الاستثمار في الفن التشكيلي

عبدالله احمد التميمي
2019 / 10 / 14

قبل ان نتحدث عن الاستثمار في الفن التشكيلي وجب علينا ان نتعرف على مفهوم الاستثمار ومفهوم الفن التشكيلي. فكلمة الاستثمار (Investment) يقصد بها توظيف رأس المال بهدف تحقيق المزيد من الربح، اما الفن التشكيلي : فيعني التشكيل في الفراغ مثل الرسم والتصوير والنحت والاعمال المجسمة في الفراغ ( الوقعي ، والوقع المعزز ) ويتفرع من الفن التشكيلي عدة مدارس واتجاهات فنية ، فعندما نمزج الفن التشكيلي بمفهوم الاستثمار نصل الى مصطلح صناعة الفن المرتبط بعجلة الإنتاج للسلع. والفنون التشكيلية هي جزء من تلك الصناعة والتي تعبر عن القطاع المساند للصناعات الإبداعية، وهذه الصناعة تهدف بالاساس الى استغلال الابداع لتوليد الثروة وزيادة فرص العمل.
هذا هو الاستثمار في الفن التشكيلي من خلال ربط الإنتاج الرأسمالي بالأبداع من أجل المزيد من الربح. فالصناعات الفنية الإبداعية في الدول الغربية تعتبر جزء مهم من الاقتصاد العام، حيث يتم أنتاج الفن وتوزيعها من خلال الوسائل الرقمية الحديثة، والذي قد يكون له قيمة تجارية من خلال الاستثمار في عدة مجالات منها الفنادق والشركات والمستشفيات. وغالباً ما ترتبط الاهداف السياسية في عجلة تطوير صناعة الفن التشكيلي وهذا ما يدفع العالم الغربي إلى توسيع الأسواق لتسويق سلعهم وخدماتهم ضمن اطار صناعة الصورة في الفضاء الالكتروني.
وعلى الرغم من اهمية استيراد صناعة الفن التشكيلي الرقمي، الا أن ذلك قد يكون له انعكاسات على المخزون الثقافي للأمم المستوردة لتلك الصناعة، وقد يؤدي إلى انحراف المنهج الفكري القائم على الموروث الحضاري لتلك الدول المستوردة. حيث أنه في بعض الاحيان يتم تسويق الصورة من خلال فكرة التجديد الحضاري لتكون بديلاً للصناعة الإبداعية التقليدية، وهذا ما يطلق علية في عصرنا الحالي بالصناعة التحويلية للأمم، عبر الاتصالات الحديثة، "الإنترنت"، والإعلام ، ومواقع التواصل الاجتماعي، أو من خلال تشجيع الدراسات الثقافية الفنية الحديثة( vultur, Mircea. 2005)
ونعتقد إن الاستثمار في صناعة الفن التشكيلي بالشراكة مع القطاع الخاص المحلي يعتبر من اهم دعائم الاقتصاد، حيث تساهم تقنية المعلومات في مجال الفنون على زيادة في الإنتاجية والنمو الاقتصادي للبلاد، كما تساهم في تعزيز كل أشكال التعبير الثقافي والتسويق الذاتي، ويواجه شباب هذا العصر ثورة تكنلوجية متسارعة تعمل على صقل المهارات الذاتية من خلال مواقع الإنترنت والهواتف المحمولة وشبكات التواصل الاجتماعي. ولمواكبة هذا التغير يحتم علينا أن نتصور كيف ينبثق الاقتصاد من الطاقة الإبداعية في الفنون التشكيلية. مما يؤدي الى زيادة الإنتاجية والنمو الاقتصادي العام في المنطقة .
فمع نهايات القرن العشرين شهد العالم تغيرات واسعة على جميع الأصعدة العلمية والاجتماعية والسياسية والتربوية، كل ذلك كان سبباً في توسع الرؤية المعاصرة لمفهوم الفن والتشكيلي، من فكرة انتاج الصورة الى فكرة الانتاجية والوظائفية في اقتصاديات الفن، بالتأكيد كان لذلك أثر في الانتعاش الاقتصادي في الدول المتقدمة، حيث تم اعتبار الاستثمار في الفن التشكيلي واحدة من مفاتيح التنمية المستدامة، من خلال المساهمة في بناء الاقتصاد المحلي، مما يجعل هذا الاستثمار يأخذ دور القيمة المضافة للاقتصاد الوطني، في مجال الآدب والفنون كافة، وعلى خلفية القدرة الابتكارية لهذه الصناعة أصبحت السياسات الاقتصادية في العالم داعمه للإبداع والفن التشكيلي بصورة اكبر.
ومنذ ما يقرب من عشرين عامًا، كان تحديد مفهوم قطاع صناعة الفن التشكيلي موضع نقاش، حول ماهية رأس المال الفكري الابداعي، وأثره على القطاع الاقتصادي. وعلى الرغم من توسع مفهوم الصناعات التشكيلية مع نهاية القرن الماضي، الا ان التطور المستمر في مجال تكنولوجيا المعلومات والذكاء الصناعي، قد ساهم في توسع دائرة هذه الصناعة لتشمل كافة محتويات الابداع الانساني الذي يتميز بالحرفية والمهارة العالية. لذلك تم اعتبار الاستثمار في الفن سمة من سمات الفعل الابداعي الإنتاجي، وهو العنصر الاساسي المكون لمحتوى الصناعات الثقافية المعاصرة، القائمة على هندسة اقتصاديات المعرفة، في كافة فروع الفنون الجميلة والتصميم وصناعة الفن الرقمي .
هذا المنعطف في مفهوم مقياس القيمة الاستثمارية للصناعات الفنية يقودنا الى اعتبار أن القيمة التشكيلية ذات دلالة على القدرة التسويقية للسلع الفنية، إلا ان تبني رؤية موسعة للاستثمار في صناعة الفن التشكيلي، قد يوسع مفهوم العولمة الى حد كبير، ليشمل كافة المنتجات التي يمكن ان ترتبط بها القيمة الثقافية المضافة، الى الحد الذي يكون فيه كل شيء ذات قيمة فنية، ويصبح المفهوم العام للإبداع مرتبط بالاقتصاد الانتاجي، الذي قد يزيد من حجم الطبقة المبدعة في هذا المجال، مما يزيد من وتوظيف الأفراد الأكثر ابداعاً، هذا يعني ارتفاع الاجور للطبقة المتعلمة المبدعة، مما يؤدي في النهاية الى وزيادة نسبة البطالة لأن الصناعة الإبداعية عموماً توظف الافراد الاكثر مهارة وحرفية.
فكلما ارتفعت الكفاءة الابداعية من منطلق إنتاجي، ارتفعت قيمة المخرجات الفنية بالتوازي مع حجم الاستهلاك ، وهذا شبيه بميدان الاقتصاد التجاري من حيث ضرورة أن يتوازن مقدار الإنتاج مع جودته وهنا تتضح لنا أهمية الربط بين الاستثمار في التشكيلي و حاجات المجتمع. لهذا السبب أن تطوير نوعية المنتج التشكيلي اصبح ضرورة. بحيث تساهم الفنون التشكيلية في التنمية الوطنية الشاملة ويكون صناعة الفنان المثقف هو محور هذه التنمية. من خلال تحفيز الوظائفية في الابتكار والابداع ونعتقد ان هذا يتطلب تفعيل اللامركزية في اتخاذ القرارات بالإضافة إلى اشراك المجتمع المحلي في صنع القرار بهدف تدعيم دور المنتج الابداعي بالمجتمع المحلي مما يرفع نسبة التقدم والعطاء.