لماذا يقتلون الهوية؟

الحجاري عادل
2019 / 10 / 9

يمكن أن نتساءل لماذا يتم الإقرار عن قتل الهوية؟ فهل الإنسان ليس بكائي هووي؟ ولماذا تصر بعض الشعوب على إبادة هوية الشعوب الأخرى؟ أليس الإنسان كائن إجتماعي يعيش مع الأخرين أم مجرد كائن معزول؟

كل هاته الأسئلة تعود بنا إلى أن مفهوم الهوية لا تزال مرتبطة بالأرض وبالأحرى بالتاريخ والإنسان واللغة، كما أن الإنسان ليس مجبراً أن يتخلى عن هويته أو يهرب منها من حين لآخر عن تراثه ومحاولة قتل لغته فهذا لا معنى له بتاتا في العرف الإجتماعي، حيث ولد الإنسان عن طبيعة وأصالة هويته وتراثه وتاريخه، فلا مانع أن يجرد منها بشتى أنواع الطرق خصوصاً إن كان الإنسان تحت التعذيب أو الإضطهاد أو الحرب.

لقد سجل التاريخ الكثير من المعاناة والإضطهاد التي مورست في حق شعب ما، إما إرتدادا عن الدين أو طعنا في الهوية أو لمحاولة استلاب الأرض وتهجير البشر منها، كما فعل الأروبيين بإبادة شعوب أمريكا الشمالية وقتل ما يفوق الملايين من سكان الهنود الحمر، وفعل كذلك العرب لا سيما في عصر الأمويين عندما أقدموا إلى شمال افريقيا باسم نشر الإسلام، لكن هذا المعنى لا يتطابق مع السعي نحو إنشاء مجتمع إسلامي جديد، بقدر ما تجاوز ذلك ليصل إلى أعمال الإبادة والقتل الجماعي وتجريد الشعوب من هويتهم، ونفس الشيء فعلت فرنسا في إبادة هوية الأماريغ في المغرب وفي الجزائر، وفعلت كذلك بريطانيا في إبادة هوية القومية العربية.

لاشيء يمكن أن يصحح مسار الإنسانية، خصوصاً وأن التاريخ قد سجل الكثير من الأخطاء في حق هوية الإنسانية جمعاء، كما ليست الإبادة وحدها هي التطهير النهائي من الشر الذي يستقر في مجال جغرافي معين، إلا بقدر ما تزايد هذا العمل الشرير أكثر إجراما في حق الشعوب التي تعيش اليوم اختناقا من حيث الهوية، وتشويها من حيث اللغة، وافتقارا من حيث الإدماج في المحيط الثقافي واللغوي العالمي.

ولنا أن نشير إلى هوية الشعب الأمازيغي، لابد من التذكير بأن الأمازيغ شعب حر،تراث، هوية، تاريخ، حضارات، وهو الشعب الوحيد عبر التاريخ الذي عاش سنوات الإستعمار وقام بتصديتها بأرقى الوسائل، لأنه شعب حر متمسك بالأرض والهوية ولن يسمح للمحتل أن يغتصب الأرض استبعادا للسكان، وتهجيرا له، واستيطانا للعناصر السكانية الأخرى، وطمسا للهوية، وخنقا للتاريخ.

هكذا يعيش الشعب الأماريغي في شمال افريقيا استقرارا عن نظيره الشعب العربي في المشرق، لكنه مطالب اليوم بتفعيل هويته ولغته كعرف اجتماعي رسمي كليا مثلما العرف العربي، أو بالأحرى فالشعب الأمازيغي، من خلال مطالبه بإدماج اللغة والاعتراف بها محليا وإقليمياً وعالمياً، معناه اعتراف بشعب كان، وعاش، وممكن أن يعيش متساويا من حيث الشعوب الأخرى التي لا يعترضها أي طريق لطمس هويتها أو الإستهزاء بتاريخها والتنكيل بها.

إن حضارات العالم اليوم مستقرة، فهناك حضارة الأروبيين حيث لم يكن أي خنق للهوية أو اللغة، فقد انفتحت اوروبا وأمنت بالتعدد العرقي والمكون اللغوي، ونفس الشيء فإن البحث في جيوب حضارات الشرق خصوصاً العرب والفرس فإن المكون اللغوي عندهم لم يلقي أي اعتراض خصوصاً إن تم الإعتراف أو عدم الإعتراف بها، مثلما يعيش اليوم الأمازيغ بتاريخ تم تحريفه أو بكلمة تم تهميشها، أو بلغة تم إفقارها، أو بحضارات تم محو تراثها وتاريخها، أو بمقررات دراسية تاريخية تم الإستهزاء والتنكيل بها، فليس لكلمة " البربر " " الليبيون " أي معنى عند الأمازيغ، خصوصاً إن اتضح المدلول اللغوي الصحيح، فإن كلمة البربر هي تشويه الشعب الأمازيغي، والتي تدل على أنه شعب همجي متبربر يطلقها الأروبيين على شعوب البحر المتوسط، لكنهم تناسوا واغفلوا القبائل البربرية في أوروبا الأكثر همجية وتوحشا، فهناك قبائل القوط، والوندال، والومبارديون، والهون، والساكسون...

فأروبا كما كانت في القرن التاسع عشر والقرن العشرين، تواجه معركة ضاربة صوب شمال افريقيا، وها الشعب الأمازيغي الذي تصدها بشتى انواع الطرق الحربية، لقد ذاقت فرنسا طعم الهزيمة على يد ابطال جزائرين، مثلما ذاقته إيطاليا على يد مقاومة عمر المختار، ونفس الشيء تلقت إسبانيا أبشع ضربات مفجعة على يد محمد بن عبد الكريم الخطابي... كل هؤلاء الأبطال أصولهم أمازيغية، لقد حاربوا من أجل الأرض التي أعيدت إلى رقعة الإسلام، كما أن جل الشعوب التي تستوطن شمال افريقيا اليوم داخلة في الإسلام شبرا شبرا، لكن إقرارا مطالبها في ترسيم الهوية الأمازيغية لم يكن معترفا به، إذ أن السؤال المطروح هو لماذا يقتلون الهوية؟.