متى سيجري استصلاح السهل الرسوبي وتحقيق الاكتفاء الذاتي من الغذاء؟

سعد السعيدي
2019 / 9 / 28

عادة افضل عدم اللجوء الى التذكير والتعليق على ما هو معروف ومتفق عليه. لكن مع اجواء الصمت والبلاهة والاستغفال السائدة اجد من الضروري القيام بهما.

من المعروف بان جميع الدول تعمل وبكل السبل على تأمين امنها الغذائي. ولا يتحقق هذا إلا عن طريق تأمين الانتاج الزراعي في كل مساحة زراعية متوفرة لديها مع توفير كل مستلزمات انجاحها. اقول جميع الدول إلا بلدنا العراق. إذ انه على الرغم من توافره على مساحات شاسعة يمكن ان تحقق له امنه الغذائي وحتى التصدير ، نرى قيامه على العكس باهمال الزراعة لصالح الاستيراد.

لذلك فالسؤال الذي يطرح نفسه هو متى ستقوم الحكومة باستصلاح السهل الرسوبي لتحقيق الاكتفاء الذاتي الكلي من الانتاج الزراعي ومعه الامن الغذائي؟ والمقصود بالسهل الرسوبي هو المنطقة المحصورة بين النهرين الممتدة بين بغداد والبصرة. ولا اقصد بها المناطق المحاذية للانهار فقط ، بل كل المنطقة بين النهرين التي تضم الاراضي الزراعية المتروكة والمهملة لسبب او لآخر. ومع السهل الرسوبي اريد ايضا رؤية الاهتمام بالمناطق الزراعية الاخرى الواقعة في محافظات ديالى وكركوك ونينوى. فهناك ايضا توجد اراض صالحة للزراعة مهملة او متروكة لاسباب شتى حيث يتوجب اعادتها للزراعة. وكل هذه الاراضي معروفة لدى وزارة الزراعة.

وطبعا فمع عملية مثل هذه يتوجب التخطيط لتأمين مياه الري الضرورية ، لا التعكز على ندرتها للقضاء على الزراعة. وتأمين المياه لن يمكن الحصول عليه من دون استخدام وسائل الري الحديثة مثل التنقيط كما ذكرت في مقالة سابقة. وطبعا يتوجب ايضا دعم الفلاحين والمنتجين من خلال تأمين السوق الداخلية لهم. فاموال البلد يجب ان تبقى فيه لدعم الانتاج المحلي. وطريقة تأمين هذه السوق يمكن ان يتم سواء بمنع المستورد او بفرض رسوم اضافية عليه. ولا يمكن ان يحدث هذا دون تشريع قانون خاص به. وهناك جانب آخر لا يقل اهمية وهو ضمان الدولة لعدم التجاوز على الاراضي الزراعية للبناء عليها مثلا. ومع انعدام الاحصائيات ربما لن نستطيع معرفة مقدار ما فقدناه من اراض زراعية منذ التغيير على الاقل. وحسب علمي فقد كانت سياسة النظام السابق هي الابتعاد عن البناء على الاراضي الزراعية. من الفوائد الاخرى لاعادة الاراضي للزراعة هو ايقاف تدهورها وتقليل الاتربة المصاحبة للعواصف الترابية التي تضرب المدن بين الحين والآخر. اي انه يمكن ان يكون للعملية مكسب بيئي وصحي كبير. انتظر اذن اجراءات وزارة الزراعة نحو الحفاظ على الاراضي الزراعية وتأمين مياه الري لها.

ومع الاهتمام باكمال استغلال الاراضي للزراعة يتوجب ايضا الاهتمام بالبساتين ووضع حد لتجريفها مع تأمين الحماية الامنية لها. وعمل متابعة للاشجار المثمرة للحفاظ عليها من الاندثار وتكثيرها. منها الاهتمام بالنخيل واعادة تأهيل اعدادها التي كانت موجودة في العراق ومنتوجها من التمور والتي كانت من روافد الميزانية في السابق. فالنخيل ثروة وطنية يكون من الاجرام التفريط بها. وطبيعي فمع الكلام عن الزراعة والانتاج الزراعي لا يمكن تجاهل امر الصناعات الغذائية التي تعتمد على هذه المنتجات الزراعية مثل تلك المرتبطة بالتمور.

وكان يمكن للقطاع الخاص الولوج في مجال الصناعات الغذائية هذه. إلا انه بسبب فشله الذريع في توفير اية صناعات مفيدة للبلد منذ 16 عاما لا يبقى من حل إلا باعادة القطاع العام الذي كان رائدا فترة النظام السابق قبل قيام هذا باضعافه وتفكيك مصانعه. إذ يستطيع هذا القطاع من تغطية كل الطلب المحلي في ظل استمرار نكوص القطاع الخاص. وهذا بدلا من محاولات تصفيته بادعاءات كونه خاسرا والتي تصدر عادة من انصار تجار الاستيراد ، القطاع المدمّر لاقتصاد البلد. فلا يمكن للبلد مع حاجاته المتزايدة ان ينتظر الى ما لا نهاية. ويمكن للصناعات الغذائية ان تساهم في امتصاص البطالة من العمالة المحلية والمحافظة على العملة الصعبة بدلا من الاستيراد.

ومع الزراعة لا يمكن تجاهل امر المنتجات الحيوانية. وحسنا فعل وزير الزراعة الحالي حين اصدر الامر بايقاف الاستيراد لصالح دعم المنتوج المحلي من انتاج الدواجن والبيض. وهو اول تصرف جيد ارى حدوثه من وزارة في العراق من الغريب عدم رؤية تفاعل كامل معه لا من لدن وزارة الداخلية ولا رئاسة الوزراء. إذ لا يبدو عليهما الاهتمام بدعم المنتوج المحلي على عكس ما ادعاه الاخير في برنامجه الحكومي. إذ لا ادري من من الجهتين قد بادر باصدار امر رفع السيطرات الحدودية التي كانت توقف الواردات القادمة من تركيا المضرة بهذا المنتوج.

وعدا الدواجن فهناك ايضا انتاج اللحوم الحمراء والحليب ومشتقاته المعتمدة هي ايضا على الزراعة. فما زلنا بعيدين جدا عن تحقيق الاكتفاء الذاتي من هذا المنتج وهو امر غاية في الغرابة. فهل يعقل الا يلبي الانتاج المحلي من اللحوم الحمراء إلا ثلاثة ارباع الحاجة بشكل عام اي متفاوت (من استبيان لوزارة الزراعة عام 2017) ، بينما حققت بلدان اخرى مشابهة الاكتفاء الذاتي وحتى دخلت مرحلة التصدير منذ عقود؟ ولا اظن باني الشخص الوحيد الذي يطالب بتحقيق مثل هذا الاكتفاء وباسرع وقت والاستغناء عن المستورد. فالانتاج المحلي هو الضمان للحصول على نوعية جيدة من المنتجات على عكس المستورد الذي يأتي من مناشيء لا نعرف باية ظروف قد جرى انتاجه وحيث قد كشف الغش فيه لمرات عديدة. وغير معروف على هذا السبب الذي شجع الحكومات السابقة على التقاعس عن الوصول الى هذا الاكتفاء اقله للحفاظ على الصحة العامة وعداه للحفاظ على الموارد المحلية ، إلا اذا كانوا هم ايضا من انصار قطاع الاستيراد المدمّر. وهو إن صح تكون تلك الحكومات قد اثبتت عدم اهليتها لقيادة البلد.

ويتوجب التشديد على توفير دعم حكومي حقيقي للمزارعين والمربين كي لا ننتهي الى نتائج الصفر على الارض مع تجارب سابقة من مثل مبادرة احدهم الزراعية التي انتهت اموالها بسبب فساده الشديد هو واصدقائه إما إلى ارصدة الخارج أو إلى الاستثمار في قطاعات تجارية. وللعلم فإن معظم من جلس في مجلس النواب كانوا من انصار قطاع الاستيراد هذا ، ومنهم من يحوز حتى على مجاميع مسلحة. للتذكير فلبعض الدول مصلحة في دفع العراق نحو الاعتماد المتزايد على سلعة واحدة فقط يمكن التأثير على اسعارها. بينما سيصعب الامر لو جرى تنويع الاقتصاد. وهو ما يقوله ويكرره كل خبراء الاقتصاد.

انتظر إذن رؤية تحقق هذه الامور الضرورية للبلد في الفترات القادمة.