جزر الملح ..

مظفر النواب
2019 / 10 / 13




--جزر الملح..
-------------------------- مظفر النواب .



الآن
والعالمُ برتقالةٌ
تَدورُ في بنفسجِ الأرواح
مِن قوةِ ذاكَ السائلَ الوحشيّ
في أعماقِها
تفتحُ تلكَ الشفرة
العَديمةالألوان للبَوحِ
على غرائزِ وجهِكَ الذابل
مِن أعوامي
ليلتينِ في السرير
وصمتُكَ المُرتاب
طائرٌ مُقَيد صغير
تَمَّ احتضار العالمِ القديمِ
وارتَخَت قبضته
لم يبقَ إلّا طلقة الرحمة
في جَبينِهِ الجنائزيّ
ثم تطلَقُ العصافيرُ إلى بلادها
ويَرجعُ الأسرى
الذين فَحَّمَتهُم رحلة الليل
سوف يعودُ مركَبي العتيق مثلهم
لكنني مُدبَّق القميصِ
بالدمِ البنفسجي
والصمغ الذي تُفرِزهُ العودة
في الخَدِّ الرمادي
لكلّ الذكرياتِ والشبابيكِ
التي ولّى صِباها
ولا تنامي
إني أشتَمّ طيات دموعي
تَنشُرُ الآنَ
أصواتُ احتجاجٍ على التأخير
في مرائبِ الأغرابِ
والتلكؤِ الحزين
لم يبقَ إلّا أن أرتِبَ الغربة
في صندوقِنا مع الأوراقِ
والثيابِ والمَهاناتِ
التي سَمِعناها
مِن المستنقعِ الموبوءِ
في غياهبِ السنين
وهذا دخانُ المَركَبِ الكبيرِ
يا حبيبتي
يجلو القناديلَ المُدَلّاة
على الميناء
يا للزُرقَةِ الملائكيةِ الجَناح
يا للنارِ تُلقي نورَها السحري
في وجهِ المُعَذَّبين
إنهم ينتَزِعونَ ذلك الروح العَنود
في المِرساة
حتى تستطيلَ العضلاتُ
في وجوهِهِم
ويُنصِتون للمحيط
في قرارِهِ الرهيب
لقد دفَنّا نصفُ مَن نُحبهم
في جزرِ الملح
وأقعَينا على الشاطيءِ
كالفقماتِ في صمتٍ
وكانت سفنُ الأغرابِ
تُلقي بفتاتِ الخبزِ
في وجوهِنا
لكنني نُهيتُ بعد ذلك
الموتِ الكبير
لم أعُد مِن المُكوثِ والرحيل
لم أعُد هنا
عَلَّمَني البحرُ في أن أنامَ
في ازرِقاقِهِ السريّ
مُنصِتاً لعالمِ الأعماق
والتَّنفسِ الماسيّ للؤلؤِ
والتواصلِ الغرائزي
والأسماكِ والسكون
يا رَحِمَ اللؤلؤِ والنخيل
يا بلادي يا حزينَةَ البيوت
مُدّي يَدَ الوَشمِ
فقد عُدتُ إليكِ
بالمعاضِدِ الخضراءَ
من حياتي
يا حزينةَ البيوت
والآن
والعالمُ برتقالةٌ تدورُ
في بنفسجِ الأرواح
مِن قوةِ ذاكَ السائلِ الوَحشيّ
في أحشائها
عُدتُ إليك حاملاً شفرةَ الكونِ
وانتهت طفولتي
وصِرت مِن طفولةِ الوجود
واختلط البحرُ
المُتَنفِس بالعَتمِ
برائحة الليلِ الفضيةِ
والغمغمةُ الرطبةُ
تقطرُ مِن صمتِكَ
والأشباحُ تمسك
في وهَجِ الظلماتِ
بأن هنالكَ ساحلَ وَهمٍ
وهم..وهم
وامرأة تبكي
أيّ مُزاحٍ هذا يِمزحُهُ اللهُ
فلا يترك إلّا القشرةِ
تُغريكَ بزاويةِ البحرِ
وأنتَ بزاويةٍ أخرى
وتَمُدّ يَدكَ
تَمُدها تخترق الساعات
وتخترق الليل
وجيوش السفنِ الأخرى
لوّثَتِ القلب
وشَعر شمّ نساء الأرضِ
بفَخذَيك
ويمسح مِن رئتيكَ
دُخانَ مواني يعوي الثلجُ بها
لِعوانس تبحثُ عن رجلٍ أُهمِلَ
في بعض قماماتِ الليلِ ليبكي
رأى الميناءَ يضيعُ
فأجَّلَ رحلتَهُ
أمسَكَ حبلَ الميناء
فما جدوى حبلُ سفينته
إن ضاعَ الميناء
غسلتُ عيوني بالجَعةِ الذهبية
كي يترنَّحَ هذا الحزنُ
وحطَّمتُ على أرصفةِ الغربةِ كأسي
غازَلتِ البعض شظايا الكأس
شظايا لايمسكني أحد
كي لا يمسكني أحد
صِرتُ شظايا
أجرَحُ
أجرَحُ حتى حينَ أنام
يا ولدَ البحرِ تَرجَّل
في طيك أسلحة
في طَيِّك أحلام
يا ولدَ البحرِ الأزرق
مُوَشّحةٌ عيناكَ
كأن الآبار إجتمَعَت فيها
لتُسِرَّ بشهوتِها
أن يُلقى يوسفَ ثانيةً
في ظُلمَتِها
وزليخةُ هذي المرة تَعبى
قَدَّت مِن كلِّ جِهات اللحمِ
حريراً مغسولاً أنهكهُ الغُسل
وكاد تُمزقه الأيام
واختلط البحرُ
وكُنتَ على سطحِ القُمرةِ
مُلقىً كالسمكِ النَّتِن
تَخَثّرَ كلُّ دُوارِ البحرُ بعينيكَ
وتوشِكُ أن تغرَقَ
في اللُّجَةِ بعدَ ثوانٍ
يا ولدَ البحرِ
ويعلو أنفُ الزورقِ ثانيةً
ويَعبّ هواءَ الليل
مُفزِعةٌ عيناكَ كأن الغرباءَ
يَقُصونَ حكايتَهم فيها
وتهرّب صفقة أفيون
وتعلقتَ بنابِ المَوجةِ تبكي
فالبحرُ سديمٌ مجنون
أينَ شجاعَتُكَ الآن؟
إن كتابَ الليلِ مُخيفٌ
يَقتُلُ قارِئه
فتشجّع أنتَ غداً
إحدى أوراق كتاب الليل
ويقرؤكَ الجهلاءُ الآتون
أي مزاحٍ هذا يمزحهُ اللهُ
فإن كتابَ الدنيا صارَ مُمِلّاً
ولعلّ اللهَ يُفكرُ ألّا يُكملهُ الآن
ويشرعُ في دنيا أخرى
وعلى الرّفِ سنُطوى
تحت غبارِ الأزلِ البُنيّ
لعلّ اللهَ يعاودهُ الشوقُ
ليُكمِلَ قصتنا
أرسي المركبَ يا ولدِ البحر
كبرت على الرحلات
وصارت عيناكَ تَنِزّانِ دموعاً
حينَ تُحدِّقُ في الزمن الآتي
وترتعشُ كفّاك الحاضِنتان
لعودِ الكبريت
وأنت تضيءُ سِراجَ القُمرةِ
للأغرارِ بعِلمِ البحرِ
تُريهم خارطة الحزن
هنا وطني
أولُ شيىءٍ في الدنيا
أعرفهُ يا أحفادُ
وآخرُ شيىءٍ يعرفُني
وينحني الأحفادُ وراءَكَ
مسحورينَ كمرجانِ البحرِ
بلادي مَلِكُ الوركاء
أضاعَ العُشبَ
وضاجعَ في الأرزِ
بكارةَ عشتار خضراءَ
وقامَ مِن الخَمَشِ النَّسَوي
يطهر في أصلِ الماء
بكارات الشّبق البَصَليّ
وسجى صاحب عَينيهِ
بغاباتِ الأرزِ
بكى كالشجرِ اليابسِ
قدّام الموتِ
نُواح يُسمَع
في سفنِ اللؤلؤِ في اليَمِّ
ورائحةِ الزعترِ والعرعرِ
في سَهلِ الروح وربّ الأسوار
وباني أسقفةِ المَعبَدِ
عادَ قتيلاً
يا ولد البحرِ
موشاةٌ أحلامكَ بالشّعرِ
كأنّ الكوفةَ فيها
وأبو الطيب سهّدَهُ الهَمّ
فأشعلَ تفعيلةَ شِعرٍ قِنديلاً
وتَشخَصُ عيناكَ كبوصلتينِ
إلى بلدِ النّخلِ
ويغلبُ فيكَ جلالُ الدين
ومئذنةٌ أبَّهَةٌ يأتي اللهُ إليها
كلّ صباحٍ
يُطعمُ بالخبزِ حَمامَ الغرباء
ويرتاح مِن الناسِ قليلاً
يا ولدي إن اللهَ احتارَ بعالَمِهِ
وتعبت مِن البحرِ
وتكرهُ فِعلَ الإرساء
وليسَ لها مِن هدفٍ
هذي الرحلة
أنت قفزتَ وحيداً
في الجبلِ العُلوي
ومُكتشِفاً وحدتكَ القُصوى
ورأيتَ هناكَ
رأيتَ لقد كان شمولٌ
أنت وصولٌ فيهِ
ويكمن فيهِ الأزلُ الكُلُّ
وملتصقاً بالرحمِ الكُلِّ
كحَيمَنِ وردٍ
يحملُ تجربةَ العطرِ
وتاريخَ النَّشَوات
ومشاكل هذي الدنيا
وفقدتكَ حينَ رجعت
مِن الرؤيا
كان لساني أصغرَ من ألف مبيض للسوسنِ والليمونَ
وطيورُ السُّندسِ تجتازُ الصمتَ
وينفلش الريش الأخضر
في ليلِ عيوني
فاجأني الصَّحو المُتفجِّر
حاصرَني فَقرُ الألوان
هددني المالكُ بالطردِ
وأقفِلَ سِفرُ الرؤيا
أعرفُ أن هنالكَ لاقطة
زرعَتها أجهزةُ اللّقطِ
لذاكَ نَزعتُ ثيابي
وتَعرّيتُ على بابِ الدنيا
هذا جسدي الموشوم
بكلّ الشهواتِ
وأخبار الغزو الليلي
وخوَّض القصبُ الجارحُ
في الأهوازِ
وقائمة الجلد الرجعي
مارست جميع الأفعال السرية
فاستُدعيتُ صباحاً
أعلنتُ ممارستي بالقلمِ السري
وأُبعِدتُ عن البلدِ المعني
بتهمةِ قذفٍ
قلتُ نعم
قلبي حَرّضتُ
وقلبي بين الوعيِ وبينَ جُنوني
نُفيتُ بالقلمِ المَشحوذِ
دخاناً كتبوني
فاسِدةٌ هذي البيضة
فاسِدةٌ يا ولدي
لا يخرجُ منها عُصفور
فَلِمَ تحملُ عُشّ البيض الفاسد
في دوحةِ كَفّيكَ حريقاً
ألقِ العُشَّ إلى البحرِ
تحرر مِن أنكَ
ملتصقٌ بالبرِّ وغامِر
فالكلُّ على الكلِّ مُغامر
والعالمُ أجسادٌ وخناجر
هاتوا صخرةَ بركانٍ سَوداء
لأحفرَ زهرَ جنوب السودان
وصوتُ البوقِ الأزليّ
وزمجرة السحر الأسود
في قدمِ الراقصةِ السوداء
فإن البرقَ سيفتحُ
بابَ الخَوفِ على مصراعيهِ
يُفَجرُ كيس الطّلعِ بجسمي
تتفجرُ برقاً أوردتي
هاتوا
هاتوا أيديكم
أُعطي الوحيَ لكم
كيف أسجل آلاف الأجراس
بحجلٍ تتفططُ منهُ الأقمار
هل أسدٌ أفزَعَ هذا النهد؟
تفَصّدَ أمزِجَةً كغزالٍ مَولود
فأخذتُ أُمسِّحهُ بخدودي
لسَعَتني النار
هاتوا صخرةَ بركانٍ سَوداءَ
مُطهرة بالنارِ
ورِقّةَ مِسكٍ لأصبّ قوالبَ
مِن هذا النّهدِ الأبديّ
ومَبخَرة ومسارحِ للرقصِ
وكوزاً أرسم وَشيَ
بني العباس السفاح
وسافرت إلى الغاباتِ
ظبي ذُبِحَ الآن
وللنبع عصافير
نقطةُ ضوءٍ حرقتني
في الفخذِ اليسرى
مِلتُ
فضجَّ الكونُ عصافيرَ ملونة
وصَعَدتُ على سلّمِ زقزقةٍ
فاهتز الشجر المُوغِل
بالتمرِ الهنديّ
فغطاني السندس
أغَمَضتُ
وصَدعٌ مِن خَمرةِ امسِ
وفي رأسي نهدٌ
والنهدُ فَرَّ مع الطيرِ صباحاً
وتحريت مطارات العالم
لم أسمع غيرَ الكذبِ
وأقعى طفلٌ
في عَفنِ الشمسِ
تَغوَّطَ في دِعَةٍ
وتَمسَّحَ كالجِنِّ
بآخرِ تصريحٍ
في صحفِ الأمس
وللنبعِ المجرورِ إلى الظلِّ
وتسحبهُ الشمسُ ببطءٍ
كلّ عصافيرِ الغاباتِ
ومأتمُ ظِلٍّ في قلبي
والخرطومُ تُذيعُ نشيداً لَزِجاً
يحملُ رأس ثلاثة ثوريين
ووجهُ نميري مُنكمشٌ
كمؤخرةِ القنفذِ
أين ستذهبُ يا قاتل
يا قُنفذ
الناسُ عُراةٌ في الشارع
الناسُ بنادقُ في الشارع
الناسُ جحيم
أي الأبوابِ فتَحتَ
فهنالكَ نار
وللهِ جنودٌ مِن عسلٍ
وعلى رأسكَ يا محجوب
رأينا سلةَ خبزٍ تأكلُ مِنهُ الطير
في ساعاتِ الصبحِ
سيمثل إسمكَ فيكَ
وضَجَّ الكونُ دماً
وعصافيرَ خرساء
مُفقأةَ الأعين
وارتفعت أدخنةُ الكَيفِ الدولي
إلهي أي مُزاحٍ تَمزحهُ هذا
ليسدلَ شيىءٌ فوقَ المسرح
أنا مَلِكُ التَرحالِ على قَدَميّ
وتاجُ التيجانِ على رأسي
حبة قمحٍ
والأعداءُ يدوسونَ
على فخذيها
وتُصلي وبكاءُ الثُوّارِ
قريبٌ منها
ورعاةُ الليل يهزون
فوانيسَ الفرحِ الوحشيّ
لماعزةٍ تَلِدُ الآن
ومدرسة الأطفالِ على التلّ
وفوق السبورة حرفٌ عربي
مخزنُ طلقات
أعطاني الأطفالُ رسوماً
لمراعٍ وقرىً
وطفولاتٍ مَزَّقَها الأحباش
فأين سأعرِضها؟
وأنا لا أملكُ غفوةَ عَين آمِنة
والأطفالُ تَفِرُّ على قدميّ
حَرَّرَني السيرُ المتواصِل
في الشمسِ السوداء
وأعطاني السهلُ المفتوح
غِناء الثُوّار
وكنتُ كأشجارِ الصمغِ
لهذا الفرحِ البحريّ أنوح
فإن الأخبارَ تجيىءُ الآنَ
بأنكِ تقتتلينَ الآنَ بِلا معنى
حوّطت عليك ضلوعَ اللّوعَةِ
يا باكِر
إن رياحَ قواداتٍ تتجمعُ
مِن كلّ جهاتِ الدنيا
وقياداتٍ باعَتكَ
لعَنَ اللهُ الولدَ
الغارزَ مِقوَدَهُ الخَشبيّ
في ثدييكِ ليزدادَ حليبهُ
وصَرخت بوادي الرحمة:-
يا اللهُ أعِنّي في ولدٍ
يَزني في بُقعَةِ مَولدهِ
أصواتُ جنودكَ
والكيزان الذهبية
مُشرعة أبداً
ويموتُ الأعداء
وتصطف السفن السود
على المرسى
لا يتقوسُ ظهرُ الثورة
إلا يُصبحَ قوساً
أعرف أن بين جنودِكَ عبد الله
وآدمَ والولدَ الأسودَ(دنكج)
وأعرف موسى
يابلد الثورةِ والأشجارِ
لقيتكِ في بلدِ الأحزانِ عروساً
ناديتكِ في الليلِ حبيبةَ قلبي
إن القاربَ يغرقُ
إذ يتمايل صاحِبهُ
وإن البقرات يَمُتنَ
وأنتِ الراعية السوداء
إلهي
فليُسدلَ شيءٌ
فوقَ المسرح
إن الأدوار ارتبكت.