سلاح المواجهة الميدانية اليوم

صادق إطيمش
2019 / 10 / 4

سلاح المواجهة الميدانية اليوم
الإحتجاجات الجماهيرية لأي شعب من الشعوب وعلى مختلف سوح النضال الوطني، والتي تضع مصالح شعبها ووطنها على اولويات مطالبها الميدانية ، لا يمكنها ان تحقق الأهداف التي تناضل من اجلها دون ان تستند على أطر فكرية واضحة تتيح لها توجيه وتطويراستعداد الجماهير للمساهمة في هذا النضال وحتى التضحية من اجله ، وتواجه بها مسببي مآسي وويلات الشعب والوطن.
كثيراً ما نسمع نداءات تدعوا الى طرح الثورة الشعبية المسلحة كاسلوب مثالي لتحقيق النصر على الحكومات الفاجرة الخائنة المستبدة والمنتهكة لحقوق مواطنيها والمتهاونة المتخاذلة تجاه مصالح اوطانها. قد يكون هذا الأسلوب النضالي مجدياً ونافعاً وقد يؤدي الى نتائج ايجابية في مرحلة معينة من مراحل النضال في المناطق المختلفة من هذا العالم الذي تنوء الكثير من شعوبه تحت اوجاع المآسي الكثيرة التي تتراكم عليها على مرور الزمن ، وقد يكون هذا الأسلوب ناجحاً فيما لو اقتصر الحكم الجائر في هذا البلد او ذاك على القوة فقط في قمع الشعب وإخماد جذوات نضاله. وقد يؤدي هذا السبيل النضالي الى النصر على الحكومات الغاشمة اذا ما ارتبط ليس بقوة السلاح فقط ، بل بقوة الفكر المرافق لهذا السلاح . وهنا تأتي اهمية الفكر الثوري الموجِه للنضال الثوري لدعم واسناد الإستعداد الجماهيري النفسي والجسدي لمواصلة النضال حتى تحقيق الأهداف المرسومة له .
لقد مرت مراحل النضال الشعبي في وطننا العراق بمراحل مختلفة لعب الفكر الثوري فيها ادواراً تباين تأثيرها قوة او ضعفاً في هذه المرحلة او تلك من مراحل النضال.
ففي العهد الملكي الذي استندت فيه حكوماته المختلفة على القوة في مواجهة الإحتجاجات سواءً العسكرية منها، كما في حركة الضباط عام 1941 ، او الشعبية الجماهيرية ، كما في الإنتفاضات الكثيرة التي شهدتها سوح النضال الوطني والتي اثمرت بعضها عن إسقاط الحكومة بكاملها او تحقيق بعض المطالب الجماهيرية ، لعب الفكر الثوري دوراً هاماً في دفع الجماهير وشحذ هممها للمساهمة الفعالة والمكثفة في النضال الوطني. ولم تكن اطروحة حمل السلاح لمواجهة السلاح الحكومي موضوع مناقشة على صعيد القوى الوطنية التي قادت هذه الإنتفاضات الجماهيرية . والجواب الذي يمكن ان نواجه به السؤال : لماذا حدث مثل ذلك ؟ ينطلق من عدم وجود اطروحات فكرية لدى الحكومة تبرر بها طبيعة حكمها الذي ارتبط بالأجنبي بشكل اساسي والذي جعل وطننا تابعاً للتاج البريطاني ، وكل رجالاته وسياسييه اجراء لتنفيذ السياسة البريطانية في المنطقة. والأمثلة على ذلك كثيرة جداً ولا تقتصر على تصرفات شركات النفط ،او ربط العملة العراقية بالسياسة المالية البريطلنية ،او تنفيذ القرار البريطاني بتسفير يهود العراق قسراً الى الكيان الصهيوني الجديد التأسيس آنذاك استناداً الى وعد بلفورد البريطاني ، وغير ذلك الكثير.
كما لعب النضال الفكري الثوري دوراً بارزاً ايضاً في العمل السياسي في العهد الجمهوري بقيادة الزعيم الوطني الراحل عبد الكريم قاسم . لقد ساهم الفكر الثوري دوراً بارزاً في دعم الثورة منذ انطلاقها في يومها الأول ، ولم يكن بحاجة الى السلاح او استخدام القوة للدفاع عنها ، إذ ان القاعدة الفكرية التي كانت مهيئة لإستقبال حدث ثوري كهذا ساهمت بشكل ايجابي فعال في نجاح ثورة الرابع عشر من تموز. وقد دلت الأحداث المتعاقبة على اهمية هذا الفكر حينما بدأت سياسة الزعيم الوطني عبد الكريم قاسم تتجاهل هذا الفكر وتنخدع باطروحات ابعدت الثورة عن محتواها الثوري بالرغم من الإخلاص الوطني اللامتناهي الذي ظل يوجه قائد الثورة في كل مسيرته . وما فقد هذه الثورة ومنجزاتها وكل رجالها الذين قدموا امثلة حية على أصالة انتماءهم الوطني والخسائر الجسيمة التي تحملها الشعب والوطن من جراء ذلك إلا لغياب البوصلة الفكرية التي تبنتها الثورة في سنتها الأولى واستغلال اعداءها المتربصين بها لهذا الغياب .
اما ما تبلور عن غياب الفكر الثوري وقمعه ابان حكم دكتاتورية البعثفاشية المقيتة فلا يحتاج الى كثير من البراهين الدالة عليه. إلا ان الأمر المختلف في هذه المرحلة يتبلور من خلال المواجهة الفكرية مع البعثفاشية ومبررات حكمها الأسود . لقد انطلقت مبررات هذه الدكتاتورية من اطروحات فكرية جعلت من العروبة اولاً ثم الدين بعد ان ضاقت سبل الإقناع بعروبتها ، من مداعبة المشاعر القومية والإنتماء القومي بكل تبجحاته الهمجية التي تم توظيفها كتراث لا يريد به الآخرون ، اصحاب الأفكار المستوردة ، كما يزعمون ، خيراً . وهنا برزت معالم صراع فكري يسعى جانبه الظلامي الى التحكم بالوطن واهله وبكل وساءل القمع والترهيب والترغيب ايضاً من خلال الضرب على اوتار عاطفية تداعب الإنتماء والأصل والعشيرة ومن ثم الدين ، جاعلاً من كل ذلك وسيلته الفكرية الى جانب وسيلته القمعية في استمرارية الدكتاتورية ومد اذرعها الى مختلف مفاصل الحياة . وعلى هذا الأساس برز الصدام على اشده مع دكتاتورية البعثفاشية حينما اشتد الصراع الفكري معها والتوجه نحو مناقشة وفضح اطروحاتها القمعية الرجعية ، وهذه هي النتيجة الواقعية التي تتجلى من خلال تجلي نوعية الصراع وشدته والتي تقود في نفس الوقت الى تجلي المطالبة بالحقوق والوطنية والشعبية.
تجربة الصراع الفكري مع دكتاتورية البعث نعيشها اليوم في وطننا العراق مع فكر ديني متخلف تقوده قوى دينية جاهلة جعلت من الدولة ومقوماتها محلباً لإشباع جوعها ونهمها الى المال والثراء الفاحش والإمتيازات اللامعقولة. نحن اليوم في وطننا العراق امام قوى تحسب نفسها سياسية إلا انها لا تفقه من السياسة كعلم إلا ما تردده كشعارات جوفاء في العدالة والرفاه والحرية وهي لا تعي من كل ذلك ابسط ابجدياته . انها تستند على فكر غيبي استغبائي توظفه على شكل تعاليم دينية تخدع بها البسطاء من الناس الذين بدأوا بعد ست عشرة سنة من تسلط احزاب الإسلام السياسي والأحزاب والقوى المساندة لها والمتحاصصة معها ، لتخدير الجياع بانشودتهم ، واشغال العاطلين بالتفتيش عن قوت يومهم ، وتعليم التلاميذ والطلاب كيفية الجلوس على الأرض في بنايات طينية لا تقي من برد او تستر من حر يسمونها مدارس لتلقي العلم ولا يتم فيها إلا تلقي الذل والهوان اليومي ، وتوجيه الشباب لممارسات يحسبونها شعائر دينية وما هي إلا خرافات اكد على بطلانها فقهاء متميزون من نفس الدين الذي يتاجرون به ، وينشرون جهلاءهم لتعتلي منابر لا همَّ لها إلا الحث على العويل والبكاء واللطم والصراخ ساخرين بالتوجيه الفكري والنَفَس العلمي الذي يحسبونه كفراً حيناً وإلحاداً احيانا اخرى وكأنهم الأوصياء بدون منازع على الدين الذي لم يعرفوا عنه غير التجارة به والإثراء من خلاله عبر التوغل في تجويع الفقراء وتهجير الضعفاء ولا ضرر ، حسب فقهم ، من التخلص ممن لا يليق لهم بحجة مدني كافر اوعلماني ملحد بعد ان توارت انشودتهم السمجة التي رددها بعض مشايخهم من قبلهم حول الشيوعية باعتبارها كفر وإلحاد. هذه المآسي الفكرية وغيرها الكثير والكثير جداً هي التي تشكل الغذاء الروحي لإستمرار عصابات تجار الدين التي تخلق يومياً اسواقاً جديدة لتصريف بضاعتها القذرة . فماذا نحن صانعون أزاء ذلك ؟ إن معظم ما عملته القوى المدنية الديمقراطية ذات النهج الفكري العلمي تجلى ولم يزل يتجلى في مهادنة الفكر الغيبي الرجعي المتخلف ، ومحاولة تقديمه الى الشارع العراقي كشر لابد منه يتبغي التعايش معه تحت هذه الأوضاع المزرية التي تزداد ازدراءً بمرور السنين. وكثيراً ما تُبرر هذه المهادنة للفكر المتخلف بحجة عدم تفسير المواجهة الفكرية مع تجار الدين كمواجهة مع الدين نفسه . وهذا الفكر الخاطئ للمواجهة الفكرية سبق وأن اكدنا عليه منذ سنين كثيرة حينما وضعنا الثوابت الدينية ، خاصة تلك المتعلقة بالعبادات ، موضع القناعات الشخصية المحترمة طالما تجر ي ممارساتها ضمن السياقات التي يضعها الدين نفسه والمنسجمة مع التوجه العام في المجتمع . اما ما عدا ذلك ، وما يتجلى اليوم من ممارسات احزاب الإسلام السياسي وتجار الدين فلا يقع بتاتاً ضمن هذا الإطار الديني الذي لا غبار عليه والمرتبط بالقناعات الشخصية. لذلك فإن ترك مواقع المهادنة مع الفكر المتخلف دينياً او عشائرياً او قومياً او اي فكر آخر لا يعي الحداثة التي يمر بها العالم اليوم ، يحتم علينا في نفس الوقت تبني النهج العلمي التنويري من خلال لإحتكاك بالجماهير الشعبية في مواقع تواجدها المختلفة وفي كافة المجالات المتاحة في المجتمع ، حيث اصبح ذلك من الواجبات الملحة التي تشكل السلاح الفعال في النضال السلمي الذي تخوضه الشعوب اليوم لتحقيق ما تصبوا اليه من اهداف تحقق حرية الوطن وسعادة اهله في حياة كريمة يُحترم فيها الإنسان كونه انساناً ليس إلا.
لا شك في اهمية سلوك طريق النضال الفكري لمواجهة قوى التخلف والظلام إذا ما أُحسن استخدام هذا السلاح من قبل القوى المدنية العلمانية المؤمنة بالأهداف الحضارية التي تسعى الى تحقيقها للشعب والوطن ز إن سلوك مثل هذا الطريق في النضال الجماهيري سيساهم في تحقيق كثيراً من النتائج الإيجابية التي تساعد على تحقيق الأهداف الوطنية والطموحات الشعبية. وفيما يتعلق الأمر بوطننا العراق فإن سلوك هذا الطريق لمواجهة قوى الإسلام السياسي وكل القوى الساعية لنشر العداء الإجتماعي من خلال التجارة بالدين والإحتراب الطائفي ، او التمسك بالفكر القومي الشوفيني او التعلق بالإنتماءات البعيدة عن الإنتماء الوطني كالعشائرية والمناطقية وغيرها ، سيحقق لنا النتائج الإيجابية التالية:
اولاً : الصراع الفكري في المواجهة هو سلاح سلمي يرفض العنف بكل اشكاله ويسعى الى توظيف العلم والعقل والتلاقح الحضاري العالمي لمواجهة المشاكل التي يعاني منها المجتمع بكل انواعها.
ثانياً : انه سلاح تمتلكه قوى الدولة المدنية العلمانية الديمقراطية بشكل يجعل قوى التخلف لا تستطيع الصمود امامه نظراً لفقرها الفكري وتخلفها الحضاري وطبيعة سقوطها في مستنقع اللصوصية والثراء الفاحش على حساب قوت الجماهير مصالح الوطن.
ثالثاً :انه السلاح الذي يحظى بالدعم الأممي من كل القوى التي تسلك هذا الطريق الحضاري في نضالها اليومي ضد مستغليها.
رابعاً : ان استخدام هذا السلاح في النضال اليومي سينمي الوعي الجماهيري ويشحذ الهمم الشعبية التي ستتجه نحو المزيد من التعرف على خفايا الفكر المتخلف الذي لا تتعدى علومه شهادات سوق امريدي او دورات محو الأمية على احسن وجه.
خامساً :المواجهة الفكرية ستكشف عن الطبيعة الدكتاتورية لقوى التخلف والظلام المسيطرة على العملية السياسية حينما تشعر بالخطر المحدق بسيطرتها من خلال عجزها على مواجهة وعي الجماهير بحقوقها والنضال السلمي الفكري ولكن الثابت والمستعد لبذل التضحيات من اجل هذه الحقوق.
سادساً وليس آخيراً فإن النضال الفكري سيفتح مجالات اوسع امام كل القوى المؤمنة به والتي ينضوي غالبيتها تحت راية الفكر المدني الديمقراطي ان توحد صفوفها وتنسق بين منظماتها وتبلور اطروحاتها بشكل تستطيع معه التغلغل بين اوسع الجماهير الشعبية وتحفيزها على المساهمة في النضال الوطني.
كلنا عاش ويعيش التطورات التي شهدها العالم في العقود الثلاثة الماضية على الأقل ، وتحديداً بعد انهيار التجربة الإشتراكية في بلدان شرق اوربا والإتحاد السوفييتي سابقاً ، ولا يزال يشهدها حتى يومنا هذا ، والتي توحي لجيلنا الحالي بكثير من الأفكار الجديدة والمفاهيم التي جاءت كحصيلة لهذه التطورات التي لابد لنا الإعتراف بها والتجاوب معها، كظاهرة تؤكد ما تناولته الأفكار الفلسفية العلمية حول عملية التطور الإجتماعي وتأكيدها على حتمية التغير النوعي من خلال التراكم الكمي ، الذي اصبح التراكم الفكري والمعلوماتي جزءً مهماً منه .
إنطلاقاً من الواقع الذي يعيشه وطننا العراق اليوم ، كحصيلة لنظام دكتاتورية البعث وما تبعها من سلطة الإحتلال والنظام السياسي والقوى الحاكمة التي التي قادته على دروب التخلف والتدهور في كافة المجالات ، والذي افرز في كليته حصيلة تطور العمل السياسي على الصعيد الإجتماعي العام ، وليس على صعيد التنظيمات الحزبية فقط ، لا يسعنا إلا التعامل الموضوعي مع هذه المتغيرات المفروضة وتبني انماط عمل قد لا تكون قد وردت الإشارة اليها في المسارات العامة التي سلكتها القوى الساعية لتحرر اوطانها ورفاهية شعوبها. وقد تتبلور معطيات تبني مفاهيم جديدة حينما نربط هذه المفاهيم بكثير من الوقائع التي افرزت اليوم اجيالاً جديدة تختلف تماماً في تفاعلها مع معطيات حياتها اليومية مع ما ألفته اجيالنا بالأمس.
الدكتور صادق اطيمش