مَلينيال والأول من اكتوبر في العراق Millennial

حيدر مزهر يعقوب
2019 / 10 / 9

قبل حوالي شهر أُطلِقت حملة على موقع الحوار المتمدن (العراق ومئة عام من العزلة)، والتي إستُهِلت بتمهيد بسيط ومكثف حول مفهوم الجيل الجديد ودور الفجوة الجيلية في صياغته او إنتاجه في سياقه الإجتماعي ضمن النسق المجتمعي العام والنمطي المتاد، وكيف أن ثمة تغيرات جذرية إنفجارية قد تجعل من الإنبهار والدهشة، ماذا يحدث اليوم وكيف يبدوا لنا هذا الجيل الجديد.
ولغرض إستكمال الفكرة والوقوف على مدى أوسع وكذلك الإسترسال في متابعتها كظاهرة ومفهوم سايكوسوسيولوجي جديد ليس فقط في مجتمعاتنا ولكن حتى في الدول الغربية والمتقدمة ولكن الامر مختلف تماماً في التفاصيل .
وفي السياق نفسه لنا أن نتخذ من أحداث الأول من أكتوبر في العراق والتي عبرت عن مشاهد قد ُتكلف الدراما العالمية في إنتاج سيناريوهات وأفلام مشابهة لما حدث فيما لو أريد انتاجها سينمياً، التظاهرات لعشرات الآلاف إن لم تكن مليونية لأحدث جيل من الشباب العراقي والذي وضع قدمه كخطوة أولى في المشهد السياسي والإجتماعي العراقي وهو يعقد خواتيم البلوغ منذ تواريخ مواليده، جيلُ يُسمي الأشياء بمُسمياتها وأثبت أنه مُتغير ولاعب دورٍ في الغد القريب له حساباته واهميته ولكن هذه المرة خارج قواعد النسق الإجتماعي المؤطر للأجيال التي سبقته مهما إختلفت الأطر وفقا لتمرحل التأريخ من حيث النشأة والتركيب.
في حملة (العراق ومئة عام من العزلة) كمشروع إصلاحي مجتمعي جذري تمحورت الحملة على مفهوم الجيل الجديد الذي أعقب الفجوة الجيلية عن ما سبقه من الأجيال حتى آخر جيل له ممن يتعايش معه الآن، جيل برز بعد فجوة جيلية مع الجيل السابق وبالتالي نحن امام منظومة مدركات قيمية لها أثر في السياق الإجتماعي السياسي تختلف عن جيل سابق للتو، وهذا ما يجعل عبء التوجيه للقيادة المجتمعية بشتى أشكالها فقط لأنها لم تنتبه ولحد اللحظة عن هذه الظاهرة المهمة في الوقت نفسه العالم مشغول ومنهك في طرح الدراسات والتهيؤ لإعداد المستقبل لها لديمومة السلم المجتمعي ورفاهية الحياة.
وهنا، ننطلق من زاوية أخرى لرؤية جيلنا الجديد (جيل الفجوة الجيلية) وهو الدفقة الواحدة منذ نهاية التسعينيات وبداية الألفية الثانية والذي وصل لنا اليوم كجيل جديد في اول أيام بلوغه، وهو ما يسمى أيضاً حالياً في الدراسات النفسية العالمية (مَلَنيال أو مَلَنيالز ) والذي يميزه أنه جيل مولود في مدة زمنية واحدة، وتُثبت الدراسات الأجنبية الحالية والمستمرة أن هنالك بعض الخصائص التي تميز هذا الجيل عن كل الأجيال، وهنا بعض الخصاص بشكل مكثف وسريع لكن يجب إيضا التمييز بإختلاف المعايير التي يقف عليها قياس هذه الخصاص من مجتمع لآخر وهو ما يجعل ضرور الشروع السريع في دراسة الجيل الحالي سايكولوجياً وإجتماعياً.
أولا: الخصيصة الأولى أن هذا الجيل إنبثق مع الثورة التكنولوجية لتقنيات المعلومات، وهذا ما يميز نشاته مع حزمة التواصل الألكتروني، والتسوق، والتسلية والتخطيط والتعليم، فمنذ نعومة الأظفار إستعمال الهواتف الذكية هو المعيارلهذا الجيل ولديه إنترنت في البيت والمدرسة، وما يميز هذا الجيل ان مركز الذكريات السياسية له ألكتروني ،وفي دراسة أمريكية لُحظ ذلك في حملة إنتخابات الرئيس السابق باراك أوباما، وتشكيل حملات دعائية فيسبوكية وهي اول سابقة للذكريات السياسية الغير تقليدية كما في الأجيال السابقة.
ثانيا: التعانق بين الهوية النفسية والتكنولوجيا، من خلال ادواتها كالهواتف النقالة بمختلف ماركاتها والآيباد وغيره وبطبيعة الحال يميل هذا الجيل إلى تبني المواكبة السريعة مع التطور التقني التكنولوجي أكثر من الجيل السابق وهذا ما حددته الدراسات العلمية حالياً أيضاُ.
ثالثاً: حتى العمل لدى هذا الجيل يعني تكنولوجيا، لأنها .. اي التكنولوجيا جزءا من تجربتهم الحياتية والنفسية، وفي دراسة أمريكية لبيترسون أشار أنهم لا يهتمون لمشاهدة التلفاز او الذهاب إلى دور العبادة وأربعة أفراد من خمسة لا ينامون إلا بالقرب من أجهزتهم الخلوية ويجب أن تكون من ضمن ممتلكاتهم أي يشعر بانه يمتلكه شخصياً.
رابعا: ومن الخصائص التي أثبتتها الدراسات الآن، هو أن إستخدام الهواتف الذكية هو ليس للمراسلة فقط، فالتسوق، والبحث عن نوع البضاعات ، والمعرفة، ودفع التبرعات أو قضاء ساعات من التسلية ما يجعل إيضا مؤشر التدخين أقل ما يكون لدى هذا الجيل مقارنة مع الجيل السابق وفقاً لتلك الدراسات.
قد يبدو للقاريء أن كل هذه الخصائص معروفة، والجواب صحيح ولكن الفارق هو التشكل النفسي لشخصية الفرد من هذا الجيل وفقاً لهذا التوصيف يجعل من الأهمية بمكان الإنتباه بحذر خاصة وإننا كمجتمعات شرقية لا زلنا نعيش في ظل الموروث القيمي التابوي والذي يشكل لنا منظومتنا القيمية التي تحدد لنا سولكياتنا بينما جيل الميلينالز وأقصد العراق على سبيل المثال لا يوجد في حافظة ذكرياته ذلك الموروث القيمي وهي نقطة فاصلة التي تحدد مدى الفجوة الجيلية التي طُرحت في حملة العراق في مئة عام من العزلة، وأيضا هي ليست ذات الفجوة في المجتمعات الغربية لسبب بسيط وهو ان الفجوة الجيلية الغربية هي فقط على أساس فارق كمي في النسل عبر الولادات بينما فيما لو أفترضنا الجيل الجديد في العراق كدراسة حالة سنجد الموروث القيمي على أقل تقدير مختلف.
وعلى سبيل المثال، في تظاهرات الأول من أكتوبر عام 2019، لم يقف المقدس الديني القيمي عائق أمام هذا الجيل، وهذا لا يعني ان الجيل قد انكر البتَ هذا الموروث.. لا ..ولكن له أدراكات مختلفة وكما عبر عنها في إنفعالاته الإحتجاجية، وهو ما يميزه عن أقرب جيل سبقه، حتى مفهوم الحرب يحتاج إلى توصيف من وجهة نظر هذا الجيل، فالأجيال العراقية عبر كال العقود قبل دخول الألفية الثانية توزعت الحروب على شكل تزامن عقدي أي كل عشر سنوات تجد حرباً وتشكل جزءاً تأريخياً مهماً في ذاكرة تلك الأجيال، بينما هذا الجيل الذي ولد مع او قبيل الغزو بقليل 2003، لم تشكل تلك الحرب التقليدية الآخيرة جزءاً من ذاكرته وحتى الحرب على داعش الأخيرة عام 2014، هو لا يدركها حرباً بقدر ما هي أصلاً تتأرجح بين تعريفات عدة (صراعات على أسس مذهبية، مكافحة إرهاب عالمي، أو حرب بالوكالة).
سياسياً، وبعد أن فاجأ هذا الجيل العالم بحركته الإحتجاجية بتظاهرات منسقة ومن دون قيادة ولكنها تعكس الإنفعال الواحد لجيل كامل، هذا يعني وضع اول بصمة سياسية على مستوى العالم لجيل الميلينيالز العراقي، والذي أحتج على طبقة سياسية تقود البلد هي بتمرحل الاجيال بمثابة الأجداد له، الجدير بالذكر هنا والمهم .. ما هو التعامل الذي يجب على الطبقة السياسية أن تتخذه مع هذا الجيل الصعب؟ القمع!! .. فقد رأت بام عينها كيف تهاوى الشباب على الرصاص وكأنهم حقاً في لعبة (بوبجي)، أم بمجرد توفير الخدمات والوظائف والتعليم ومصدر العيش ؟ هنا يجب العلم بشيء مهم أننا نتعاطى مع جيل ناشيء في لحظات الشباب الأولى ولا يوجد للطموحات سقفاً محدد!!
أخيراً، أبرزت التظاهرات الأخيرة نقطة مهمة، وهي أنها لم تكن تظاهرات أو حتى لنفترض أعمال شغب تكافح بجهاز متخصص، فمن خلال الأسلحة والتكنيك الذي دار رحاه وخلف أكثر من مئة شهيد عراقي وآلاف الجرحى، هي أقرب ما تكون حرب ولكن (حرب الفكرة)، فالأسبوع الدامي لم يكن بسبب عدم وجود قيادات للتفوض وطرح المطالب او لمؤمرة كما يدعي البعض .. المعنى المستخلص هو حرب فكرة رفض الجيل الجديد (المعيار القيمي السياسي السائد والتقليدي وهو على أساس ديني ) ومن جانب آخر رفض الجيل السياسي السائد (المُتشيخ) تقبل هذا الجمع المجتمعي المفاجيء، والمفاجيء لسبب عدم فاعلية الخطاب السياسي الديني المرسل لمدة ستة عشر سنة لدى الجيل الجديد.