الصادق وجدان زير برتبة وزير عاشق

نائلة الشقراوي
2019 / 10 / 4

في إطار منشورات الأخلاء مجلة المجتمع المدني وبتاريخ 2016صدرت المجموعة الشعرية للأديب الصادق شرف والموسومة بعنوان "إنا للحب وإنا إليه راجعون "وقد اخترت هذه المجموعة بالذات للتقديم لتميز العنوان والذي يعبر عن نهج الشاعر الأدبي ويختزل مقاصد شعره وتدويناته ،الشاعر الذي لقب نفسه بأبي وجدان كان ينوي ان يعطي عنوانا بارزا لتجربته الأدبية والتأكيد على انها تدين للوجدان وما يشعر به إزاء القضايا المتعددة التي يعيشها كشاعر له خصوصية في الكتابة والحياة .الشاعر الذي عرفت أنه وهب حياته وماله لخدمة الثقافة التونسية لا تخلو كتاباته من طرافة تذكرنا بشخصية التونسي الأصيل الذي تكاد ملامحه الحقيقية تختفي هذه الايام ،المجموعة بقصائدها السبعة عشر هي دعوة لاعتناق الحب كمبدأ يواجه كل الصعوبات ويفتح كل الأبواب المغلقة هي دعوة لأن يكون الانسان مريدا لحياة يغلفها الحب لتحقق سعادة الروح وراحة العقل . الحب عند أبي وجدان منبعه احترامه واعتزازه كبورقيبي خالص للمرأة ،المرأة التي تتعدى في تفكيره صفة الأنثى لتحوز كل معاني كلمة الوطن والوطنية .(قد لا أحتاج إلا امراة ..ماكنت أنا ...ما كنتم انتم ماكانت قرطاج لولاها..فهي إذن تاج لنساء ...هن على رأسك يا تونس تاج )يفتتح الديوان بقصيدة "تونس للحب تعود "وقد كتبت القصيدة بعد التوافق السياسي الذي اعاد تونس للمدنية وتخلصها من حكم الاخوان الذي نعرف ان الشاعر من أشد المناهضين له ،وقد اعتبر الشاعر ان الوطن قد عاد لعشاقه الذين طالما تغنوا به وتخلص من أخطار حكم متهم بالإرهاب _كيف الإرهاب يسود عودوا من حيث خرجتم للدنيا بل عودو للمنفى" .إنا للحب وإنا إليه راجعون هو عنوان لم يختره الكاتب اعتباطا على اعتبار الحب هو البدء والانتهاء منه الخلق ومنه الحياة ،هو الدين الذي يجعل من الشيطان ملاكا ويحول الأنين الى أصوات شادية . ويحيلنا ذلك لما قاله ابن عربي (ادين بدين الحب الحب انى توجهت ركائبه فالحب ديني وايماني) إذن يتحول الحب الى قيمة شبيهة بالعشق الذي تقام عليه اشعار الصوفيين التي تجعل من حب الله عشقا وحلولا به كذلك الصادق شرف الذي حرص أن يضمن في قصائد الديوان عناصر ثابتة في شعره وهي المرأة ،الحب ،الوطن مع عدم التخلي عن اسلوبه التهكمي الساخر الذي ينقد به بعض الظواهر المتصلة بالموضوع ،حتى انه يعمد احيانا الى استعمال كلمات عامية في قصيدة عمودية لا تحيد عن الوزن وهذا ليس بالهين فالمحافظة على الوزن يحتاج دربة ودراية تمكن الشاعر من اختيار المفردة العامية المناسبة التي تتواءم مع البحر والتفعيلة .هذا ما يجعلنا نقول ان أسلوب الصادق شرف في الكتابة الشعرية يعتمد على النضد ويهتم اساسا بطرح الفكرة والحرص على ايصالها للمتلقي لخدمة هدف ما غالبا ما يكون قضية معينة يبدي فيها رأيه وينقد سلبياتها.(أنا قلت لكم هذي قرطاج ما صدقني أحد منكم إلا إمرأة قالت للحاكم ديقاج) أو كأن يقول (الحب قد حرم كل سلاح إلا القبلة والمكياج فهما للحب براق والعاشق اسراء والمرأة معراج)أسلوب الكاتب الطريف ذاك لم يمنع الكاتب ان يكون في بعض قصائد الديوان رومنسيا بالغ العذوبة والحماسة يتحرى جيدا في اختيار مفرداته الحاملة المعنى وللصور الشعرية التي يحرص كل شاعر على الاشتغال عليها لتبدو مختلفة مبتكرة فتغنى بحبه لتونس كما تغنى كبار الشعراء بها ففي قصيدة شهداء تونس عشاقها يقول (سأظل أسكن في حمى وجدانها ،كأريج زهر الياسمين شذيا ،كالبرعم الملفوف في أكمامها،حقل القرنفل إذ يفوح زكيا ).إنا للحب وإنا إليه لراجعون هو حبة من عقد الاربعين اصدارا لشاعر تونسي مسيرته حافلة بالنشاط الأدبي اختار لنفسه ان يكون كما هو يكتب الشعر بقلب تونسي عاشق لم تهب عليه رياح الشرق ولم يغير من اسلوبه الذي تفوح منه رائحة زهر الليمون وبرتقال الوطن القبلي والذي لون قلبه بقرمزية الشاشية التونسية فغدا شاعر الخضراء الذي أراد الحياة لأجل ان يحيا الوطن (فما عاد بالموت يحيا الوطن ،ألا بل نعيش نعيش ليحيا الوطن )