انسان مع وقف التنفيذ ..رواية....6

خالد الصلعي
2019 / 10 / 13

انسان مع وقف التنفيذ ....رواية.......-6-
=====================
كان يشرف على كل أوكار القمار بطنجة ، كان سيد طنجة بامتياز . دخل السجن أكثر من مرة . ولم يردعه عن طريقه الذي اختاره شيئ .
عندما يفرجون عنه يجد نصيبه من أرباح القمار محفوظا دون ان يتجرأ عليه احد . يسوق سياراته دون رخصة سياقة . لا يعبأ بشيئ .
حين تركته عشيقته ثريا ، وعادت الى مصنع الخياطة بالميناء القديم لطنجة ، لم يتمالك نفسه . اقتحم الميناء بسيارته فولفو ، سيارة لم تكن متوفرة في شوارع المغرب كله حينئذ . ضرب حارس باب المعمل الذي حاول منعه من الدخول وطرحه بلكمة واحدة أرضا . دخل المعمل وأخرج ثريا بالقوة وهي تستغيث وتترجاه أن يتركها لحالها .
وحالما ركب سيارته ، لاحظ ان سيارة شرطة قادمة نحوه ، ضغط على دبوس السرعة برجله ، وفر بسيارته ، لكن سيارة أخرى للشرطة كانت له بالمرصاد ، فعاد وراء ، وأخذ يسوق بسرعة جنونية وسط ساحة الميناء الضيقة ، لكن كل المنافذ كانت موصدة ، فقد انضافت سيارة شرطة ثالثة ، ولم يكن من بد أمامه الا أن يقفز بسيارته من رحبة الميناء الى رمال الشاطئ .
ليس فيلما هوليوديا او بوليوديا ، انه واقع طنجة .
هرب عبر الساحل ، لكنه حين وصل الى "الواد الجديد " لم يبق له مزيدا من فسحة الهرب ، نظر حوله فاذا جيش من رجال الشرطة يترقبونه عند الشارع وفوق قنطرة الوادي ، خرج من السيارة رفقة ثريا وسلم نفسه اليهم .
بعد قضائه فترة سجنه التي دامت سنتين ، خرج من سجن طنجة الجديد . ملك في السجن. بمجرد ما يدخل يحظى بكل الاحترام من قبل سجاني السجن ، اما المسجونين فانهم عبيد له طواعية .
كابران منذ اليوم الأول . الجميع في خدمته . حتى تابعه ابن حيه "حجون " ، ورغم ضعف بنيته الجسدية ، ونحالته ، كان يحظى باحترام كبير من جميع ابناء الحي . هم في الحقيقة يخافون من الكبيري ولا يحترمون "حجون" .
حجون يكرهه الجميع .
فقد تابعه كان متجبرا ، ظالما ومسيطرا ، عكس الكبيري الذي كان قويا بما تحمله
الكلمة من دلالة ، لم يكن يعتدي على أحد من بسطاء الناس ،بل كان يفرض نفسه على فتوات طنجة وكبار لصوصها وقماريها. ولم يكن يحترم رجال السلطة أو يذعن لهم .
بعض الضعف يورث النفس الضعيفة شحنات من التسلط والجبروت . تماما كما تصنع سلطاتنا معنا اليوم .
تابع الكبيري الملقب ب" حجون " ، كان يحتقر الجميع رغم أن لكمة واحدة من أي شخص قد تسقطه أرضا .
شوقورو سارق خمسة نجوم ، استطاع أن يسرق فندق الريف بطريقة ذكية جدا ، طريقة مبتكرة الى درجة أن الخيال الشعبي نسج حولها سردية سبقت حبكات أفلام هوليوود بعقود .
تقول رواية الخيال الشعبي أن شوقورو هذا بعد تخطيط طويل ، استطاع أن يسرق خزانة الفندق ، ويقفز عبر نافذة مكتب المدير الى شجرة نخيل ، وبعد أن ألصق برجليه كرتي تينيس قفز مرة أخرى الى الأرض دون أن يصيبه مكروه .
لكن أخاه وشى به ودلهم على مكان اخفاء المال والمجوهرات بغرسة مورى . فتم الحكم على شوقورو بعشرين سنة نافذة .
حين خرج من السجن كان يبدو كرجل غربي ، قامته الطويلة وشعره الأشيب المتدلي من مرفقيه ، ولباسه الأنيق . لم يكن يلبس الا الكومبليه ، يعتني بتلميع حذائه . ورغم قصائه تلك المدة الطويلة في السجن ، الا انه لم يفقد نزعة السرقة ، وكان يأتي كل يوم تقريبا بطنجرات الضغط ، وعلب السجائر المهربة ، وقناني الخمر الغالي .
غير أن حجون كان دائما ما يضايقه ويطالبه بنصيبه .
في احدى الليالي وبعد ان لعب الخمر برأسه ، وامتلأت حقينة الغضب من حجون ، لم يبق امامه الا التخلص منه نهائيا .
أسر لبقال الحي ان الليلة هي آخر أيام "حجون " .
كان مستوى الضغط الذي راكمه شوقورو أكبر من اي احتمال ، ولربما خطط لطريقة قتله .
ففي صباح يوم بارد ، بينما كان بطلنا متوجها الى المدرسة ، وجد حشدا من الناس مجتمعين على جثة مرمية في احد أساسات أحد المنازل ، حين تم كشفها ، علم الناس ان الجثة ل"حجون " .
رهبة مشاهدة جثة في تلك السن تركت في نفسية بطلنا الصغير ندبة لا زالت حية في ذاكرته .
حجون المقزز والظالم مرمي كجثة عفنة في أساس احد المنازل .
قرر البطل الصغير أن لا يذهب الى المدرسة وبتابع سيناريو الأحداث ويطلع على جذور الحكاية .
بعد لحظات قدم رجال الشرطة ، طوقوا المكان ، عاين وكيل الملك الجثة ، حملوها ووضعوها في سيارة اسعاف . انطلقت بصفارتها نحو المستشفى .
لا زال وجه المفتش الذي تكفل بالقضية منقوشا في ذاكرته ، كان رجلا متوسط القانة ، مستدير الوجه ، تبدو على محياه علامات الذكاء ، يلبس لباسا عاديا غير متكلف . بل انك لا تظنه اذا ما رأيته أنه مفتش شرطة .
أخذ يطلع في وجه الحاضرين ، وكان من بينهم شوقوور .
قبل هذه العملية ، لاحظ بطلنا علامات تعجب على وجه المحقق وهو يبحث في الجثة ويعاينها قبل أخذها الى المستشفى . لم يعثر على قطرة دم واحدة . جثة صفراء مطروحة في أساس منزل ، بها ثقب صغير على صعيد الخصر الأيسر . يبدو أنها جريمة منفذة بحرفية عالية .
عمد المجرم الى تجفيف كل أثر للدم ، حتى ان الشرطة لن تستطيع اكتشاف مكان الجريمة . لا أثر يدل من أين استقدمت .
ولكشف المجرم لابد من محقق داهية .
راح المفتش يتأمل الوجوه ، بدا من الوهلة الأولى أن الجميع يحمل سمات البراءة . لكن شوقورو وبفعل اغتباطه بارتكاب جريمة كاملة ، ولأن روح الله عزيزة عليه كما نقول في أمثالنا الدارجة التافهة . فقد ركبه الغرور ونطق بجملة لا زالت عالقة في ذهن بطلنا الصغير ؟
" مستحيل أن يعثروا على المجرم " ، قالها ووجهه يقطر غرورا .تأمله المفتش دون أن ينطق ببنت كلمة .
كان بطلنا الصغير يتابع المشهد بوعيه الطفولي ، يلتقط المشاهد والصور ، يدون في ذاكرته الطفولية ما قد يتحول يوما الى سردية تؤرخ لحي أرض الدولة .
لاحظ المفتش ان جرحا طفيفا يعلو عنق شوقورو ، سأله ببراءة المحقق المتمكن ، دون أن يظهر في سؤاله أي اتهام :
-من أين جاءك هذا الجرح ؟
وببداهة عجيبة أجابه شوقورو
-قطعة قصدير أيها المفتش
ثم ذهب الى حاله المفتش يحوم حول ساحة الجريمة . وعاد اليه بعد ساعة تقريبا وسأله "
-يبدو أنه جرح طري ، وهنا لا أرى الا منازل من آجور واسمنت .
بارتباك سطحي أجاب شوقورو :
-قطعة قصدير احدى شاحنات الرمل .
بحسه العملي داخل الضابط الشك في هذا الشخص المثير للانتباه . لا أحد يلبس مثله من بين كل الحاضرين الذين يبدون جميعهم من دراويش الحي ، ولا أحد منهم يعتني بمظهره مثله . وهو ما جعل الخدش الذي يعلو عنقه يثير شك الضابط .
أحس الضابط ان رائحة غريبة تحوم في المكان ، وبسرعة استطاع أن يحددها . انها رائحة الخمر .
اقترب من شوقورو وسأله سؤالا بسيطا ليتأكد فقط ان الرائحة تخرج من فمه :
- هل تسكن بالجوار ؟
-نعم هناك .......وأشار بيده الى مسكنه .
في الحقيقة كان شوقورو مكتفيا بالاختباء في حانوت بسيط جعله مسكنا له ، حانوت لا تتجاوز مساحته مترين طولا ومترا ونصف عرضا .
عندما تأكد الضابط أن الرائحة تنبعث من فمه زاد شكه فيه . سأله للمرة الثالثة وابتسامة عريضة تملأ وجهه :
-يبدو انك استمتعت هذه الليلة ؟
ابتسم شوقورو هو أيضا ،ورد عليه :
- نعم كانت ليلة رائعة في فندق مرحبا .
في هذه الأثناء تركه الضابط ، وذهب عند ثلاثة من مساعديه وطلب منهم أن يرافقوا شوقور الى المخفر .