مصطلح الإيديولوجيا عند غرامشي بين الاعتباطية والعضوية

زهير الخويلدي
2019 / 10 / 9

" إذا كان الناس في علاقاتهم يبدون في الإيديولوجيا ، مقلوبين على رؤوسهم كما لو كانوا في الغرفة السوداء لآلة التصوير، فإن هذه الظاهرة تتولد عن مجرى حياتهم التاريخية"1
مفهوم الإيديولوجيا هو مفهوم إشكالي بامتياز ويحيل على عدد من المحطات التاريخية والتجارب الثورية والتوظيفات المتباينة ويتعرض إلى الكثير من سوء الفهم والأحكام المتحاملة والتشويهات والعنف التأويلي ويحتاج إلى الإبانة والتوضيح ورفع الالتباس الذي تعلق به وفصل المقال حول تاريخ تشكله واستعمالاته. لقد تحفظ ميشيل فوكو تجاه مصطلح الإيديولوجيا وذلك لصعوبة استعماله بالنظر إلى تعارضه الضمني مع شيء يعد على أنه الحقيقة في مستوى أول وإحالته بالضرورة إلى شيء يعتبر هو الذات في مستوى ثان ووجود هذا المصطلح في موقع ثانوي بالمقارنة مع شيء معين يمثل البنية التحتية في مستوى ثالث2 . كما يعتقد الدارسون أن كلمة الإيديولوجيا هي جزء من الجهاز المفهومي للنظرية الماركسية وذلك لكثرة استخدامها في الأدبيات السياسية للأحزاب الاشتراكية والشيوعية ولكن فاتهم أن المصطلح ظهر قبل تشكل العقيدة الماركسية من طرف عالم الاقتصاد دستوت دي تراسي الذي عاش بين سنة1745 وسنة 1836 في كتابه "مشروع عناصر لايديولوجيا"3 امتدادا لأفكار جون لوك ووظف من خصوم الماركسية لمهاجمتها وأطلق بصورة استهجانية على كل ممارسة سياسية وفكرة عقدية تتصف بالتصلب والانغلاق والجمود. في البداية تشير الإيديولوجيا idéologie في معناها الايتيمولوجي إلى علمlogie الأفكار idées إلا أن أنطوان دي تراسي حددها عام 1798 م بأنها "النسق الكلي للأفكار والمعتقدات والاتجاهات العامة الكامنة في أنماط سلوكية معينة وهي تساعد على تفسير الأسس الأخلاقية للفعل الواقعي وتعمل على توجيهه"، ويضيف إلى ذلك أنها:"علم التفكير والأفكار المستندة على الملاحظة الباطنية والمعرفة الطبية"4 . بعد ذلك يستعيد ماركس وأنجلز في الإيديولوجيا الألمانية عام 1846م هذا المصطلح ليدلا به على نظرية مجردة ومحيرة وتزعم الاعتماد على العقل أو العلم وترنو إلى تشكيل النظام الاجتماعي على أساس منطقي كلياني وتوجيه الفعل السياسي نحو أغراض فئوية ضيقة5 . لكن ماهي الإيديولوجيا في مختلف تجلياتها واستعمالاتها؟ وهل هي ضرورية في الحياة الإنسانية أم يمكن الاستغناء عنها ؟ وما سبب وجود تحفظات حولها ؟ وهل الإيديولوجيا فاعلة أم عقيمة ؟ وما وظيفتها في السياسة؟ وماهي علاقة الإيديولوجيا بالدين واليوتوبيا والثقافة والعلم والتقنية؟ وكيف يمكن رسم حدود لها؟ وماذا يحدث لو تخترق أجهزة الدولة وهيئات المجتمع المدني؟ بأي معنى يتحقق شعار نهاية الايديولوجيا؟
عدد كبير من الفلاسفة اشتغلوا على الحقل الدلالي للإيديولوجيا يمكن ذكر ماركس وأنجلز في محاولتهما فهم الأسس المادية للإيديولوجيا وعلاقتها بالطبقات وإبراز فعاليتها ووقعها في القلب والانعكاس والتبرير ومن جهة ثانية تناولها لويس ألتوسير من حيث ماهيتها وحضورها بكثافة في الأجهزة الإيديولوجية للدولة ولكن غرامشي خلصها من الغموض واللبس وربطها بالبنية الفوقية وفرق فيها بين الاعتباطي والعضوي في حين ربطها كارل مانهايم باليوتوبيا والمنظور وكشف عن استحالة الاستغناء عنها في مستوى التخيل. يبدو أننا أمام الكثير من الاستعمالات لكلمة الإيديولوجيا والبعض منها يدرج في خانة السلب والاستهجان والبعض الآخر في خانة الإيجاب والمدح والبعض الثالث في منطقة وسطى أقرب إلى الحياد الموضوعي.
الاستعمال السلبي: الإيديولوجيا هي وسيلة للإخفاء والتمويه والتخريف نتيجة انعكاس تمثلات خيالية على سطح الوعي وتبني الناس رؤية معكوسة عن العالم وتكوين نوع من الإدراك الزائف للعلاقات الاجتماعية.
الاستعمال الايجابي: الإيديولوجيا ضرورية بالنسبة لتماسك المجتمع واستمراريته فهي التي توفر للناس قواعد السلوك ومعايير التفكير وتشكل عامل محدد للهوية والانتماء وتساعد الناس على الاندماج الجماعي.
الاستعمال المحايد: الإيديولوجيا هي نظرية علمية لتحليل الواقع المادي بطريقة منهجية تجمع بين الجانب العقلاني والمنهج التجريبي وتسمح بالتحرر من الأحكام المسبقة والمتحاملة وتشتغل على تطوير العلم.
صحيح أن بعض الإيديولوجيات تتصف بالطابع المحافظ وتتميز بالنظرة التشميلية الاختزالية وتقع في التعميم وتترك الناس فريسة الاغتراب الديني والثقافة الآمرة وتسببت في بروز تيارات الفاشية والشعوبية والشمولية ولكن في المقابل توجد إيديولوجيا مفيدة تساعد حركات التحرر على التخلص من الاستعمار وتمثل سلاحا ثوريا ومثلت إطارا نظريا للقوى الاجتماعية الصاعدة وتم استخدامها في التغيير الاجتماعي.في هذا السياق بذل أنطونيو غرامشي مجهودات كبيرة من أجل تصحيح الأخطاء التي وقعت في النظر إلى هذا المصطلح الماركسي ودعا إلى تفادي الوقوع في المعنى الشائع السيئ الذي شوه الكلمة وتبني المعنى المطابق وفسر سبب الخطأ بتعمد ربطها بالبنية الفوقية أو بالإنشاءات الخيالية الاعتباطية للأفراد. حول هذا الموضوع الإشكالي يقر غرامشي بانتماء الإيديولوجيا إلى البنية الفوقية ويتعامل معها ككيان مميز ويراهن على قدرتها على تغيير البنيات التحتية ويرفض أن تكون الإيديولوجيا غير كافية وغير ذات فائدة ومنظومة بليدة ومفلسة ومجرد مظهر محض ويعترض على القائلين بأن الحل الإيديولوجي ليس حلا ويشير إلى وجود فوارق بين الإيديولوجيا الاعتباطية التي تساهم في إنشاء حركات فردية وجدالات جانبية والإيديولوجيا العضوية التي تعد ضرورية تاريخيا ولها صلاحية نفسية وتساعد على التنظيم السياسي للجماهير وتشكل الأرضية المناسبة التي يتحرك فوقها الناس ويتصارعون ويكتسبون وعيهم بأنفسهم6 . لكن كيف يمكن تفسير وقوع بعض التصورات الإيديولوجية في الانتقاء والتمييز والاستبعاد والازدراء7 ؟ وما السبيل إلى التمييز بين العادي والمرضي في الإيديولوجيا التحديثية التي تتبناها بعض المجتمعات؟ وأليست كل إيديولوجيا في حاجة إلى زرع الحلم اليوتوبي وكل يوتوبيا تحتاج إلى الدافعية الإيديولوجية ؟
الاحالات والهوامش:
[1] Karl Marx et Engels Friedrich, l’idéologie allemande, traduit par Française de Renée Cartelle et Gilbert Badia, les éditions sociales, Paris, 1970, p50.
[2] ميشيل فوكو، نظام الخطاب، ترجمة محمد سبيلا، دار التنوير، بيروت، طبعة 1984 ، ص73.
[3] Destutt de Tracy Antoine, Projet d’éléments d’idéologie,1801, édition l’Harmattan, Paris,2005.
[4] Destutt de Tracy Antoine, mémoire sur la faculté de penser, édition Fayard, Paris, 1993, pp71-74.
[5] Karl Marx et Engels Friedrich, l’idéologie allemande, op.cit, p15.
[6] Gramsi dans le texte, traduit par François Ricci , Jean Bramant ,Gilbert Moget et Armand Monjo, éditions sociales ,Paris 1977, pp207-208.
[7] Nestor Capdevila, le concept d’idéologie, édition PUF, Paris, 2004. 326 pages.
[8] Karl Mannheim, idéologie et utopie, traduit par Jean-Luc Evard, éditions de la maison de science de l’homme, Paris, 2006, 272 pages.
كاتب فلسفي