انسان مع وقف التنفيذ ..رواية

خالد الصلعي
2019 / 9 / 29

انسان مع وقف التنفيذ ...رواية
*************************
كالأبله قضى معظم أيامه ، لا يبارح ثلاثة أمكنة ، المنزل والمقهى وملعب القرب لكرة القدم . وجد نفسه فجأة كائنا عاجزا عن الفعل ، عن العمل ، عن الحركة . فرسم في ذهنه مثلثه الأبدي . في منزله يدمن متابعة الأخبار الى درجة أنه كان يتوهم انه يحلل الأحداث الدولية أفضل من كل الخبراء والمحللين الذين يتابعهم عبر مختلف قنوات الاعلام الدولية .
وفي المقهى يستمتع بمتابعة الأفلام ومباريات كرة القدم التي أصبحت شبيهة بعرف لا مندوحة من الجلوس امام شاشة التلفزة ومتابعتها بكل الحماس والانفعال كسائر زبائن القمهى ومرتاديها من شباب مهووس بهذه اللعبة الى درجة نشوب حروب بالهراوات والسيوف والسكاكين . لا أحد يتشاجر اليوم هنا باللكمات والعضلات . الجميع يستعين بمادة حادة لاحداث عاهة مستدمية ، أو أثر يدل على قدرته على اغتصاب براءة الصورة الالهية وتشويه معالم عدوه .
وفي ملعب القرب لكرة القدم ، كان يلتقي بشباب الحي مثله يتابعون أشواط المباريات ، يتهكمون على هذا اللاعب ، ويشيدون بالآخر .تارة يصفقون وأخرى يلعنون ويشتمون .
يمر اليوم كسائر الأيام . فمنذ أن استلم الاسلاميون حكم البلاد ، تقلصت فرص العمل الى مستواها الأدنى . ووجدها النظام فرصة لالصاق كل سياساته اللاشعبية بهذا الحزب الهجين الذي غير في زمن قياسي مبادئ وأخلاقيات اللعبة السياسية ، وأصبح الخطاب السياسي عبارة عن شتيمة ومعيور وحركات بذيئة . فانحدر الخطاب السياسي الى ما دون ما تراه وتتابعه في أهمش أحياء البلاد . وكأن رئيس الحكومة مجرد لالة يامنة أو خالتي فطوش ، يعير حبابي منوش أو لالة السعدية .
عندما رأى سعد وهو يأتي تلك الحركات اللاارادية بتحريك رأسه أماما وخلفا ، تذكر محمد الباروكي ، ذلك الطفل الذي نشأ معه في نفس الحي . ايام كانت أرض الدولة عبارة عن مشتل كبير وحديقة واسعة تتخللها براريك الدراويش والمساكين من الناس .
محمد الباروكي كان شابا متحمسا وقادا ، احتك بحكم اشتغال أبيه نادلا في مقهى بالمدينة ، بأجواء القمار في المدينة. ومن خصاله في القمار أنه كان لا يخاف من المقامرة بكل ما لديه على رقم معين .
ما يزال يتذكر بطلنا حين كانوا كشباب حي أرض الدولة المراهقين يلعبون الورق بين بعضهم البعض على مستوى دريهمات قليلة من مصروف جيبهم ومما استطاعوا أن يجمعوه كل بطريقته . وكان محمد الباروكي غالبا ما يحالفه الحظ فيربح .
لكنه بعد غربة بالديار الاسبانية التي لم تعمر طويلا ، عاد ليصدم بفقدان محمد الباروكي قدراته العقلية ، واصابته بعدوى تحريك فمه ، كمتلازمة توريت . يجوب شوارع بني مكادة وهو يحرك فمه كأنه يقضم شيئا ، لكنه في الحقيقة لم يكن يقضم الا الهواء .
أما سعد فهو كما يراه الآن ، في المقهى يقوم بتحريك رأسه مرة الى الأمام ومرة الى الخلف . منذ مدة لم يظهر بالحي . يشاع أن عائلته كانت تجوب به المشعوذين لاخراج الجن منه . وسمع من أخيه الذي يقبع الان بسجن عين عايشة بعدما تم ترحيله من سجن طنجة ، أن فتاة ما قدمت له شيئا فقد على اثره توازنه النفسي والذهني .
لكن حركة رأسه لا يمكن أن تكون صادرة عن تناوله سحرا ما ، هي حركة تنتج عن خلل في الأعصاب .
يقول العلم أن متلازمة توريت ناتجة عن خلل عصبي وراثي يظهر منذ الطفولة . لكن بطلنا لاحظ ان كثيرا من أصدقائه الأسوياء ياتون نفس الحركة . فقد كانوا الى عهد قريب ، بصحة جيدة يتميزون بنشاط زائد كسعد ومحمد الباروكي . أما فؤاد البركاك فقد كانت حركته خافتة وبسيطة ، لكنه أصبح الآن يكاد لا يتحكم في حركة رأسه .
بطلنا طبعا لا يؤمن بخرافة المجازاة الالهية ، والا فان كل حكام العرب والمسلمين كان عليهم أن يصابوا بأي متلازمة ، ويجزون سوء أعمالهم في الدنيا قبل الآخرة ، ويكونوا عبرة لمن لا يعتبر بالكلمة والموعظة والدروس .
لكنه أحيانا يصاب بحيرة ، كيف يكفر بما يقوله الفقهاء ، ويأتيه القرآن الكريم أحيانا . ثم تزداد الحيرة حين يصل مرتبة التأويل وانفتاحها على مناطق محظورة . لا تسألوا عن أشياء ان تبد لكم تسؤكم . ثم يكتم غيظه .
هل تصيب هذه المتلازمة الا سكان بني مكادة ؟؟ .
صورة الفقيه الذي أجلسوه على قنينة يجهل حجمها .وانقلابه الكلي على كل ما كان يدرسه لأتباعه فقد كان يشتم النظام ولا يؤمن بالديمقراطية ، وأصبح يتهم بالخيانة الوطنية كل من لا يتماشى مع طروحاته الممجدة للملك والاستخبارات ، تجعله يفرمل فرامله بطريقة مرضية قد يصطدم معها بأي جدار أو ينجرف من أعلى جرف نحو الهاوية .
حاول جاهدا ان يربط بين أسباب الظاهرة وبين متلازمة توريت حسب الوصف العلمي . لكنه لم يفلح في شيئ . قام بعملية علمية وبحث عن القاسم المشترك بين هؤلاء .تذكر عمر الدب ، هو نفسه يحرك رأسه أحيانا بشكل لا ارادي .لكن عمر الدب يقوم بتلك الحركة بطريقة انسيابية قد يلحظها الكثيرون ، لكنها تبقى حركة لاارادية برأس كان قبل أيام أو شهور أو سنوات منضبطا لوظيفته وشكله وحركاته . أما الآن فقد صار يتحرك بشكل غير طبيعي . لا ارادي .
القاسم الشمترك بين ثلاثة هو تدخينهم الحشيش ، واستعمال اثنين منهما الكوكيين بين الحين والحين . لكن البركاك لا يدحن الحشيش . وسعد والركاك ولا يستعملان الكوكايين .