الأمن القومي المصري ودور الحاضنة الفكرية الرافعة

حاتم الجوهرى
2019 / 10 / 10

رغم أن الأمن القومي قد يظن البعض أن محدداته محسومة ومستقرة في الدراسات الإنسانية والعسكرية والتاريخية، إلا أن تلك قناعة في حاجة لمراجعة ونقاش بعض الشيء، فالأمن القومي في حقيقة الأمر هو فكرة ثقافية بالأساس تتمدد وتنكمش ما بين الضعف والازدهار، لتمد لنفسها أسوار الحماية على الأرض وقد تضيق الأسوار على أهلها أو تتسع بهم وتَرْحَبُ، ولا يحدث اختراق للأسوار إلا إذا اخترقت الفكرة قبلها، أو غفل القائمون عليها في الانتباه للمتغيرات المحيطة بها أو توقع مساراتها.
من هنا يكون الأمن القومي دائما في حاجة لحاضنة فكرية تعمل كبيت خبرة له، وكتيبة استطلاع فكرى وليس فقط كتيبة استطلاع عسكري، لتعمل هذه الحاضنة الفكرية وتجدد مفاهيمه وتحدد نطاقات عمله وتطرح أمامه احتمالات المستقبل وتستشرف مآلاتها وفق تصورها لـ "مستودع هويتها" وأولوياته في كل مرحلة، وأعتقد أن ما ينقص الجماعة المصرية حاليا هو غياب تلك الحاضنة الفكرية التي تصنع الصلة بين "مستودع الهوية" التاريخي وبين الطرق الانية للعبور للمستقبل، والقادرة على استشراف المتغيرات المحيطة به وطرح السيناريوهات على الحوار المجتمعي وأمام الإدارة السياسية للبلاد.
هناك دائما مفاصل تعبر من عليها الأمم في لحظات التحول التاريخية وتعمل كرافعة لها نحو المستقبل، وإذا اعتبرنا الأمن القومي هو في الأساس يرتبط بتصور الجماعة البشرية عن نفسها ومكوناتها الثقافية الخاصة بها ومستودع هويتها، لقلنا أن الأمن القومي هو مبحث ثقافي بالأساس خاصة في عالم تتدافعه عناصر الهوية المختلفة ما بين الذاتي والوافد، ما بين الاستلاب للآخر والتمسك بما هو خاص وموروث، وأصبحت فكرة البقاء في عالم متغير تتطلب ضرورة الاستثمار في بناء المراكز الثقافية، التي تعمل أبحاثها في نطاق التدافع الحضاري وتستشرف طرق بقاء الجماعة المصرية وازدهارها، في ظل إقليم مشتعل بالتدافعات الثقافية الإقليمية والدولية.
الأمن القومي في حده الأدني يرتبط بتأمين الموارد الطبيعية اللازمة لاستمرار جماعة بشرية في الحياة وتأمين مقومات وأبنية هذه الجماعة والدفاع عنها وعن تلك الموارد، وفي حده الأقصي يتحول لفكرة التمدد الحضاري والحركة في أشكال التمدد والتوسع وتبادل السيطرة بين الأمم والجماعات المتجاورة.. هناك شق يمكن تسميته بالجانب الصلب للأمن القومي، والشق الثاني يمكن تسميته بالشق الناعم للأمن القومي، الشق الثاني هو الذي يرسم المسارات ويحددها لكي يشغلها الشق الأول، أبرع الاستراتيجيات العسكرية لا يمكن لها أن تضمن البقاء إلا إذا صاحبها استراتيجية للاحتواء الثقافي والحضاري، وكذلك أمهر التصورات الثقافية لا تستطيع تأمين بقائها في جماعة ما، إذا لم تتوفر لها الحماية الصلبة في مواجهة مساعي فرض االرأي بالقوة، من هنا لا يسقط الأمن القومي لجماعة ما إلا إذا حصل الشقاق بين بنيته الصلبة وبنيته الناعمة.
لا تحدث هزمية صلبة/ عسكرية للأمن القومي لجماعة بشرية ما، إلا إذا وقعت غفلة لبعدها الناعم/ الثقافي وأخطأ في استشراف وقياس أنماط التدافع الحضاري المحيطة به، أو أخطأ في تأويلها ، أو أخطأ في الاتغماس في تفاصيل صغيرة وسقط منه سهوا الالتفات للصورة الكبيرة، من هنا تكون أهمية الوعي والمعرفة العميقة والدراسة الجادة لأشكال التحول والتدافع التاريخية بين الأمم، لربط ما هو تاريخي بما هو مستقبلي استشرافي، مصر تفتقد لحواضن فكرية رافعة تطرح السيناريوهات والاحتمالات أمام الحوار المجتمعي والإدارة السياسية للبلاد.. مصر تفتقد للمفكر الحضاري القادر على قراءة أنماط التدافع التاريخية، واستشراف محددات وجود أنماط التدافع المستقبلية واحتمالتها.
تغرق البلاد في تفاصيل وصراعات صغيرة وتهمل الكليات والبحث في مصير الجماعة المصرية أو ما أصبح يسمى بالأمن القومي، الجناح الصلب (العسكري والمادي عموما) أو الجناح الناعم (الثقافي او الفكري عموما) يحتاج حاليا لإعادة تقديم حجته أمام العالم وكسب التأييد لها قبل أي حراك، مصر في حاجة لاستعادة وجودها الأساسي في دوائر انتماءاتها المتعددة وفق مستودع هويتها.
خاصة في ملفات مثل ملف المياه تحديدا أمام الدول الأفريقية والصين، وكذلك أمام الهند وروسيا واليابان وأمريكا اللاتينة والدول الأوربية ذات النفوذ، يجب أن يحظي الاختيار المصري ناعما أو صلبا (وللترتيب دلالة جوهرية) بالحجية أمام الرأي العام الأفريقي والعالمي، نحن في حاجة لحشد خطابات الحاضنة الثقافية وطرح سيناريوهات المشهد أمام الحوار المجتمعي، ثم عرض حجيتها بالأخص أمام أشقاء القارة السمراء ودولها الرئيسية، وأمام الأدارة السياسية المصرية قبلا ليكون أمامها أفق الاختيار من متعدد وإمكانية التعرف على البدائل وما يتطلبه كل بديل.
الأمن القومي الصلب/ العسكري/ المادي، دون حاضنة ثقافية/ ناعمة/ فكرية رافعة، له سيفقد البوصلة.. القوة في حاجة لمبرر ونظرية وحجة للوجود، هناك نقص في الطروحات الفكرية أمام الإدارة السياسية المصرية لضبط مسار الأمن القومي المصري الصلب، وفق نماذج تطبيقية واقعية على الملفات الحاضرة الآن أمام الدبلوماسية المصرية، عموما تفتقد الحاوية المصرية لمساحات التفكير الكلي/القومي، وانغمس المعظم في تدافعات وتقاطبات التفكير الجزئي/ السياسي، وعلت اصوات الاحتجاج على أصوات طرح البدائل.
الظواهر الاجتماعية/ النفسية التي صاحبت ظهور وسائل التواصل الاجتماعي، وأثرها على النخب المصرية في حاجة لدراسة متأنية، يبدو أن النخب الفكرية المصرية وقعت في العديد من سمات عامة الناس، بما تضمه من ميل للتعبير والكتابة الانطباعية الظرفية للتنفيس لا أكثر.
الجماعة المصرية في حاجة لاستعادة الكثير من قيمها الأساسية، القيم القومية الأساسية بعيدا عن التدافعات السياسية الظرفية الراهنة التي ستنتهي عاجلا أو آجلا، وبنية المؤسسات الثقافية/ المعرفية في حاجة للاهتمام بإنشاء الحواضن الفكرية أو مراكز الأبحاث المستقبلية، القادرة على وضع السيناريوهات للعبور للمستقبل واستكشاف احتمالاته، في ظل الوجود في إقليم يتعرض لعمليات تدافع حضارية شديدة ما بين التمدد الحضاري والهيمنة الوجودية والتنافس داخل "مستودع الهوية" الواحد.