قراءة متأنيّة في احتجاجات الشّارع اللبنانيّ

سعيد عيسى
2019 / 10 / 1

ما حصل البارحة في العاصمة بيروت، وفي مناطق متفرّقة من لبنان، مؤشّر واضح على حجم الانحدار الانحدار السياسيّ، والاجتماعيّ، والاقتصادي، الذي أوصلت إليه السلطة السياسيّة الناس في لبنان، بغضّ النّظر عن حجم المشاركين في الاحتجاجات، واحتساب اعدادهم، أو ميولهم الطائفية، أو السياسيّة، أو العقائديّة، ليبراليين كانوا أم محافظين، فسواء قلّوا أو كثروا احتجاجا، فلن يغيّر هذا من أنّ الهلع والخوف بات مسيطر ومتحكّم حتى عند أولئك الذين لم يقفوا يوما على زاوية شارع يتفرّجون على ما يحدث.

البحث عمّن حرّض للنّزول إلى الشارع، ومن يقف وراءه، وعن الغاية السياسيّة منه لن يفيد شيئا، ولن يزيل الأحمال التي باتت ثقيلة على النّاس، وحتى لو اخذنا بفرضيّة طرف ما يقف خلف كلّ ذلك، او عدّة أطراف، فهذا لا يعني ان الوضع ممتاز، والمتربّصين يسعون لتشويهه، بل هذا يعني أنّ الممسكين بالسلطة أكثر من غيرهم، عليهم ان يثبتوا جدارتهم، وتخفيف الاحمال، وصولا إلى إزالتها عن ظهور النّاس، حتى لا يأتي يوم، لا ينفع فيه ندم ولا عويل.

إن سعي السّلطة السياسيّة لإحالة الأزمة على حاكم مصرف لبنان باعتباره مسؤولا عن السياسة الماليّة، لهو مماثل لذرّ الرّماد في العيون، فهو (أي الحاكم) موظّف في النهاية، وإن يكن برتبة أعلى من نظرائه الموظّفين، والمسؤول عن الأوضاع برمّتها هي القوى السياسيّة الحاكمة، قبلَت ذلك أم رفضت، وعليها تقع التّبعات، والمسؤوليّات، حتى لو حاول بعضها التبرّأ من مسؤولياته، ناسبًا تبرّاه إلى حداثة عهده بالحكم، ونسب لغيره المشكلات التي وجدها امامه، فلطالما ارتضى لنفسه المشاركة في الحكم، وتنطّح لدور الريادة فيه، فهو إذن مسؤول بالتّضامن والتّكافل عن الحلّ وإلا فليعلن على الملأ استقالته، وليفسح لغيره المجال للمعالجة.

لا ينفع ذوي السّلطة السياسيّة تحميل وزر الوضع الحاصل لبعضهم البعض، فهذه لن تقدّم في الحلّ شيئا، ولن تؤخّر، فما هو حاصل يقع على مسؤوليّة الجميع، وتهديد بعضهم البعض بالشوارع لن يزيد الوضع إلا سوءا، ولن يكون هذا مهربا، بل مأزقا جديدًا يضيفونه إلى جملة مآزقهم الكثيرة وعندها يكون انفجار الشارع أسوأ بمرّات مما هو عليه اليوم.

بالتأكيد للخارج دور فيما يعتمل في لبنان، ولكن رمي المشكل بكامله عليه فيه من المبالغة الكثير، وهو هروب إلى الأمام، ولكنّه في نهاية الأمر هروب من الحلّ الذي هو داخليّ بامتياز، وكلّ الأدوات اللازمة موجودة، فما على اهل الحلّ والرّبط سوى استخدامها، ولكن قبل ذلك يجب ان يتحلّوا بالرؤية الواضحة لهذا الحلّ، وإلا تصبح الأمور احجية وتجريب، ولا متّسع من الوقت لذلك.

آن الوقت ليُدرك من في الحكم المسؤوليّة التي على عاتقهم، فتكاتفوا، وتضامنوا فيما بينكم على استنباط الحلول، لكن خذوا بعين الاعتبار هذه المرّة، وكلّ مرّة، انّها يجب ألا تكون على حساب النّاس، فاعتبروا قبل أن يدرككم السَيل.