وسائط التواصل الاجتماعي وسؤال الخصوصية - الفايسبوك- نموذجا

عزيز باكوش
2019 / 10 / 1

بداية ، يجدر التساؤل :
أهي الجرأة أم التطاول ؟
في كثير من الأحيان ، يتساءل أحد نشطاء التواصل الاجتماعي فيما إذا كان صديقه على حق، وفي وضع صحي سوي ، حينما يخبر قراء صفحته على الفايسبوك أن خالته القريبة من أمه تعاني من مقت أسري نتيجة إصابتها بفقر الدم ؟ وتزداد حيرة هذا الصديق حين تبعث إحدى المدونات برسالة إلى أصدقائها بالمآت بين الفينة والأخرى على صفحتها قائلة : بعد قليل سأنام ؟؟


ويخطط الناشط لتفادي مثل هذا النوع من الانزياحات أثناء جولته في الفضاء الأزرق لكن الذهول سيعتريه من جديد حين يقرأ لأحد هم تدوينته : شكون معايا ... زكام حاد.. أنا طريح الفراش دعواتكم ؟؟؟ وحتما تتفاقم دهشة صاحبنا حين تطالعه على الصفحة الأخرى تدوينة مفادها : خالي في جنوب المغرب يعاني من مرض لم يستطع الأطباء تحديده محتاج لدعواتكم ؟؟؟


ومع مرور الوقت تكبر دهشته وتتعاظم ، لاسيما حين يشهر أحد الأصدقاء مناسبة إحياء الذكرى السادسة لوفاة حماته بتدوينة مرفوقة بصورة شخصية للراحلة مع استجداء جمهور الفايسبوك بتقديم الدعوات والمغفرة والثواب ؟؟؟؟


مرض .. زواج .. غياب إثر سفر عائلي محدد بالزمان والمكان .. طلاق مع نشر غسيل بيت الزوجية .. سفر .. أطباق ومأدبات ...خلافات أسرية إشعارات وتنبيهات ومكاشفات هي في جوهرها من صميم المطبخ الداخلي والاهتمام الشخصي ...تجد مكانا متسعا لها في الكوكب الفايسبوكي الأزرق ، لكن لنتجرع طعم السؤال : ما الخلفيات النفسية المتحكمة في نشرها ؟ ولماذا يعمد بعض الفسابكة إلى ذلك بإصرار عنيد ؟ و لم الجرأة وسابق الترصد لتعميمها وإذاعتها ؟ وهل من أهداف نفسية وأخلاقية محددة يرغب هؤلاء الناشرين تحقيقها ؟ ما حدود الخصوصية الشخصية وأين تقف أسرارها على فضاء الفايسبوك ؟ وهل هناك حقا ما يدخل اليوم في نطاق الخصوصية الشخصية من قيم وأخلاقيات لا تستحق النشر ؟
وهل الدعوات والاستعطافات وحملاء الاستجداء العاطفية التي يبتغيها الفسابكة من رواد عالمهم الأزرق مستوفية للشروط الأخلاقية وقابلة للتحقق ؟ وأخيرا وليس بآخر هل الأنترنيت عموما منذور لمثل هكذا فذلكات وهذه الخصوصيات تدخل في صميم وظائفه التواصلية ؟


حملنا الأسئلة حزما ، بعيدا عن أي اتهام أو تطاول ، وفجرناها رقميا في محيط زاخر ، وبعد أن قمنا بالتقاط الشظايا وتجميع أنقاضها من مسرح العمليات ،وإجراء الفرز والتحليل ، جاءت المعطيات كما يلي :
وفقا للد كتور عياد ابلال باحث في علم الاجتماع " فإن الظاهرة يمكن تفسيرها من خلال فهم التحول المجتمعي الذي يكمن في تحول الشخصية القاعدية. وذلك نتيجة تخريب التعليم والقيم. فصاحب مؤلف " الجهل المركب" الفائز بجائزة الكتاب عن سنة 2019 يوضح كيف أصبح المجتمع المغربي أكثر ميلا للفضيحة ، ومتشوقا لها بعد تطبعه مع النبش والاعتداء على الحياة الخاصة للناس وحرياتهم الفردية."
وهو ما تؤكده مساهمات الدكتور أبلال بشكل كبير على مستوى مواقع التواصل الاجتماعي و كذا الإعلام الإلكتروني. ويلفت أبلال نظرنا إلى أن الحياة الخاصة أصبحت مصدرا للشهرة والبوز ، بعدما كانت خطا أحمر. كما أصبحت الفضيحة بنية ثقافية من ضمن بنيات المعيش اليومي والتي توحد بصددها المغاربة. وهو ما يجعلنا نتكلم عن المجتمع الفضائحي."
و ضمن هذا السياق يضيف الدكتور أبلال بات الكثير من الناس لا يميزون بين الواقعي والافتراضي ، بل وأصبح الافتراضي يشمل تعويضا نفسيا وتخييليا عن الواقعي الذي أصبح بشاعة بعد تدهور الصحة والتعليم والثقافة، بحيث أصبحت قيم الخير والتضحية والإيثار والستر والحشمة قيما متجاوزة، بعد أن اجتاحت المجتمع قيم السوق."
وهو ما يفسر في نظر أبلال تحول الحياة الخاصة والحميمية إلى قيم تجارية بعدما تحولت شبكات التواصل الاجتماعي إلى سوق وبورصة. بحيث غدت الليكات والتعليقات والطوندوس مؤشرات على قيم البورصة الجديدة. ويخلص الباحث في علم الاجتماع إلى ان هذا التحول بما يضمره من انهيار للقيم ، قد جعل المجتمع التقليدي يتحول إلى مجتمع الفرجة"
أما اللغوي والفاعل الجمعوي بفاس ذ عبد الحي الرايس فيرى في الفايسبوك منبرا حقيقيا وناجعا للتواصل، لكن شرط أن يوظف في طرح الرؤى ومناقشة الأفكار، وأن يسهم بكل ما فيه دفاع عن قضية، ودفع بعجلة التنمية، ما سوى ذلك ، يضيف صاحب المنتدى الوطني للمبادرات البيئية ، مما يتصل بالحياة الشخصية أو الانشغالات الذاتية، يفترض أن يكون له فضاؤه الخاص، احتراماً وتفعيلاً لفضاء يجمل بالجميع أن يُبْقوا عليه في إطاره العام"


ويتوقف الباحث في الحضارة المدنية للحاضرة التازية ذ امحمد العلوي الباهي " نشر الخصوصية على منصات التواصل تختلف من شخص لآخر.. فالمرأة التي تبوح (وهي في حالة مزاجية خاصة ) بما لا يعرفه الآخرون عن زوجها (والرجل كذلك ) قد يكون ذلك نابع من التشفِّي وتصفية حساب (في حالة الغضب). ويتابع صاحب " كتاب علماء تازة ومجالسهم العلمية " موضحا أن الذين ينشرون مثل ذلك على النيت ، من المفروض فيهم أن يكونوا مثقفين، والمثقف يكون بثقافته واعيا فيترفَّع، ولا يفشي الأسرار على الهواء"
وفيما يشبه الاستيعاب اللطيف، يعقب ذ نمال عبد الرزاق معتبرا الأسئلة هي من صميم الحياة المتوازنة ويمكن أن يستفيد منها الكثيرون إذا عملوا بها لكنه سيستطرد الإشارة إلى أن الضغط الكبير الذي يتعرض له البعض يفقده التوازن والتركيز ، ومن تم يأتي سلوكيات من قبيل الخصوصيات"
أما ذ معاش سلاسي فلا يتردد في وصف ما ينشر على صفحات التواصل الاجتماعي ب "بنك معلومات" يحتاج إلى قراءة وتحليل من طرف المختصين في علم الاجتماع وعلم النفس وعلم الإجرام وغيرها من العلوم. إذ برأي سلاسي فإن تعميق البحث يؤدي حتما إلى معرفة أسباب بعض الظواهر لإيجاد حلول لها من طرف المؤسسات المعنية حسب النتائج التي يتوصل إليها الباحثون. مضيفا أن هذا الكم الهائل من التدوينات لا يجد من يهتم بدراسته وتحليله ووضع مؤشرات عامة يمكن استغلالها في برامج التنمية ذات الأبعاد المختلفة، إذا استثنينا المؤسسات الأمنية التي توظف بعضها في عملها، أما باقي المؤسسات الأخرى يتابع سلاسي لا تهتم بما ينشر إلا إذا كان مسا بالأشخاص أو بصفتهم لتحريك مسطرة المتابعة في حق المخالفين القانون … "
ويمزح الصحفي والإعلامي عبد الحق بسكمار من إحدى التدوينات بسخرية سوداء لاذعة " حماتك توفات وشغلي أنا ؟


الدكتور فتيحة عبد الله رئيسة الشبكة الوطنية للقراءة تبصم بالعشرة على جودة الأسئلة وتضيف" في الصميم، وتضيف صاحبة " شعرية الرواية السياسية العربية خماسية مدن الملح لعبد الرحمان منيف " الصادر في جزئين " معتبرة السؤال حول الظاهرة تنبيه لابد منه، في احترام الخصوصيات الشخصية في الفضاء الافتراضي وتداول القضايا الهامة والعامة ذات البعد المشترك، واستمزاج وحشد الرأي العام حولها، من أجل التحرك، دعما وتصحيحا."




وتكتب م . كريمط مربية بمدرسة ابن بطوطة رأيها في النقاش الدائر حول الخصوصية وشبكات التواصل الاجتماعي معتبرة أن لكل فرد حريته الشخصية في النشر، لكن دون التمادي في نشر أشياء وأحداث عبر أشرطة وفيديوهات تمس القيم الأخلاقية للمجتمع . وتكشف ذة كريمط عن قناعتها لا سيما مع توسع استخدام شبكات التواصل الاجتماعي، حيث أصبح لكل شخص خصوصية واستقلالية لا أحد يحاسبه عليها، لأنها عالمه الخاص. أن نشر شريط لسيدة تحتفل بطلاقها عبر نشر صور وأشرطة فيديو للحظات حميمية بين زوجين هو انحلال . لكنها من جهة ثانية ، لا ترى مانعا من نشر صور شخصية تخص صاحب الصفحة، صور في أماكن عمومية شرط مراعاة المتواجدين حوله... أو جولات حول مدن بلده أو عبر العالم... وتبقى الخصوصيات ثقافة لكل مجتمع وتقاليده.... "
و بعيون فلسفية يرصد محمد الهيسوفي واقع الظاهرة معتبرا " نشرُ بعضِ الناسِ لخصوصياتهم على مواقع التوصل الاجتماعي تتعدّدُ مقاصده وأغراضه ودوافعه، بين خفيّ وظاهر، شعوري ولاشعوري؛ ويميز الدكتور الهيسوفي مفتش مادة الفلسفة بمديرية مولاي يعقوب بين حالتين ، الأولى يبحث فيها البعض عن ترسيخ صورةٍ أو نيل شهرة، أما في الحالة الثانية قد ينشر البعض بتهوّر ما يتنافى مع القيمي والأخلاقي، خاصة ما يتعلق بالعلاقات الحميميّة حينما تتحوّلُ من ألفة وتوادّ إلى خصام وانتقام. ويخلص ذ الهيسوفي إلى أن مثل هذه التصرفات تكون وسيلة للتصريف والتفريغ، يحاول من خلالها ناشرُ الخصوصيات رؤية نفسه في مرآة الآخر؛ لكن ذلك كثيرا ما يؤدي إلى إيذاء نفسه و محيطه."
من جهة أخرى يكشف الدكتور مصطفى شميعة " عن جهل العديد من رواد هذه المواقع لخلفيات وجودها بقوله" عندما يعمد بعض الناس إلى نشر فضائحهم وخصوصياتهم الأسرية والحميمية على صفحات التواصل الاجتماعي، فهذا يعني أن هؤلاء يجهلون تماما خلفيات وجود هذه المواقع التواصلية ، ويكرسون وعيا شقيا لم يستطع استيعاب مفاهيم ودلالات الحداثة والعولمة والتحول من مرحلة التواصل التقليدي إلى مرحلة التواصل التكنلوجي القائم على السرعة وتبادل المنفعة الذاتية والاجتماعية."
والحال يضيف صاحب مؤلف "السياق وتحليل الخطاب بحث في تجليات العلاقة " أن من يعمد الى نشر غسيله الذاتي وسرد تفاصيل خصوصياته وأسراره فهو إنسان يستطيع أن يضحي بكل شيء مقابل حفنة من اللايكات والتعليقات الشامتة ، وذلك من حيث إن أهم ما يفقده المرء هنا هو كرامته الانسانية اولا وكرامة وصورة أسرته ويزعزع مستقبل شخصياتهم المعنوية" ويكشف كيف أن مواقع التواصل الاجتماعي تشتغل بنظام وبرامج تعيد نشر هذه الخصوصيات مع مرور كل سنة على سبيل التذكير بها، وبالتالي فلعنة نشر الخصوصيات والحميميات ، تضل في ذاكرة الفيسبوك مثلا كلعنة تطارد ناشرها وأسرته على مر السنين . وبذلك يخلص الدكتور شميعة إلى أن الخصوصيات تصبح فعلا مكررا يعرفه الغادي والبادي ..بل ويمكن أن تتوارثه الأجيال"
أما ذ جمال الفريشة خبير دسائس التاريخ ومكر الجغرافيا فيورد أن مجتمعا يسود فيه الفقر والجهل والأمية أضاع فرص عديدة ، ليتحول إلى مجتمع يعيش على ثقافة الواجهة والتباهي . و لن ينتج إلا السفاهة والسفالة ويسير في الاتجاه المعاكس للسيرورة التاريخية.." مضيفا أن المجتمعات التي تخرج من التاريخ لن تدخله من جديد والزمن الرديء ، لن يفرز إلا الرداءة. وبرأي أو كمال وأيمن إن اتاحة شبكات التواصل الاجتماعي الفرصة لروادها لتقاسم التجارب والخبرات والمعارف لا يعني التمترس خلفها لإبراز الذات واستعراض ثقافة النرجسية" وتتفاقم الأزمة و تزداد المأساة عندما يطلب منك أحدهم الضغط على j aime ليغفر لك من ذنبك ما تقدم وما تأخر .. فيتخيل المرء نفسه وهو في الألفية الثالثة كما لو كان أمام رهبان الكنيسة الكاثوليكية خلال القرن 16 ، وهم يبيعون صكوك الغفران للفلاحين السذج ، وإيهامهم أنها قادرة على محو الذنوب حتى ولو ارتكبت الخطيئة مع مريم العذراء. ويختم رئيس مصلحة الارتقاء بتدبير المؤسسات التعليمية بالأكاديمية سابقا ، داعيا مؤسساتنا التعليمية أن تدرج مادة التربية الرقمية لأبنائنا للارتقاء بذوقهم التواصلي وتحصينهم"
وفيما ترى ذة مادة الفلسفة فتيحة المغناوي الخصوصية مجرد خطوة بحثا عن الكونية يحدد الإعلامي عبدالعزيز نداء مجال الخصوصية، ويرى الأسهل هو ضرورة تحديد 2 أو ثلاث مجالات للمشاركة الفيسبوكية لا أكثر . لكن رشيد أغراس سيؤكد على مشروعية الأسئلة للتنقيب في ظواهر ملأت جوانب هذا الفضاء الذي جرد العالم من خصوصياته . وتستبد الحيرة بمحمد لعمير حارس أمن خاص وتأخذه بعيدا حين يجد نفسه إزاء" شخص يوجه دعاءه إلى لله طمعا في الرزق والمغفرة، فيدون ذلك في صفحته كأنه ساجدا" فيعقب زميل له على الفور " إنه (التبوحيط) بلغة الفيس طبعا.