تعميم مصرف لبنان بخصوص المشتقات النفطية والأدوية والقمح: الخلفيات والنتائج

سعيد عيسى
2019 / 10 / 1

أصدر حاكم مصرف لبنان رياض سلامة تعميمًا يتعلق بتعديل القرار الأساسي رقم 7144 بشأن الاعتمادات والبوالص المستندية؛ وجاء في القرار: "بناءً على قانون النقد والتسليف سيما المادة 146 منه، وبناءً على القرار الأساسي رقم 7144 تاريخ 30/10/1998 وتعديلاته المتعلق بالإعتمادات والبوالص المستندية، وبناءً على الصلاحيات التي تعود للحاكم بغية تأمين عمل مصرف لبنان استناداً الى مبدأ استمرارية المرفق العام، يمكن للمصارف التي تفتح اعتمادات مستندية متخصصة حصرًا لاستيراد المشتقات النفطية او القمح او الادوية الطلب من مصرف لبنان تأمين قيمة هذه الإعتمادات بالدولار الأميركي".
يأتي هذا التعميم بُعَيد يوم واحد على التحرّكات الشعبيّة التي حصلت نهاية الأسبوع الفائت، احتجاجًا على سوء الأوضاع الاقتصادية والاجتماعيّة، والسياسيّة، وإضراب أصحاب محطات المحروقات الذين طالبوا بوضع حدّ لخسائرهم نتيجة تسديدهم لفواتيرهم إلى شركات استيراد النفط بالدولار الأميركيّ، الذي باتت أسعاره في ارتفاع مضطرد، بسبب الطلب عليه، والمضاربة في السوق السوداء، مترافقًا بالتوتّر الواسع مسفوعا بالهلع الذي ساد الأسبوع الماضي بين اللبنانيين، والمخاوف التي اعترت السوق الماليّة، وهلع المودعين لأموالهم في المصارف بالليرة اللبنانيّة، الذين سارعوا لتحويلها إلى دولار، بالإضافة إلى الشائعات والتهويل، وسحب الكثير من المودعين أموالهم المودعة بالدولار والاحتفاظ بها في منازلهم، مخافة انهيار القطاع المصرفي، واهتزاز الثقة بالليرة اللبنانيّة، وارتفاع أسعار صرف الدولار لدى محلات الصيارفة إلى أكثر من ١٧٥٠ ليرة للدولار الواحد.

وكان قد سبق الأسبوع المنصرم تصفية بنك الجمّال (جمّال ترست بنك)، نتيجة العقوبات الأميركيّة عليه، وسادت شائعات حول عقوبات ستطال عشرة من المصارف اللبنانية الكبيرة، وتخفيض وكالة "موديز" في بداية السنة لثلاثة من المصارف اللبنانية الكبار (عودة، بيبلوس وبلوم بنك) إلى درجة (Caa1) من (B3)، وتعني درجة مخاطر عالية، بالإضافة إلى التخفيض الائتماني للبنان إلى (Caa1) الذي يعكس تزايد المخاطرة، واحتمال التخلّف عن سداد الديون، بالتزامن مع تصاعد نسبة الدين العام إلى الناتج المحليّ، والتراجع اقتصاديّ وإقفال العديد من المؤسّسات التجارية في العاصمة والمناطق اللبنانية، إضافة إلى تخفيض تصنيف الدولة اللبنانية من قبل وكالة "فيتش إلى (CCC)، نتيجة عدم وجود خطة متوسطة الجل ذات مصداقيّة لتثبيت الدين الحكوميّ، وعدم الاستقرار السياسيّ وتدهور النموّ الاقتصاديّ.

على ضوء ذلك، جاء تعميم حاكم مصرف لبنان ليعيد الاطمئنان إلى نفوس اللبنانيين، والمصارف وأصحاب الصهاريج ومحطات الوقود، والمودعين، وليترافق ذلك مع انخفاض سعر صرف الدولار لدى محلات الصرافة، في ظلّ بقاء المصارف على تدابيرها الداخليّة المانعة لاستغلال الأزمة، والحفاظ على ما لديها من دولارات، المتجلية بتفريغ آلات سحب النقود (ATM) من الدولارات، والإبقاء على العملة اللبنانيّة فقط، بهدف منع تحويل العملة اللبنانية وسحبها بالدولار، ومن ثمّ بيعها لمحلات الصرافة وتحقيق أرباح نتيجة لذلك، (وهذا ما كان يحصل في الأسبوع الفائت)، وتامين الدولار لزبائنها من داخل المصارف وفروعها.

ومن نتائج التعميم أنّه سيريح السوق الماليّة اللبنانيّة وضبطها، خصوصًا أنّ ما بين ٤ و٥ مليارات دولار ستدار من قبل مصرف لبنان، وهي حجم المستوردات النفطيّة خلال سنة، بالإضافة إلى المستوردات من القمح والأدوية. كما أنّه سيحرم كارتيلات النفط والقمح والأدوية، من أموال الاعتمادات التي كانت تفتحها في المصارف وهي لمدة ١٨٠ يوم، وتستورد حاجات السوق المحليّة، وتبيعه بفترة لا تتعدى الشهرين، ومن ثمّ تضع المبالغ التي عليها ردّها للمصارف في حساباتها الخاصّة ولآجال قصيرة، فتستفيد من فائدتها، ومن ثمّ تسدّد ما عليها في نهاية المهلة المعطاة لها من المصارف.

يمكن اعتبار تعميم مصرف لبنان هو وضع حدّ لأهمّ الكارتيلات التي نشأت مع الحرب الأهليّة، خصوصًا تلك المستوردة للنفط ومشتقاته، وعبثها بالسوق وإدارته كما يحلو لها، من خلال مزاوجتها بين السلطة والمال.

وأخيرا، من نتائج تعميم مصرف لبنان هو إعادة ضبط سوق القطع على ما كان عليه، وإعادة الهدوء والطمأنينة للمواطنين، الذين عليهم واجب التخلي عن الدولرة والتعامل بالليرة اللبنانية فقط، طالما هم موجودون في لبنان، وإذا كانت القاعدة الاقتصادية الأساسيّة قائمة على العرض والطلب، فكلما زاد الطلب على الليرة ارتفعت قيمتها والعكس صحيح.