه وتغييب "الفرز الطبيعي" عن المجتمع، وتحولت بنية "التراتب الاجتماعي" المصري إلى الفرز وفق مهارات الولاء والنفاق والزيف والمداهنة والسكوت عن الحق، وانهارت قيم دولة ما بعد الاستقلال ذاتها مع مبارك، ثم انهارت القيم الأساسية للجماعة المصرية مع تشوه معايير الفرز والترقي في بناء "التراتب الاجتماعي"، وتصعيد أسوأ النماذج البشرية على رأٍس السلم في كل أبنية الدولة المصرية ومؤسساتها، وعملت منظومة "قيم التكيف" عملها في تكييف المصريين مع النمط السلطوي السيء السائد، وتبدل أخلاقهم للسيء لمجاراته والبقاء على قيد الحياة.
وعلى المستوى الأفريقي/ العربي (وأقصد الدول الإفريقية ذات الهوية العربية) أسقطت دولة مبارك/ ما قبل 2011م من يدها ومن أمنها القومي ومن الخطوط الحمراء للاستراتيجية العسكرية المصرية البحر الحمر كاملا، الذي كاد يتحول لبحيرة عربية خالصة مع استقلال إرتريا وإعلانها ذات مرة في التسعينيات عن رغبتها في الانضمام لجامعة الدول العربية، ثم انسحقت مصر تماما أمام المخططات الأمريكية وضاعت الصومال ومن بعدها جيبوتي، وجنوب السودان. وغزت أسرائيل الحبشة واستوطنت في منابع النيل، وقبل 2011م كانت مخططات السد معلنة من الجانب الأثيوبي ويعلم بها الجانب المصري/ مبارك تماما، لكنه كان يعلم أن دوره كدولة حارسة للتناقضات ذات أهمية لأمريكا والصهيونية، ستجعله يفاوض من مركز قوة فيما يخص السد، وأن النتظام الدولي سيحاول ترضيته مقابل دوره التفريغي لمستودع هوية الذات العربية في مقابل الهيمنة الأمريكية والصهيونية.
إذن ما هو موضع الخلاف مع خطاب الرئيس السيسي ونقطة بناء نموذج خططي جديد ومسار مستقبلي للأمن القومي المصري، بعيدا عن التقاطب بين ما قبل أو ما بعد 2011م، موضع الخلاف هو البحث عن مصادر القوة المصرية وتحديد مواضعها وتزكيتها كوسيلة ضغط وتفاوض على منضدة النظام العالمي الجديد، وذلك وفق الاختيارات التالية:

الاختيار الأول: إحياء أسطورة الدولة حارسة التناقضات
محاولة العودة للوراء واستحضار دور الدولة حارسة التناقضات سيكون اختيارا سيئا للغاية على كافة المستويات، تكلفته الرمزية والشعبية مرتفعة للغاية لأن سقف التوقعات والطموحات المصرية الجماهيرية ارتفع للغاية واستعاد الصلة مع معظم طبقات "مستودع الهوية" الخاص به، ومحاولة ترضية أمريكا وإسرائيل في الملف الفلسطيني وصفقة القرن سيكون وقعه ثقيلا للغايه وثمنه باهظا حتى لو أسرته الجماهير في نفسها لبعض الوقت، ومصر فقدت معظم أوراق التأثير التي تهم أمريكا في الخليج والشام والعراق، وفي الوقت نفسه خضع المجمتمع المصري لكل سيناريوهات التفكيك الناعم ولم يعد هناك تقريبا ما تريده أمريكا منه، فالتفكك الأسري (قانون الأحوال الشخصية) والتشوه التعليمي (المناهج التلقينية) والخطاب الإعلامي (برامج إعلاء دور الفرد وتزكية الوجود الذاتي) كلهم على صلة بالمعونة أو التوجيهات الأمريكية المباشرة أو غير المباشرة، وإذا أرادت دولة ما بعد 2011 أن تبحث عما يرضي أمريكا في تخريب المجتمع المصري، فستجد أن دولة ما قبل 2011/ مبارك قد خلعت كل ملابس المجتمع المصري وعرته تماما أمام المخططات الأمريكية والصهيونية ولم يبقى عندها ما تستر به ظهرها أو كتفها، ولنراجع ملف الزراعة مع يوسف والي وملف الصحة والمسرطنات وملف الغاز وملف الآثار وملف أراضي الدولة وملف الاشتراطات الأمريكية في تسليح الجيش المصري، وملف الثقافة تحديدا وتفريغ الهوية والاستلاب للنموذج الغربي مع خطاب ما بعد الحداثة الذي دُشن منذ تسعينيات القرن الماضي مع ثنائية جابر عصفور/ فاروق حسني وتلامذتهم الحاضرين في المشهد للآن.

الاختيار الثاني: التصالح مع دولة الثورة القيمية/ استعادة الذات
السعي لاعتماد مشروع وفكرة الثورة القيمية التي تعتمد على التمرد علي موروثات النمط التاريخي المصري وفكرة التكيف وتسعي للتحرر الذاتي والتوحد ممع مستوع هوية الذات المصرية، وهو اختيار صعب بدوره لأنه سيتطلب من دولة ما بعد 2011م الانقلاب على كل سياساتها الخارجية والداخلية التي تتبعها منذ وصول الرئيس السيسي لسدة الحكم، على المستوى الخارجي ستنقلب كل سياسات مصر وستدعم أبنية التغيير في تونس والجزائر والسودان وليبيا وسوريا واليمن، وستتخلي عن ممثلي دولة ما بعد الاستقلال بقلبها العسكري هناك، وبالتبعية ستصل الرسالة لأمريكا وإسرائيل أن مصر تسعى لبناء نموذج رمزي جديد لها في حاضنتها العربية، وستلجأ مصر لسياسة الردع للمفاوضة لحفاظ على مصالحها في المنطقة بدلا من سياسة الاسترضاء في دولة ما قبل 2011 مع الدولة حارسة التناقضات، إلى نهاية هذا الطريق الذي يعتمد على استعادة نموذج الثورة المصرية واستلهام أثره على المستوى العالمي وبناء شبكة العلاقات الخارجية استنادا للموقف منه. على المستوى الداخلي سيتطلب ذلك الاختيار أن يتحول الرئيس السيسي وحده إلى مركز جديد لصنع القيم والتمرد على السياق التاريخي الذي ينتمي إليه، والتخارج من بناء "التراتب الاجتماعي" استنادا لفكرة تزكية التناقضات والاستقطابات والولاء السياسي المجرد، وهى مشكلة مزدوجة لأن الرئيس السيسي في هذه الحالة سيكون عليه أن يواجه مستويين من التراتب الاجتماعي وشبكة علاقات المصالح المتعلقة بهما، المستوى الأول هو التراتب الاجتماعي الجديد لدولة في دولة ما بعد 30 يونيو والمراكز الاجتماعية التي استقرت للأبنية العسكرية والشرطية والقضائية وأيضا المؤسساتية، في مقابل مستوى آخر لتراتب اجتماعي أقدم لدولة ما مبارك/ ما قبل 2011م يعتمد على الخلطة السابقة نفسها لكن يضاف لها نفوذ رجال أعمال دولة ما قبل 2011م/ مبارك. فإذا سعى الرئيس السيسي للتحول للحظة مفصلية وبناء دولة مستقلة تعتمد على التصنيع والعدالة والابتكارات والدفع بأصحاب المهارات المهنية والعقلية وتقديم العدالة الاجتماعية واعتماد "الفرز الطبيعي"، سيكون عليه أن يواجه دولة ورثة مبارك والمستفيدين من دولة 30 يونيو، لبناء نظام وتراتب اجتماعي جديد يستند لدعاة ثورة يناير غير المنظمين والمستقلين حزبيا وأيديولوجيا بعيدا عن اليسار واليمين.. وهو اختيار سيتطلب بناء حجة قوية وتطوير خطاب رئاسي جديد، والوعي بتجاوز فكرة دولة ما بعد الاستقلال عن الاحتلال التي اعتمدت في مركزها على قلب عسكري تنتظم حوله أبنية مؤسساتية مدنية هشة، والتحول لدولة الثورة القيمية والفرز الطبيعي والمؤسسات ذات التوصيف الوظيفي المنضبط، واستعادة حالة الفعل وبناء نموذج حضاري مبادر يتجاوز الرد فعل للآخر.

المتغيرات التي واكبت الموقف الأثيوبي الجديد:
حقيقة الإدارة السياسية وعلى رأسها الرئيس السيسي في موقف لا تحسد عليه أبدا، ربما وقعت في خطأ استراتيجي مركزي بتوقيع الاتفاق الثلاثي مع إثيوبيا والسوان بدافع تسكين الملف والالتفات للتمكين لدولة 30 يونيو، لكنها الآن في حيرة شديدة من أمرها.. دعاة القطيعة مع ثورة يناير ورطوا الإدارة السياسية في كسب عداوات لم تكن البلاد في حاجة لها، وبعد أن كانت هناك مؤشرات قوية لأن تكون الفترة الرئاسية الثانية للرئيس السيسي، فترة انتقالية جادة بين دولة ما بعد الاستقلال التاريخية، ودولة الثورة القيمية الجديدة وبناء المؤسسات المستقلة المهنية واستعادة زمام المبادرة الحضارية وفق مستودع هوية الذات المصرية تجاه الآخر، زايد دعاة القطيعة على القرار الرئاسي - فيما أظن - وورطوا البلاد في تعديلات دستورية جديدة تهدف للتمكين السياسي البحت.. ثم تواكبت الأزمة بالمصادفة مع عدة ظرفيات سبقت او تزامنت مع الموقف الأثيوبي وهى:
- ظهور "محمد علي" المقاول والفنان القريب من دولة 30 يونيو وما صاحبه من تبعات، خلخت تحالفات "التراتب الاجتماعي" لدولة مبارك القديمة ودولة ما بعد 2011 الجديدة، ووضعت افدارة السياسية والخطاب الرئاسي أمام تناقضات جديدة عليه أن يحاول استعادة توازنها والسيطرة عليه، وإرضاء التراتب الاجتماعي لدولة مبارك وإرضاء التراتب الاجتماعي لدولة 30 يونيو، في حين تبدو مؤشرات توجهه الجديد لتفعيل بعض الصماعات المصرية القديمة في مأزق من حيث علاقته بالتراتب الحالي وم الذي سيستفيد منه، وسيتم تسكينه عليه ودمجه فيه من جانب الإدارة السياسية.
- موقف مصر من ثورة السودان ودعمها للقلب العسكري هناك في مواجهة الثوار، في حين تحركت أثيوبيا بذكاء وقدمت الوساطة لتكسب ولاء الثوار في النظام السوداني الجديد ودعهم لها، في مقابل أن النظام السوداني الجديد سيكن العداء لمصر لأنها تمثل بالنسبة له شبح دولة ما بعد الاستقلال بقلبها العسكري القديم.
- دخول صفقة القرن في لحظات الحسم، وبعد سكوت الرئيس السيسي عن مواجهة ترامب لفترة في ظل سياسة تسكين الملفات الخارجية، اضطر السيسي للمواجهة مما دفع أمريكا والصهيونية لاستغلال الفرصة، والضغط عليه وتذكيره أنه حتى الآن لم يحسم أمره بين موروث الدولة حارسة التناقضات، وبين دولة الثورة والنموذج القيمي الجديد المرشح بقوة ليزيح نموذج النهضة الأوربية من كلاسيكيات الثورة الإنسانية.

خاتمة:

أسطورة الدولة حارسة التناقضات انتهت إلى غير رجعة، وعلى دولة ما بعد 2011م الانطلاق من هذه النقطة والسعي لاكتساب مراكز قوة جديدة على الصعيد الأفريقي والعربي والعالمي والداخلي، مرحلة دولة ما بعد الاستقلال عن الاحتلال إرث القرن الماضي بمركزها العسكري انتهى دورها التاريخي وأفل، الدولة الجديدة في مصر يجب أن تقوم على مفهوم التغيير القيمي، من منظومة قيمة "التكيف" الموروثة إلى بناء المؤسسات المنضبط توصيفها الوظيفي، وعلى الدولة الجديدة أن تستمد قوتها من تواصلها ودفاعها عن "مستودع هويتها" بطبقاته واتخاذ ما يتطلبه ذلك؟
أثيوبيا تسعي لفرض قواعد جديدة في التفاوض مع مصر، على مصر تكوين فريق عمل ضخم وفعال وذكي ومرن للدفاع عن حجة مصر بقوة على الصعيد الإفريقي تحديدا والعالمي في العموم، هذا الفريق يجب أن تكون بنيته الثقافية والمعرفية على ثقل الجيل الجديد من الأفارقة الذين – من واقع احتكاكي بهم – دمجوا الخبرة السياسية للتحرر بمرحلة التحول المؤسسي الحالية وأصبحوا اكثر حنكة ووعيا، لكنهم يظلوا منفتحين للعرض الصادق لقضية ما، وهو ما تحتاجه مصر حاليا.
لابد من التحول نحو المهنية و"الفرز الطبيعي" في الاختيارات المؤسساتية وتجاز المرحلة البينية السابقة التي اعتمدت على بقايا دولة ما قبل 2011م والرجال متوسطي القدرات ومائعي الخيارات، وذلك في ملفات: الخارجية والإعلام والثقافة تحديدا، وهم الملفات الثلاث الأكثر صلة بمشروع تطوير خطاب مصري جديد على مستوى القارة السمراء والعالم أجمع.