الإسلاميون ورثة البعثيين ... التربية والتعليم مثالاً

صادق إطيمش
2019 / 9 / 26

الإسلاميون ورثة البعثيين ... التربية والتعليم مثالاً
على ضوء إهانة الخريجين المطالبين بحقوقهم امام مجلس الوزراء في الخامس والعشرين من شهر ايلول الجاري يشير الى مدى الإستهتار الذي يرافق تصرفات احزاب الإسلام السياسي الحاكمة والأحزاب المتحاصصة معها في هذا الإستهتار والتي لا يمكن ان نصف سياساتها في مجال التربية والتعليم إلا امتداداً لسياسة البعثفاشية المقيتة في هذا المجال.
لا اريد التعميم هنا ، بل الإشارة الى بعض المظاهر التي رافقت البحث العلمي في وطننا بدءً من إيغال دكتاتورية البعث بنهجها التسلطي القمعي الذي اسفرت عنه بشكل لا يقبل الجدل في سبعينات القرن الماضي وامتداداً لما تجره قوى الإسلام السياسي اليوم في بعض المواقف المهينة للعلم التي لم تنقذ وطننا ومسيرته العلمية من هذا الوباء الوخيم .
النهج العلمي الذي الفناه في وطننا العراق منذ ان تواصلنا معه في خمسينات وستينات القرن الماضي ظل يتسم بالروح الباحثة بكل جهد ولأي عن الحقائق العلمية عبر التجارب الميدانية والأبحاث المختبرية القابلة للعرض والمناقشة مِن قِبَل لجان متخصصة تقرر منح الشهادات العليا في هذا الإختصاص او ذاك استناداً الى قناعاتها بما مطروح امامها وانعكاساً لمدى القناعة بالمطروح . واستمر التعامل بهذا النهج العلمي رغم كل المعوقات التي كانت تواجهها المعاهد العلمية العراقية وفي مقدمتها وابرزها جامعة بغداد آنذاك وجامعتي البصرة والموصل بعدئذ بحيث اصبح للشهادة الممنوحة وزناً لا يقل عما تمنحه الجامعات الأجنبية المتطورة.
لقد تغيرت هذه الحالة تدريجياً وعلى مراحل منذ تسلط البعثفاشية المقيتة على السلطة السياسية ومن ثم احتواءها للجامعات والمعاهد العلمية بعدئذ. فبعد ان استتب الأمر للبعث واطمئن الى الأجواء السياسية التي اخذ يمعن في السيطرة عليها ، بدأ اخطبوطه يمد مخالبه اكثر واكثر ليحول الجامعات والمعاهد العلمية الى مقرات لتنظيماته ومواقع مغلقة لأعضاءه . ومنذ ذلك الحين بدأ الدخول في الكليات التربوية والمعاهد العلمية المتعلقة بها امراً يكاد يكون مرتبطاً بالإنتماء لحزب البعث او مناصرته على الأقل.
وبقدر ما يتعلق الأمر بالممارسات على المستوى الجامعي فقد تطورت الأمور الى الدراسات العليا التي اصبحت مغنمة يتطلع اليها بعض اولئك العاملين في تنظيمات حزب البعث والذين خاضوا تجربة ناجحة بالحصول على الشهادة الجامعية الأولية لا بسبب متابعاتهم الدراسية التي ابدوا فيها قمة الغباء والتخلف، بل من خلال انتماءهم لحزب البعث ومشاركتهم في تنظيم وقيادة ومشاركة المسيرات والإجتماعات والمظاهرات في مناسبات تحاكي مناسبات اليوم التي ينظمها رواد الإسلام السياسي والمؤدية لتعطيل العمل والدراسة . لقد كان السعي العلمي الجامعي بمثل هؤلاء البعثيين لا ذِكر له ولا اهمية امام اهمية المظاهرات والإحتفالات والإجتماعات الجماهيرية . وبالرغم من غباءهم المفرط فقد شجعهم هذا الإنتماء الحزبي على مواصلة الزحف نحو الدرجات العلمية كالماجستير التي كانت تشكل الهدف الأساسي آنذاك، وذلك بسبب توفر الإمكانات العلمية لمثل هذه الدراسة. لقد شكل مثل هؤلاء من طلبة الدراسات العليا عبئاً منهكاً على بعض الأساتذة الذين رفضوا مثل هؤلاء ضمن ابحاثهم العلمية وتوجيههم على طريق الدراسات العليا بالنظر لما يعرفه هؤلاء الأساتذة عنهم وعن مستواهم العلمي المنحط سواءً اثناء مراحل الدراسة الجامعية الأولية او عندما عملوا معهم بعدئذ كموظفين فنيين او معيدين في نفس المعهد او الكلية. لقد كان العمل بدرجة معيد في نفس الكلية التي تخرج منها الطالب من الأمور التي تتطلب انجاز مسيرة مرموقة في الدراسة الجامعية الأولية، وهذا لم يتوفر طبعاً في المعيدين البعثيين الذين جرى وضعهم في هذه المراكز العلمية رغم كل ما يمتلكونه من غباء لا لسبب علمي ، بل لكونهم بعثيين فقط. ومما كان يؤسف له حقاً بوصول الرساءل العلمية الى درجة مخيفة من الإنحطاط هو النهج الذي جرى عليه مناقشة الرساءل التي اجاز لنفسه بعض الأساتذة كتابتها لهم إما خوفاً من التنكيل بهم او تقرباً الى مثل هؤلاء البعثيين الذين كان بامكانهم اتخاذ وتنفيذ قرارات مجحفة بحق الآخرين حتى وإن كانوا اساتذتهم . فعندما تجري المناقشة وبسبب معرفة الكثير من البعثيين بعمق غباء رفاقهم يتجمعون في قاعة المناقشة على شكل فزعة عشائرية تتصدى لكل من يطرح آراءً مخالفة لما جاء في الرسالة المطروحة للبحث او يشير الى ما جاء فيها من مغالطات عليمة . إذ يتعرض مثل هذا المُناقش الى تلميحات خافتة او ظاهرة احياناً توحي له بالنتائج الوخيمة المترتبة على استمراره بالنقاش ، لتنتهي هكذا مناقشات بالفوز العظيم لصاحب الرسالة الذي حصل على اللقب العلمي الذي لا يفقه من كنهه شيئاً. لقد قاد هذا الوضع الى ان يجري تقييم الشهادات الجامعية العراقية عالمياً ومن خلال منظمات تقييم الأمم المتحدة بشكل جعلها في مؤخرة القائمة التي تضم مئات الجامعات العالمية. وهذا ما لاحظه الكثيرون العاملون في مؤسسات علمية اجنبية.
وحينما سقطت البعثفاشية ونظامها المقيت استبشر ذوي العلم خيراً بانتهاء مرحلة انتهاك البحث العلمي وابتذال الشهادات الجامعية بمرحلة تستعيد فيها الجامعات ومراكز الدراسات العراقية مكانتها التي كانت تتمتع بها على المستوى العالمي. إلا ان ذلك اخذ يبدو كحلم بعيد المنال يتضاءل الأمل ببلوغ اولى خطواته تحت سيطرة احزاب الإسلام السياسي في العراق والتي اثبتت بمرور الأعوام الستة عشر الماضية على تدني مستوياتها الفكرية وجهلها المطبق بمفاهيم البحث العلمي وعدم قدرة مفكريها على استيعاب الافكار التي لا تصب في مجالات ما يؤمنون به في الشفاء ببول البعير او جناح الذبابة. لقد جرى انتهاك العلم والعلماء تحت سيطرة احزاب الإسلام السياسي على المؤسسات العلمية للدولة العراقية باشكال وطرق شتى تفوقوا بها على اسلافهم البعثيين فحق عليهم القول ، خير خلف لأقذر سلف.
لقد تواصلت عصابات الإسلام السياسي الجاهلة مع التراث الذي سار عليه البعثيون في انتهاك التوجهات العلمية في وطننا العراق من خلال الخطوات الأولى التي وضعوا فيها جهلة بكل ما للبحث العلمي من معنى كقادة وموجهين لمؤسسات علمية سواءً في وزارات التربية او التعليم العالي والبحث العلمي او في انتقاء الكوادر العلمية المؤثرة في وضع المناهج الدراسية او إعداد المختبرات البحثية او توفير المستلزمات التقنية التي يتطلبها النهج العلمي الاصيل او في مواقع ادارة العملية التعليمية بشكل عام. والظاهرة الأساسية التي يمكن الإشارة اليها في هذا المجال تتجلى في تزوير الشهادات بمختلف مستوياتها حتى اصبحت مراكز منح الشهادات في جانعات سوق مريدي مراكزاً تُجبى فيه الأموال الكثيرة من تجارة بيع الشهادات التي تزخر بها ملفات الكثيرين من قادة الدولة العراقية اليوم. وأخزى من ذلك كله ان يرتبط منح الشهادات العلمية ، خاصة الجامعية منها ، بالأعراف العشائرية التي تجلت في الهوسات والأهازيج التي تحفل بها قاعات مناقشة رساءل الماجستير او الدكتوراه وكأن نقاش هذه الرساءل لا معنى له امام الفزعة العشائرية التي زاولها البعثيون سابقاً في مناقشة الرساءل العلمية والتي استأنس لها الإسلاميون ليعيدوا استنساخها ولكن بمضامين اخرى يشكل الدين والعشيرة قوامها اليوم وليس الحزب واهداف الثورة كما كان بالأمس.
لقد ادى مواصلة وتكريس هذا النهج المتخلف في العملية العلمية في المؤسسات البحثية العراقية الى ان تختفي المعاهد العلمية العراقية من سجلات التقييم العالمي بعد ان كانت تحتل المراتب الدنيا على الأقل في هذه السجلات الدولية.
أما الظاهرة الأخرى التي اتسمت بها العملية التربوية والدراسات العلمية في وطننا اليوم فتنعكس على الواقع من خلال انتشار الجامعات والكليات الربحية وليس العلمية التي يلعب فيها تأسيس وامتلاك هذه المؤسسات الربحية من احزاب الإسلام السياسي الحاكمة ومريديها او من الأحزاب العاملة معها في نهب خيرات الوطن وقوت اهله . وهذا ما سنتطرق اليه في الحلقة القادمة من هذا الموضوع
الدكتور صادق إطيمش